من تصوّف فليتصوف بهمّة أمّ عليّ... عاشقات الله والتصوف الإسلامي

الجمعة 29 مايو 202003:16 م

 أنشد الإنسانية.. هذا هو المقصود والباقي مجرد إسهاب.

جلال الدين الرومي، كتاب فيه ما فيه.

إذا كان لنا أن نحدّد النتيجة الأبرز لنشر كتاب أبي عبد الرحمن السلميّ "ذكر النسوة المتعبّدات الصوفيات"، فإننا نراها في الانعتاق من "الولع البحثيّ" بشخصية رابعة العدوية، تلك التي استطاعت عبر قرون طوال أن تتربّع على عرش الشخصيات الصوفية بلا منازع، لقد سبق رابعة تاريخ رحب من الممارسات الروحية والصوفية، كان محورها طائفة من النسوة لم يبرحن يرسمن للنساء أثراً لا يمكن تجاهله في نشأة التصوف الإسلامي وفي تطوّره اللاحق، بحسب عرين قدسي، في دراستها "ملاحظات حول دور المرأة ومكانتها في التصوف الإسلامي المبكر".

للنساء أثراً لا يمكن تجاهله في نشأة التصوف الإسلامي 

ربما انعتق الدرس الغربي من هذا الولع برابعة إلا أن مراجعتنا للبحوث المنجزة عن رابعة العدوية بعد مرور 27 عاماً على نشر كتاب السلمي في القاهرة، تجعل رابعة هي سيدة التصوف الوحيدة التي يعرفها الباحثون العرب، فقد نشر حتى اليوم عن رابعة أكثر من 15 كتاباً، و25 بحثاً، كان آخرهم عن التجربة الروحية الثورية للمرأة!

أشارت روث رودد، في كتابها "النساء في التراجم الإسلامية" إلى ضعف حضور النساء في كتب المناقب والتراجم التي دوّنت عبر تاريخ الإسلام، فكتاب أبي نعيم الأصفهاني "حلية الأولياء"، الذي يعدّ كنزاً ثميناً للتعرّف على سير الأولياء، يحتوي على 28 ترجمة نسائية، (نحو 4%)، ولكنّها جميعاً من عصر الرسول! وعلى الرغم من إيراد صاحب كتاب "الرسالة القشيرية" في عمله الهام عن التصوف، ترجمة لـ83 رجلاً، لم تتضمّن رسالته ترجمة لأي امرأة صوفية، رغم ذكره لبعض المعلومات التي تعرّفنا برجال صوفيّة تلقّوا تعاليمهم وسلكوا طريق القوم على يد امرأة صوفية، أو التقوا بنسوة متعبّدات وعرضوا تجربتهم عليهن، أو تزوّجوا من امرأة صوفية!

إن ضعف حضور النساء في المصنّفات المناقبية بحسب رحّال بوبريك، في كتابه "بركة النساء" ليست خاصية محصورة في العالم الإسلامي، فحتّى التقاليد المسيحية لم تعط المرأة حقّها في حقل القداسة، فعدد النساء المعترف بهن من طرف الكنيسة الكاثوليكية بالقداسة ضئيلٌ جدّاً مقارنة بالرجال، فكتب المناقب المسيحية بدورها همّشت النساء، ومثل كلّ الديانات السماوية، جعلت من الرجل رمزاً للكمال الديني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

إلى أيّ مدى يمكننا التسليم بضعف حضور النساء أو تهميشهن في المصنفات التراثية؟! فعودتنا إلى ابن الجوزي الحنبلي في كتابه "صفة الصفوة" توقفنا على ترجمته لـ240 امرأة صوفية، أي ما يصل إلى نحو ربع عدد المذكورين في كتابه الذي يبلغ أكثر من ألف صفحة!

ثمّة دهشة تنتاب القارئ وهو يتابع حكايات النساء في هذا الكتاب، فلطالما قُدّم ابن الجوزي باعتباره معادياً للتصوف، اعتماداً على ما سجّله من انتقادات لطوائف عديدة من علماء الإسلام، ومنهم الصوفية بصورة خاصة، في كتابه الشهير "تلبيس إبليس". إذ يظل هذا الكتاب حاضراً في الأدبيات المضادة للتصوف حتى يومنا هذا، فهو بمثابة الشوكة في حلوق المتصوفة! حتى أن شاعراَ ومفكّراً بحجم محمد إقبال، صاحب "تجديد التفكير الديني في الإسلام" أراد في أواخر حياته أن يعيد كتابة تلبيس إبليس بصيغة معاصرة، لينقد متصوفة عصره.

إن التفاتة الدارس الغربي إلى كتابات ابن الجوزي لا تقتصر على تلبيس إبليس كما يفعل عوام المثقفين في بلداننا، فيوجّهون الاتهامات بناء على نصّ تاريخي كُتب في لحظة معينة لينتقد جملة من الأوضاع، ولا ينكر المشارب والطرق إلى ربّ العباد، بل استفاد المستشرقون من كتابات ابن الجوزي العديدة، والتي تصبّ في صالح تاريخ التصوف وتعيد بناءه، وأشير هنا إلى كتابات جورج مقدسي، التي أضحت متوفرة بفعل الترجمات العربية اليوم، وروث رودد التي أحلنا عليها في مطلع المقال وغيرهما، وقد استفاد من إحالاتهم على ابن الجوزي غيرُ واحد ممن درس التصوف عربياً، من أمثال مؤمنة بشير العوف، في كتابها الصادر عن دار المشرق ببيروت "أبي الفرج بن الجوزي والتصوف السني"، وسامي مكارم في كتابه "عاشقات الله". 

إن قراءة ما سجّله ابن الجوزي من أخبار النساء وآثارهن تؤكّد خصوصية التجربة الصوفية وثراءها من فرد لآخر، يستوي في ذلك السلّاك رجالاً ونساءً، إذ كل ما يصح أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات، يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء، كما كان لمن شاء الله من الرجال، كما يقول ابن عربي، فلكل وجهة هو مولّيها يبتعد فيها عن القديم، وإن ظنّ أنه مقترب وبالسلف الصالح مقتد، السيدات بالأمس، كرابعة وأخواتها، باكيات في صلاتهن بكاءً يفوق الحدّ، يُحْدث البكاء علامة في وجههن، متعبّدات طوال الليل وأطراف النهار، صوّامات لا يفطرن تقريباً، لا يطلبن المال مهما كانت الحياة قاسية! إلا أن حديثهن بمثابة ثورة على التقليد الإسلامي، فإحداهن تريد أن تطفئ النار! تحمل بعض الماء مسرعة فيسألها أحدهم إلى أين تذهبين؟ أريد أن أطفئ النار! فعلها يدلّ على شفقة ورحمة الأنثى بمساكين أهل الدنيا، إحداهن تصرّح في حديثها مع ربّها: أما كان لك عذاب أقوى من النار؟! أما كان لك من سجن لمن عصاك سوى جهنم؟! إحداهن تبدّل وجهة ذي النون المصري وهو يسير في شوارع مصر، يقول لها: استري وجهك بخمار، فتجيبه المرأة: وما يصنع الخمار بوجه قد علاه الاصفرار؟ قال: ومن أيّ شيء الاصفرار؟  قالت: من محبّته! ثم قالت: إليك عني يابطال، فإنّي شربتُ البارحة بكأس المحبة، فبت مسرورة، فأصبحت اليوم من حب مولاي مخمورة!

لم يكن المجتمع الإسلامي منغلقاً كما يصوّره أهل التدين الظاهري اليوم وكما تفعل بعض البيوتات تبعاً للعادات (الإسلامية)، فقد كانت السيدة العابدة الذاكرة لله تستقبل الرجال: تسمعهم، تجادلهم، تؤدّبهم، تعلمهم، تبدّل وجهتهم

لم يكن المجتمع الإسلامي منغلقاً كما يصوّره أهل التدين الظاهري اليوم وكما تفعل بعض البيوتات تبعاً للعادات (الإسلامية)، فقد كانت السيدة العابدة الذاكرة لله تستقبل الرجال: تسمعهم، تجادلهم، تؤدّبهم، تعلمهم، تبدّل وجهتهم، حتى إذا سألها أحدهم: "كيف لك أن تخالطين الرجال" لسان قلبها ينطق: "كيف يُذْنِب المرء في عمل لله؟". إحداهن كانت سبباً لأن يبتهل أحد المتصوفة الكبار من النقشبندية إلى ربّه، ألا يفرّق بين رجل وامرأة اعتماداً على صورة الجسد وطينته "فنور الروح لا يؤنث ولا يُذكّر"، فعل هذا الصوفي الجامي بعد أن قرأ حكاية امرأة صوفية من مصر، أوردها اليافعي في كتابه "روض الرياحين"، واستطاع الجامي فيما بعد، عند كتابته لديوانه الشعري "سلسلة الذهب" أن ينظم من هذه الحكاية عقداً لؤلؤياً جميلاً.

إن كثيراً من النسوة العابدات تمكن من "التحرر" أو "الاستقلالية" في ممارسة الأنشطة الصوفية، كالسفر بحثاً عن مشايخ الطريق ولقاء إخوان الطرق ومذاكرة علوم الأحوال معهم، متجاوزات للأحكام الشرعية المتعلقة بالخلوة بين الأجنبي والأجنبية، ففي العلاقة الروحية تغيب أحكام الجسد وفروق الجنس، كما رصدت ذلك عرين قدسي، في اختيارها لنموذج فاطمة النيسابورية وعلاقتها بأبي يزيد البسطامي.

إن كثيراً من النسوة العابدات تمكن من "التحرر" أو "الاستقلالية" في ممارسة الأنشطة الصوفية، كالسفر بحثاً عن مشايخ الطريق ولقاء إخوان الطرق ومذاكرة علوم الأحوال معهم، متجاوزات للأحكام الشرعية المتعلقة بالخلوة بين الأجنبي والأجنبية، ففي العلاقة الروحية تغيب أحكام الجسد وفروق الجنس

سلّطت كثيراً من الضوء أنّا ماري شيمل، في كتابها "روحي أنثى" على نماذج عديدة من النساء العابدات، والتي أظهرت من خلالها مكانة المرأة ودورها في التصوف الإسلامي، فكانت روح الأنثى حاضرة، أماً ومربّية ومرشدة وزوجة ومتفوقة على الرجال الكبار، فيظهر ذو النون المصري كطفل بين يدي امرأة حكيمة هي فاطمة النيسابورية، التي لفتت نظره إلى أنّ الصوفيّ الحقّ لا ينظر إلى العلّة الثانوية، وإنّما يلاحظ العلة السرمدية ليبقى مع الأصل، والشيخ الأكبر ابن عربي يصبح ياقوتة قلب أمّه فاطمة، وينفخ الملاك الغائب في قلب الرومي فينشد أنّ "المرأة خلّاقة لا مخلوقة".

رغم ما حظيت به المرأة من مكانة وتأثير في عالم التصوف باعتراف كبار أعلامه، إلّا أننا لا ننتظر من الأدبيات الصوفية في حديثها عن المرأة أن تكون أكثر جمالاً وإنصافاً لها، فتلك الأدبيات ابنة عصرها، فأغلب من نقلوا لنا المرويات المعبّرة عن ثراء تجربة المرأة الصوفية ومشاركتها في إعادة بناء وتشكيل حيوات الكثيرين، نقلوا مرويات أخرى مضادة، لا تختلف عن مرويات المدونة الفقهية التي يندد بها بعض المنتسبين إلى الفضاء الصوفيّ، ويكفي المرء أن يراجع الفصل الخاص بالتزويج وأحكام النساء في كتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكيّ، فالمرأة هي مثال النفس الأمّارة بالسوء واللوامة، وهي الحجاب الذي يقطع على المريد سيره إلى ربّه، والحديث عنها حديث عن مفعول لا فاعل! وقد ورث كثير من الصوفية أفكار صاحب القوت ورسّخها في أذهان مريديه وقارئيه، وظلّ التدوين في شأنها مستمراً شعراً ونثراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard