عفاف راضي… غنّت موشحات كما الأوبرا وكانت مشروع "الملحن الشيطان"

الثلاثاء 12 مايو 202002:56 م

أن يلتقي دربك بمن يسيطر على سوق الموسيقى في مصر، لهو من حسن الطالع الذي كتب لصوت جديد ظهر في عام 1970، عبر حفل بطله عبد الحليم حافظ، كأنه يخدم ويمهد لتلك الومضة التي فتح لها بليغ حمدي مسارها في الضوء، هي عفاف راضي، الحلقة الوسيطة التي سلط بليغ الضوء عليها، وهو تاجر الموسيقى وضامن النجاح، لتكون قنطرة تصل بين غرب الموسيقى وشرقها، بين الغناء الأوبرالي، تخصصها الدراسي، وبين تخصصها الروحي، الربع تون.

صوتها يشبه سحبة القوس التي تزيد عن حاجة الكمان فتخلق في الروح لسعة الغربة، صوتها طفولي ناضج، غير مسموح له باللعب في المساحات الضيقة ولا ارتجال الغناء في المساحات الواسعة، إلا في إطار المكتوب له من "بليغ"، حتى حين تكرر جملة تبدو للمستمع أنها معجبة بصوتها لكن لا يمكنها أن تتصرف فيها حسبما تحب، فكل تصرف مرسوم لها بدقة وما عليها إلا السمع للذي يقف خلف الستار، ويجرّب في معمله كيف يطور الفولكلور وكيف يستفيد منه، كيف يعيد تلحينه وكيف يصنع مساحة التقاء بين عالمين دون أن يُتهم بالتغريب، أو بتشويه أصول الغناء الشرقي.

سمفونية بليغ الخاصة

كانت عفاف راضي هي نجمة الجيل الذي لمع في أواخر زمن عبد الحليم، وهي جزء من مشروع الملحن الشيطان، بحسب توصيف المنشد سيد النقشبندي لبليغ حمدي، بينما كان هو كل مشروعها تقريباً، وإن تعاقب عليها الملحنون.

كان "بليغ" متيماً بالجملة الموسيقية كبطل لعمله، معترفاً بفضلها على اللحن والمؤلَّف الموسيقى كله، فطوّع مطربته الأثيرة بكل إمكاناتها الصوتية لتناسب تفكيره في هذه المرحلة، لصالح جملته التي أرادها أن تدور حول محورها وتبتعد وتهاجر وتتألم بعيداً، ثم ترتد إليه من فوق جبل عالٍ، ليُسقطها على أصلها التي انطلقت منه بانسيابية.

لم يكن بوسع بليغ بالتأكيد أن يتحصّل على نتائج شبه مثالية من هذه التجربة، إلا بفضل صوت مدرّب على المرونة، مستوعب لفنّي الأوبرا والغناء الشرقي معاً ومتمكن منهما على حد سواء. تغني موشحات كما تغني أوبرا، ولم يكن بوسعه أن يجرب في ملعب وهو لا يملك اللاعب المهاري الذي سينفذ تعليماته التي يتخيلها ولا يستطيع هو أداءها بهذه الحرفية، كانت عفاف راضي إذن إحدى أدوات بليغ حمدي "ليصنع سيمفونيته الخاصة"، وقد استفادت هي من طرق تجريبه وشطحاته، بأن صارت واحدة من أهم الأسماء التي غنت في مصر والعالم العربي.

كانت عفاف راضي هي نجمة الجيل الذي لمع في أواخر زمن عبد الحليم، وهي جزء من مشروع الملحن الشيطان، بحسب توصيف المنشد سيد النقشبندي لبليغ حمدي، بينما كان هو كل مشروعها تقريباً، وإن تعاقب عليها الملحنون

فرص ضائعة

تقول عفاف راضي لإحدى الصحف المصرية: "الدنيا كانت سهلة، تبنّاني بليغ حمدي وكان مسيطر في السوق وشغال مع كبار المطربين، وفضلت حوالي 5 سنين في بدايتي أتعاون معه، وهو اللي بيعمل كل ألحان الأغاني الخاصة بي والتي اقتربت من 60 أغنية، وبعدها تعاونت مع ملحنين آخرين، منهم كمال الطويل ومنير مراد والموجي وعمار الشريعي".

النجاح مضمون إذا كانت هذه الأسماء تقف خلف مطرب بالتأكيد، خاصة أن بليغ كان الملحن الوحيد تقريباً الذي معه الكارت السحري لتنفيذ أي شيء داخل شركة "صوت الفن"، التي يمتلكها عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، فقد أمر عبد الوهاب بأن تفتح لبليغ الاستوديوهات وقتما يريد وليفعل ما يحلو له.

ومنذ نجاح مشاركة عفاف راضي الأولى في حفل عبد الحليم بالإسكندرية في عام 1970، اهتمت الإذاعة بها كصوت جديد، وتكرر بث أغانيها وحظيت باهتمام ضمِن لها البداية الصاروخية، وبعد ذلك تبنّتها "صوت الفن"، وأنتجت لها في منتصف السبعينيات فيلم "مولد يا دنيا"، الذى قدمت فيه مجموعة من أخلد الأغاني وحقق الفيلم نجاحاً مدوياً، وصار توثيقاً لوجود مطربة كبيرة كان يمكنها استثماره لتصبح نجمة في عالم السينما، لكن غياب الإدارة في هذا الشق المرئي بعكس وجوده بقوة في شق الغناء ممثلاً في بليغ وشركائه، جعل من عفاف راضي "عابرة سبيل" في السينما، لم تشأ إلا أن تلقي السلام وتمر مرور الخِفاف الكرام.

فرصة أخرى كانت كفيلة أن تنقل عفاف راضي إلى مطربة صاحبة مشروع مقيم أتتها عام 1974، حين قدمت للإذاعة مسلسل "حبي أنا" في شهر رمضان، إذ قام بالتمثيل معها كل من بليغ حمدي بنفسه وعازف الجيتار الأشهر عمر خورشيد، بما له من نجومية طاغية في تلك الفترة، وقدمت في المسلسل مجموعة من أجمل وأشهر أغنياتها، مثل "لمين يا قمر" و"دوري بينا" و"سلِّم سلِّم".

كان ينقص المعادلة شيء ما لم ينتبه له أحد، ربما يقول قائل بأنها لم تكن تملك كاريزما وملامح تؤهلها لتكون "سوبر ستار"، لكن الملامح ليست كل شيء ولنا في أم كلثوم عبرة وبيان، بل أرى أن الشيء الناقص كان يكمن في التشتت.

فالمطربة التي بدأت في برامج الأطفال لم تكن تعلم أن الطريق طويل كليل امرؤ القيس، كانت تظن أنها لعبة، ورغم لمعانها مبكراً في سن 19 سنة وتمكنها من عزف البيانو فضلاً عن تفوقها الدراسي بتقدير امتياز، فإنها لم تحدد لنفسها طريقاً بعينه، بل أرادت أن تنال من كل طريق خطوة، في الأوبرا خطوة ثم في السينما مثلها، وفي الغناء أرادت قطع مشوار أو مشوارين، وما أن صعبت عليها المشقة في مسار حتى حولت دفتها إلى مسار آخر، لتكون المحصلة ضرباً في اتجاهات كثيرة دون أثر شديد البيان.

كان تدخل بليغ حمدي في حياة عفاف راضي قد وصل إلى محاولة تحكمه في اسمها الفني، فقد أراد لها أن يكون اسمها "جميلة" بدلاً من "عفاف"، لكنها رفضت بقوة هذه المرة ولم تُطع "معلمها"، ومع ظهور الرفض ربما قرر بليغ التخلي عن مشروع عفاف

كان تدخل بليغ حمدي في حياة عفاف راضي قد وصل إلى محاولة تحكمه في اسمها الفني، فقد أراد لها أن يكون اسمها "جميلة" بدلاً من "عفاف"، لكنها رفضت بقوة هذه المرة ولم تُطع "معلمها"، ومع ظهور الرفض ربما قرر بليغ التخلي عن مشروع عفاف، فانتقلت بدورها من عالمه إلى عوالم شركائه: كمال الطويل، منير مراد، محمد الموجي، ثم عمار الشريعي، والأخير ربما أكمل مسار بليغ معها من حيث التجريب الموسيقي.

وبعد غياب 19 عاماً، بسبب انشغالها برسالة الدكتوراه، وفقاً لتصريحها لمجلة "المصور" المصرية، ظهرت عفاف معترفة بأنها فقدت الكثير بسبب "كسلها" و"رحيل باقة الملحنين الكبار في سنوات متقاربة"، وكأنها تقول كيف أطير وحدي بلا قوة دفع خارجية تعودت عليها، كما فسرت غيابها حتى عن حفلات دار الأوبرا المصرية بقولها: "من فترة عملت حفلات كتير في الأوبرا ولكن ماحدش حس بيها لأنها لم تكن مذاعة".

لا تعرف ماذا ستقدم لاحقاً، ولا تعرف إن كانت الأغنية الحرة أفضل لها أم العرض الموسيقي الغنائي، مثلما تمنّى لها بليغ حمدي. تقول إنها تفضل المسرح الغنائي، لكنها لم تقدم منه سوى أربعة أعمال طوال تاريخها، رغم إتاحة كل شيء أمامها.

الخلاصة، إن الضوء يبحث عمن يبحث عنه، فالفراشة التي تكتفي بانتظار النور ليتجمع حولها لن تنال إلا مزيداً من ضياع العمر والألق، هذا هو الدرس الذي لم تستوعبه المطربة الكبيرة، التي اختارت أن تكون أكاديمية على حساب أن تكون مطربة مؤثرة بشكل أكبر مما فعلت، والاختيار من حقّها طبعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard