فتحن اليرموك وأنهين "حروب الردة" وأنقذن النبي... سيرة نساء جيوش الإسلام

الجمعة 5 يونيو 202006:57 م

 نحن الآن في غزوة أحد: نجح خالد بن الوليد في مُباغتة المسلمين، وحوّل انتصارهم إلى هزيمة مفجعة.

وبالرغم من امتلاء الجيش بكبار الصحابة، أمثال عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب وغيرهم، إلا أنّهم فوجئوا بسيوف المشركين تحاصرهم بغتة، ففرّوا من أرض المعركة مُعلنين انتصار كفار مكة عليهم.

لم تتوقّف الخسائر عند حدِّ الهزيمة القاسية، وإنما باتت حياة النبي نفسها في خطر!

رماه عتبة بن أبي وقاص فكسر رباعيته (سِنته) اليُمنى السفلية وجرح شِفته، وتمكّن عبد الله بن شهاب من شجِّ جبهته، وبدا أن المشركين في طريقهم إلى إنهاء حياته.  وفجأة... انشقّت الأرض عن فارسٍ بارعٍ رفع سيفاً وقوساً، وراح يقاتل بهما هنا وهناك حتى أنقذ النبي من هذه المصيدة، ولولاه لقضى المشركون على الدعوة الإسلامية وهي في مهدها.

لم يكن هذا الفارس المغوار رجلاً، وإنما امرأة تُدعى نسيبة بنت كعب الخزرجية.

فعندما اشتدَّت أعمال القتال، خرجت نسيبة من خيمتها لاستطلاع الموقف فهالها ما رأت من تراجع المسلمين عن النبي وتقدُّم المُشركين منه، فأسرعت نحوه "تُباشر القتال"، تذبُّ عنه بالسيف وترمي عنه القوس، وتتلقى الطعنات القاتلة بدلاً منه فأُصيبت بـ12 جرحاً لم تتوقّف معظمها عن النزف حتى بعدما شدّت ثيابها عليها، أحدها نال من عُنقها واحتاجت إلى سنة كاملة كي تتعافى منه.

جُرح ابن نسيبة في المعركة، فسعت إليه وسط آلامها وربطت جرحه بعصابة كانت معها لمداواة الجرحى، وقالت له: "انهض يا بني فضارب القوم"، فنادى عليها النبي قائلاً: "مَن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟!".

بعد انفضاض المعارك، استحقّت نسيبة ثناءً كبيراً من الرسول، فوقف يتحدث عنها وسط أصحابه قائلاً: "ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تُقاتل دوني".

وربما كانت هذه الجملة تقريعاً غير مباشر لـ"كبار الرجال" الذين فرّوا وقتما لا يجب الفرار.

نسيبة، وكنيتها أم عمارة، من أسبق النساء إلى الإسلام، فهي ثانية اثنتين شهدتا بيعة العقبة مع النبي، واشتُهرت في التاريخ الإسلامي بتمرُّدها على الصورة النمطية لمشاركة النساء في حروب الإسلام الأولى، فلم تكتفِ بالمساهمات الهامشية كالتشجيع ومداواة الجرحى، وإنما امتشقت سيفاً وامتطت جواداً وساهمت في أعمال القتال شأنها شأن بقية الرجال.

يقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "أم عمارة شهدت ليلة العقبة وأحداً والحديبية ويوم حنين ويوم اليمامة وجاهدت وفعلت الأفاعيل، وقُطعت يدها في الجهاد".

وبالرغم من هذه البطولة الكبيرة التي أبدتها نسيبة في القتال، فإنها لم تكن الوجه النسائي الأول الذي يظهر في مقاتلاً ضمن صفوف الجيش الإسلامي، كما أنها لم تكن الأخيرة، فمن النادر أن تمرُّ غزوة إسلامية دون أن يظهر فيها ملمح قتال أنثوي أو أكثر، عرفناه بالكاد بالرغم من أن كُتب التاريخ لم تفسح المجال لصفحاتها لاستعراض هذه البطولات بشكلٍ موسع كما فعلت مع الرجال.

يشرح دكتور محمد هيكل بعض أسباب ذلك، في بحثه "الجهاد والقتال في السياسة الشرعية"، قائلاً إن حجم مشاركة النساء في الجيوش الإسلامية كانت ضئيلة جداً حتى أن أخبار خروجهن مع المقاتلين كانت تخفي على بعض أعضاء الجيش الإسلامي أنفسهم. واعتبر أن "المُساهمة النسائية" في أعمال القتال كانت محصورة في دائرة التطوع وبعيدة عن مضارب القتال، واقتصرت على تقديم الخدمات للمقاتلين، والتي يُمكن إدراجها تحت بند ما يُعرف اليوم بـ"الخدمات اللوجسيتة"، مثل: تحريض أبنائهن وأزواجهن على القتال، حفظ المتاع، إعداد الطعام، إسعاف الجرحى، نقل الجثث من مكان القتال، وغيرها من المهام التي لا تقتضي طعناً ولا كرّاً ولا فرّاً.

ابن هارون الرشيد كان أول من جنّد المرأة في الجيش، وفي عهده بلغ عدد النساء المُجنّدات 1700 امرأة، وكن يعملن كعيون داخل وخارج صفوف الجيش، وبخلاف ذلك لا تُسعفنا كتب التاريخ بأي معلومات إضافية عن الأدوار التي قامت بها هذه "الكتيبة النسائية" في مضارب القتال

ولا يُمكن استغراب هذا الإحجام النسائي عن المُشاركة في الجهاد والإحجام التاريخي عن العناية بتوثيق هذه المشاركات، في ظل النصوص التشريعية الواضحة التي تقصره على الرجال وحدهم، مثل قول النبي لأم سليم أنه "لم يُكتب على النساء الجهاد"، واتفاق جمهور الفقهاء على أن الأمر في "كُتب عليكم القتال"، سورة البقرة: آية 216، مُوجَّه للرجال فقط ولا دخل للنساء به، حتى وإن أتت صيغة الأمر الإلهي عامة بدون تفرقة بين الجنسين.

كما كثرت المرويات التي حصرت دورهن في أعمال "ما دون القتال"، مثل قول أم سنان الأسلمية للنبي خلال استعداده للخروج إلى خيبر: يا رسول الله أخرج معك، أخرز السقاء وأداوي المريض والجريح، إن كانت جراح وأُبصر الرَّحل"، فوافقها النبي، وفي نفس الغزوة روى ابن كثير في "البداية والنهاية" عن نساء بني غفار اللائي طلبن من الرسول السماح لهن بالخروج معه، قائلات: "نداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا".

هذا الاجتهاد لا يزال معمولاً به حتى الآن، فالجدل لا يتوقّف كلما نُوقشت فكرة "تجنيد النساء" في الجيوش الإسلامية وقيامهن بأعمال قتالية، وفي إحدى المرات أصدر الأزهر بياناً أكد فيه أن دخول المرأة الجيش "غير جائز شرعاً"، معتبراً أن مهام الحمل ورعاية الأطفال وإدارة شؤون الأسرة "تجنيد رباني" تجعل المرأة غير مُطالَبة بالقتال أو الجهاد في ساحات المعارك.

مقاتلات من الطراز الرفيع

ورغم ذلك، لم ينقطع التاريخ الإسلامي، بين الحين والآخر، عن ذِكر نساء اضطرتهن ظروف المعارك إلى عدم الالتزام بـ"أوامر عدم الجهاد"، فرفعن السيوف وجندلن الأعداء خلال الغزوات، كاشفات عن مقاتلات من الطراز الرفيع.

يقول هيكل: خلال مصاحبة النساء لحركة الغزوات الكبرى التي قامت بها الجيوش طول عصور الدولة الإسلامية، كان لابد من أن تقع المرأة في لحظات يكون حمل السلاح فيها حتمياً ويصبح القتال فرض عين عليها، لو لم تفعله لماتت، فكان عليها أن تخرج من طور الاستئناس وتُشمّر ساعديها عن مُقاتلة تُبارز وتجرح وتَقتل وتُقتل، ومن كثرة وأهمية هذه المواقف وضع لها الإمام البخاري باباً كاملاً في صحيحه، منحه اسم "غزو النساء وقتالهن مع الرجال".

فمثلاً، لم تكن نسيبة هي الوجه النسائي الوحيد الذي قاتل في أحد، يروي ابن مسعود في مسند الإمام أحمد، أن النساء كُنَّ "يُجهزن على جرحى المشركين".

كما أن صفية، عمة النبي وأخت حمزة، ما أن رأت جيوش المسلمين وهي تتراجع عن القتال، حتى رفعت رمحاً وراحت تضرب به وجوههم، قائلة: "انهزمتم عن رسول الله؟!".

وهي ليست المرة الأولى التي تنخرط فيها صفية بأعمال القتال، فخلال غزوة الخندق، وضع الرسول النساء في حصنٍ خوفاً عليهن، ولما استشعرت أن يهوديّاً يُحاول التجسس عليهن قتلته بعمود حديدي، ما يُبشِّر أن تاريخاً قتالياً نسائياً حافلاً مبثوثاً بين أسطر كتب المرويات، يستحقُّ منّا غربلة هذه الكتب لمعرفته وتسليط الضوء عليه.

لنقاتلن إلى ألا تبقى عين تطرف

أول الغيث كان لطمة على رأس أبي لهب من لبابة الكبرى بنت الحارث، زوجة العباس عم الرسول، بعدما رأته يضرب أبا رافع، مولى الرسول، إثر غزوة بدر، فضربته بعمود فشجّت رأسه. وفي غزوة تبوك، التي عُرفت باسم غزوة العُسرة، دعا الرسول أصحابه إلى التبرع لتجهيز الجيش، فتبرعت نساء المسلمين بكل ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتيم. وفي غزوة خيبر اتّخذ الرسول أول راية للإسلام "من بُرد لزوجه عائشة"، وحين اندلعت أعمال القتال ساهمت النساء فيها فناولن الرماة السهام.

كما يحكي محمود خطاب في كتابه "العسكرية العربية الإسلامية" عن نوع آخر من المساهمة في القتال بأسلحة خفيفة، فيقول: إن قسماً من النساء كُن يحملن الخناجر في الغزوات المختلفة تحت ثيابهن.

ومن أشهر مَن أقدمن على هذه الفِعلة هي أم سليم بنت مِلحان الخزرجية، أم أنس بن مالك، التي اتّخذت يوم حنين خنجراً ربطته حول وسطها، وهي وقتها حامل في عبد الله بن أبي طلحة، ولمّا سألها الرسول عن سبب احتفاظها بسلاحٍ، قالت: إن دنا أحدٌ من المُشركين بقرتُ بطنه.

كما يروي الواقدي في كتابه "فتوح الشام"، أنه في معركة أجنادين، عبّأ خالد قواته واستعد للقتال، وكان من ضمن مقاتليه جماعة من النساء، نعرف منهن عفراء بنت غفار الحميرية، أم أبان بنت عتبة وكانت عروساً لا يزال الخضاب في يدها والعطر في رأسها، سلمة بنت زارع وخولة بنت الأزور، والأخيرة قامت بـ"إسهامات جهادية" كبيرة استحقّت معها أن نختصّها بحديث منفصل.

خطب خالد في قواته "النسائية"، قائلاً: "إن حملت طائفة من الروم عليكن، فقاتلن عن أنفسكن، وإن رأيتن أحداً من المسلمين قد ولى هارباً، فدونكن وإياه بالأعمدة وارمين بولده، وقلن له: أين تولّي عن أهلك ومالك وولدك وحريمك؟ فقالت عفراء بنت غفار: أيها الأمير! والله لا يفرحنا إلا أن نموت أمامك، فلنضربن وجوه الروم، ولنقاتلن إلى ألا تبقى عين تطرف".

ويضيف الطبري للنساء دوراً آخر في "تاريخ الرسل والملوك"، فنقل رواية عن أم كثير، امرأة همام بن الحارث النخعي، بأنها خلال معركة القادسية، وبعدما "نزل النصر"، شدّت ثيابها وأخذت الماء وابتغت القتلى "فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أخذنا ما عليه".

الموت للمرتدين

لعبت امرأتان دوراً كبيراً في وأد اثنتين من أخطر الفتن التي أصابت الدولة الإسلامية في بداية عهد أبي بكر، الأولى في اليمن على يدي الأسود العنسي، والثانية في اليمامة بواسطة مسيلمة الكذاب.

فبعد وفاة النبي استحوذ الأسود على اليمن، وطرد منه عامل الرسول شهر بن باذام، وتزوّج من امرأة "شهر"، وتُدعى أذاد، وكاد أن يُخرج الإسلام من اليمن بأسره، لولا أن دبّرت أذاد مكيدة تسلل بموجبها بعض المسلمين إلى قصره وقتلوه، وأنهوا فتنته في مهدها.

أما مع مسيلمة الذي سمّى نفسه بـ"رسول الله"، فلقد أعلن راية العصيان في وجه الخليفة الأول أبو بكر، فبعث له جيوش، بقيادة خالد بن الوليد، تُعيده إلى حظيرة الدولة من جديد، وفي هذه الحرب سنلتقي مجدداً من نسيبة بنت كعب التي بلغها نبأ أن مسيلمة قتل ابنها حبيب، فعاهدت الله ألا تموت قبل أن تنهي حياة مسيلمة.

شهدت حرب اليمامة، وأصيبت بـ11 جرحاً، وتعرضت يدها للقطع، ومع ذلك ظلت ثابتة في المعركة حتى انتهى القتال، وكادت تُنهي حياة مسيلمة بيديها لولا أنه سبقها إليه أحد جنود المسلمين، وعندما عادت إلى المدينة زارها الخليفة أبو بكر في منزلها تكريماً لها.

صنعن الفارق في "اليرموك" و"ميسان"

أما عن أبرز المعارك التي تجلّى فيها الحضور النسائي واضحاً، ولعب دوراً كبيراً في إحراز النصر ولولاه لأصابت المسلمين الهزيمة، فهو ما حدث في معركتي "اليرموك" و"ميسان".

البداية، كانت مع حشد خالد بن الوليد لنساء معسكره على طريقته المفضلة، فساقهن وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف، وقال لهن: "من رأيتموه مولياً فاقتلنه".

إلا أن هذا الإجراء لم يكن كافيًا لتأمين النصر، يقول الواقدي في "فتوح الشام": في إحدى الجولات كشف الروم المسلمين، واخترقوا صفوفهم بشدة فاهتزت المسلمون وبدأوا في التراجع، وتعقبهم الروم حتى دخلوا معسكرهم، فصاحت النساء فيما بينهن: "يا بنات العرب دونكن الرجال، ردوهم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحرب"، ووفقاً لمختصر تاريخ دمشق، فإن أم حبيب بنت العاص راحت تنادي على الرجال تستحثهم على العودة للمعركة مجدداً بقولها: قبّح الله رجلاً يفرّ عن حليلته"، فيما صاحت نساء أخريات: "لستم ببعولتنا إن لم تمنعونا".

ولم تكتفِ النساء بهذا الدور في هذه المعركة الفاصلة، وإنما شمّرن السواعد ودخلن فوراً في حلبة القتال مستعينين بكل ما أمكنهم بلوغه من أسلحة.

يقول البلاذري في "فتوح البلدان": "وقاتل يوم اليرموك نساء من نساء المسلمين قتالاً شديداً"، وهو ما توضحه أم تميم زوجة خالد بن الوليد: "أشرفنا على الغبرة والقتال، ونظرنا الأسنة والصوارم تلوح في القتال كأنها الكواكب، وقاتلت نساء بالسيوف حين دخلن المعسكر (...) حتى سايفن الرجال".

وأسهبت كُتب التاريخ في شرح بعض صور هذه الأعمال القتالية، يقول الواقدي "امرأة أقبلت على "علج" (جندي رومي) وهو على فرسه، فتعقلّت به ومازالت به حتى نكسته عن جواده وقتلته، وهي تقول: هذا بيان نصر الله للمسلمين".

كما اشتهرت أسماء بنت يزيد بني أبي السكن الأنصارية، بمشاركتها المؤثرة في الحرب، بعدما حملت عمود فسطاطها وقتلت تسعة من الروم، فيما تحكي أم موسى اللخمية، والدة موسى بن نصير، أنها أبصرت (عِلجاً) يجرُّ رجلاً من المسلمين، فأخذت عمود الفسطاط فشدخت به رأسه.

أما في معركة ميسان (مكان بين البصرة وواسط بالعراق)، حشد أهل هذه المدينة للمسلمين، ولما التقى الجمعان خافت أزدة بنت الحارث من أن يهزم المسلمين، فعقدت لواءً من خمارها، واتخذت المسلمات من خمرهن رايات، وانطلقن إلى ساحات القتال، فلما نظرهن المشركون ظنوا أن الرايات المقبلة مددٌ، فانكشفوا وهزمهم المسلمون.

غزالة.. قاهرة الحجاج

لنتخيّل الفارس المهيب الحجاج الثقفي، الذي لطالما قاد الجيوش وخاض عشرات المعارك تجابه مقاتلة امرأة. هذا ما حدث مع إحدى فارسات الخوارج تُدعى "غزالة"، وكانت تحارب لنصرة دعوة زوجها شبيب بن يزيد الخارجي الشيباني ضد عبد الملك بن مروان وعامله الحجاج بن يوسف.

لنتخيّل الفارس المهيب الحجاج الثقفي، الذي لطالما قاد الجيوش وخاض عشرات المعارك تجابه مقاتلة امرأة. هذا ما حدث مع إحدى فارسات الخوارج تُدعى "غزالة"، وكانت تحارب لنصرة دعوة زوجها شبيب بن يزيد الخارجي الشيباني ضد عبد الملك بن مروان وعامله الحجاج بن يوسف

يروي الجاحظ في "البيان والتبيين"، عنها بأنها عرفت بالشجاعة والفروسية حتى أن الحجاج في بعض حروبه هرب منها، وقيل إنها تحدّته في مبارزة فرفض، فعيّره الشاعر عمران بن حِطَّان بأبياته الشعرية الشهيرة:

أَسَدٌ عَليَّ وفي الحروبِ نَعَامَةٌ

فَتْخَاءُ تَنفِرُ من صَفير الصافِرِ

هَلاَّ بَرَزْتَ إلى غَزَالةَ في الوَغَى

بل كان قَلبُكَ في جَنَاحَي طائرِ

عُرفت غزالة بأنها تحارب بنفسها وتقاتل الأبطال بسيفها، وفي أحد الأيام نذرت أن تُصَلِّي في جامع الكوفة، كأبرز أنواع التحدّي لسلطة الحجاج، فدخلت المسجد بصحبة زوجها وسط فرسان بني أمية، الذين خافوا من التعرّض لها بفضل ما اشتُهرت به من شجاعة في القتال، صلّت وأطالت؛ فقرأت في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية سورة آل عمران، ثم خرجت من المسجد دون أن يتعرّض لها أحد، فقيل فيها: وفت غزالة نذرها، يا رب لا تغفر لها.

وظلّت غزالة وزوجها يُحاربان الحجاج عامين هزما له خلالها له 20 جيشاً حتى تمكّن أخيراً من هزمهم عام 77هـ، في معركة فاصلة قُتِلت فيها غزالة.

خولة.. لله دُرها من فارسة

في إحدى المعارك مع الروم في الشام، فوجئ المسلمون بفارسٍ عليه ثياب سود سبق الجميع إلى قتال الروم وحمل على عساكرهم كـ"النار المحرقة فزعزع كتائبهم، وحطَّ مواكبهم ثم غاب وسطهم ثم عاد ملطخاً بالدماء بعدما قتل رجالاً وجندل أبطالاً"، حتى ظنّه بعض الصحابة خالد بن الوليد نفسه، ولكن الأخير ظهر بينهم مؤكداً أنه ليس الفارس قاهر الروم، الذي أقبل عليهم، فقال له خالد: لله درك من فارس، اكشف لنا عن لثامك.

فباغته الفارس بصوتٍ صريح يقول: أنا من ذوات الخدور وبنات الستور، وكشفت قناعها فإذا هي خولة بنت الأزور.

الوحيد الذي تحدّث عن هذه الشخصية هو الواقدي في كتابه "فتوح الشام"، الذي نقل عدة أخبارٍ عن فتاة عربية ملكت زمام السيف والشعر، وقدّمها بوصفها فارسة من طراز رفيع، فكانت تشق الصفوف وتجندل الرجال وتهزم الجموع، وتنقذ الأسرى، وكذلك تنشد الشعر رقيقاً ليناً.

حاربت في صفوف جيش خالد بن الوليد إلى جوار أخيها ضرار بن الأزور في فتوحات الشام، وشبّهها الواقدي بخالد بن الوليد في الجسارة والإقدام، واتخذ الروائي أحمد علي باكثير من شخصيتها خيطاً أدبياً اهتم بالتعبير عنه في مؤلِّفه "عمر بن الخطاب"، كما كتب فيها الشعر أمل دنقل أبياتاً مؤثرة، هي:

"خولة تلك البدوية الشموس

لقيتها بالقرب من أريحا

سويعة، ثم افترقنا دون أن نبوحا

لكنها كل مساء في خواطري تجوس

يفتر بالشوق وبالعتاب ثغرها العبوس"

قيل إنها ماتت في أواخر خلافة عثمان، إلا أن انفراد الواقدي بذِكر أخبارها دفع بعض الباحثين للتشكيك في صحة وجود هذه الشخصية، معتبرين إياها مجرد أسطورة شعبية نقلها الواقدي عن النّاس.

وبالرغم من الآثار الكبيرة التي أحدثتها هذه البطولات النسائية في صناعة التاريخ الإسلامي إلا أن المجهود الحربي النسائي بقي في إطار الجهود الفردية، ولم تتبنّه الدولة بشكل رسمي إلا عام 200هـ، على أيدي الخليفة العباسي المأمون.

يحكي إبراهيم مروزق في كتابه "أوائل في السياسة والتاريخ"، أن ابن هارون الرشيد كان أول من جنّد المرأة في الجيش، وفي عهده بلغ عدد النساء المُجنّدات 1700 امرأة، وكن يعملن كعيون داخل وخارج صفوف الجيش، وبخلاف ذلك لا تُسعفنا كتب التاريخ بأي معلومات إضافية عن الأدوار التي قامت بها هذه "الكتيبة النسائية" في مضارب القتال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard