يُلهم كلاً من المجدّدين والتكفيريين... ابن تيمية بطل المشاهد المتناقضة

الأربعاء 13 مايو 202004:28 م

في حوار نشره قسم اللاهوت والدراسات الدينية في جامعة نوتنغهام، سأل المحاور، أستاذ اللاهوت التاريخي توماس أولوغلين، ضيفَه أستاذ الدراسات الإسلامية في نفس الجامعة جون هوفر: "ربما يمثل ابن تيمية في الإسلام، في قيمة أعماله، ما يمثله أوغسطين وتوما الإكويني في التراث المسيحي؟"، فأجاب هوفر: "ربما أكثر".

وفصّل هوفر إجابته بقوله إنه "حينما تسير في شوارع القاهرة يمكنك أن تجد كتب ابن تيمية، أو حتى كتب تلميذه ابن القيّم الجوزية الذي كتب بلغة أكثر جمالية، في أي محل للكتب الإسلامية، ولكنك لن تجد أعمال أوغسطين أو توما الإكويني في أي محل للكتب في المملكة المتحدة".

ربما تثير هذه العبارات فخر الإسلاميين، لكنها حقاً يجب أن تثير الحسرة والتساؤل. لماذا تجاوزوا هنالك الجدليات الفلسفية ذات الطابع اللاهوتي وتحوّلت إلى دراسات تاريخية لحقب تطوّر الفكر، بينما نحن هنا لا زلنا نُعيد نفس الجدل، ولم تزل أفكار ابن تيمية هي القوى الحية الموجِّهة لناقشات تحدث في الألفية الثالثة، تبعد ما يزيد عن سبعة قرون عن زمن ابن تيمية نفسه؟ ولماذا تدور المناقشات هنا في دوائر تنتهي من حيث تبدأ بينما تدور هناك في خط مستقيم متصاعد؟

بطل كل المشاهد وعكسها

يُلهم ابن تيمية التجديد الديني والإسلام العقلاني بسبب عدد من الفتاوي الجريئة مثل فتواه الشهيرة التي كانت بمثابة ثورة في فقه الطلاق والتي أقرّ فيها بأن الطلاق يقع مرة واحدة حتى وإنْ تم القسم ثلاث مرات، وهي الفتوى التي جلبت له المتاعب والسجن، ولكنّه واجه مصيره بشجاعة ولم يتراجع عنها وتحوّلت إلى قاعدة فقهية أخذ بها مسلمون كثيرون من بعده.

وفي الوقت نفسه، تُستخدم أفكار ابن تيمية لتغذية نزعة الانتقام واللاتسامح، فأول خلاف للرجل مع السلطة حدث في ما عُرف بحادثة عساف النصراني، بسبب رغبة الحاكم في العفو عن رجل مسيحي يُدعى عساف اتُّهم بسب النبي. ورغم إنكار المتهم للتهمة وعدم كفاية أدلة الاتهام وشبهة الكيدية في الشهادة واعتناق عساف نفسه الإسلام في ما بعد، إلا أن ابن تيمية أصرّ على إهدار دم الرجل، ما أغضب حاكم دمشق عز الدين أيبك الحموي فأمر بضربه وسجنه إلا أنه لم يتراجع عن فتواه بل كتب كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، ما أدى إلى مقتل عساف في ما بعد في الحجاز، حتى بعد إشهاره إسلامه.

يبرز اسم ابن تيمية أحياناً في الدعوات إلى تكفير مَن يحكم بقوانين بشرية وقتاله، فقد أفتى "شيخ الإسلام" بتكفير المغول، حتى المسلمين منهم، إذا ما تحاكموا بالقواعد القانونية التي وضعها جنكيزخان والتي تسمى إلياسا (أو الياسق)، ما ألهم السلفية الجهادية في ما بعد بتكفير مَن رضي بالقوانين البشرية أو تحاكم بها.

ويظهر ابن تيمية كبطل للإسلام الوهابي، إذ تُستخدَم فتاويه أحياناً لتكفير المسلم المختلف في أمور العقيدة مثل القول بأن الله ليس في السماء، كما أنه يظهر في جزء كبير من حياته كعنوان لقضية حرية الرأي والضمير، فقد كان دوماً ضحية لتمسكه بقناعاته، وحوكم عقائدياً وسُجن لمدد مجموعها بين ست سنوات وفقاً لبعض المصادر و12 سنة، وفقاً لمصادر أخرى، حتى أنه مات في سجن قلعة دمشق بسبب آراء فقهية لا ينبغي أن تكون سبباً لسجن أو تنكيل مثل رفضه التبرك بقبر النبي، أو رفضه لفكرة التوسّل بالأنبياء.

يُوظَّف ابن تيمية في معركة التكفير والمعركة المضادة، ويُستخدَم كمنظّر للسلفية الجهادية، وكذا كقيمة إسلامية للإسلام الوسطي في الدراما الرسمية الممولة من الدولة المصرية.

التكفير كمسوغ للقتل

لم تكن المشكلة الأساسية التي يطرحها فكر ابن تيمية وفتاويه هي تكفير المغول المسلمين، فربما كان لمنطق الرجل بعض الوجاهة في هذا الأمر، إذ ربما كان إسلامهم له دوافع سياسية (وإنْ أثبتت الحوادث التاريخية في ما بعد تمسكهم بالإسلام). المشكلة الأكبر أن هذا التكفير، سواء كان للحكام المغول المسلمين، أو لعساف النصراني، أو للمسلم الذي يقول قولاً آخر في العقيدة يُستخدَم كمسوّغ للقتل بدوافع سياسية أحياناً أو عقائدية في أحيان أخرى.

"حينما تسير في شوارع القاهرة يمكنك أن تجد كتب ابن تيمية، أو حتى كتب تلميذه ابن القيّم الجوزية، في أي محل للكتب الإسلامية، ولكنك لن تجد أعمال أوغسطين أو توما الإكويني في أي محل للكتب في المملكة المتحدة"

سياسياً، رسّخ ابن تيمية فكرة أن المعارضة السياسية لطريقة الحكم يجب أن يسبقها حرمان ديني مطلق، وليس حرماناً فقط من الجنة بمفهومها الديني، بل الحرمان من الحق في الحياة نفسه ليتحوّل الخلاف الدنيوي إلى خلاف حول مطلقات لا حل له إلا الدم.

وهنا أنت لا تحارب حاكماً بسبب سياساته الظالمة أو قوانينه أو طريقة حكمه غير الرشيدة، بل أنت تستحلّ الدم بالمعنى المقدس دينياً، ما يجعل المعارضة فعلاً غير عقلاني في أساسه ولا يقبل التفاوض والحلول الوسطى التي تقبلها مقتضيات العقلانية وبديهيات السياسة، لأن الصراع يتحوّل إلى جهاد ديني يجب أن ينتهي بقتل وإراقة دم، دمك أو دمه، وصراع على الجنة والنار لا على الحكم والسياسات.

إدارة الخلاف بالفتوى الدينية

يطرح الكلام حول ابن تيمية الجدل القديم المتجدد: هل يجوز من الأساس أن تُدار الخلافات السياسية بالفتاوي الدينية؟ وهل نحتاج إلى فتوى لمعارضة حاكم أو موالاة آخر؟ وهل يجب أن تصاحب المعارضةَ السياسية حول السياسات الدنيوية، حربٌ مقدسة؟ وهل القوانين البشرية القابلة للتغيير والتطوير سبب للتكفير ومن ثم القتل؟

يُلهم ابن تيمية التجديد الديني والإسلام العقلاني بسبب عدد من فتاويه الجريئة، ولكن في الوقت نفسه، تُستخدم أفكاره لتغذية نزعة الانتقام واللاتسامح، فأول خلاف للرجل مع السلطة حدث في ما عُرف بحادثة عساف النصراني

وهنا لا تبدو الأمور ببساطة عبارة عن كلٍّ يؤخذ منه ويُرَدّ، لأن المحك هنا دماء الناس وفرص التغيير السلمي وليس الخلاف حول فقه الطهارة. وهنا تظهر إجابة كثيرين من الإسلاميين بأنها فتاوى بنت عصرها، ما يستدعي الحجة المضادة من قلب الجدل ذاته وهي أن تفسيرات النص الديني في الأمور المتعلقة بالمعاملات لا العبادات هي أمور في حدّ ذاتها زمانية غير مقدسة ويمكن أن تتغير بتغيّر الزمن وتغيّر الظرف التاريخي، ما يعيدنا إلى نقطة التأسيس الأولى وهي فكرة تاريخية التفسيرات والتأويلات المرفوضة من القطاع الأكبر من الإسلاميين.

ابن تيمية يلخّص نقطة الأزمة الأساسية وهي مرجعية الفتوى لا مرجعية العقل، فكل الأطراف المتشابكة بحاجة إلى فتوى ما لتقديم حجة ما، وهي أزمة التفكير بالفتاوى.

العقل هنا غير العقل هناك. هناك، تجاوز العقل استخدام التفسيرات الدينية لتقديم فكرة والجدل حولها وحَصَرَ الجدل في الاستدلال المنطقي واختبار صحة الفرضيات من المشاهدة والواقع، فمنذ صلح وستفاليا، رجع الصراع عندهم إلى طبيعته المصالح القابلة للتفاوض والتوفيق بين الإرادات المتصارعة وتحوّلت أفكار توما الإكويني وأوغسطين إلى مادة تاريخية ضمن تطور الأفكار لا مادة مؤثرة في الحاضر. لكن هنا، لا يزال العقل يستأنس بالفتوى ويبحث عن فتوى مضادة للرد عليها، ولم يزل ابن تيمية بطل السجالات المتجددة لأن طريقة التفكير السائدة لم تمنحنا مساحة الأمان الكافية لمغادرة الاستدلال بالفتوى واستبدال ذلك بالاستدلال بالعقل، وتفسير الصراعات عقلانياً وفق منطق تضارب المصالح، لا العاطفية حول العقائد.

ابن تيمية ظهر وسيظهر طالما الخلافات تتعطل فيها المناقشات والتفكير في الحلول الوسطى، وتنتعش فيها التفسيرات المطلقة الجامدة لأمور هي بطبيعتها نسبية تحتاج إلى قدر كبير من المرونة والقدرة على التوفيق بين الإرادات المتصارعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard