"صاحبة مطعم وبتقدم الطلبات بنفسها!"... بماذا تحلم الفتيات في دمياط؟

الاثنين 11 مايو 202004:18 م
العمل وحبه والالتزام به أمور تسري في دم الكثيرين من سكان دمياط، المدينة المصرية الساحلية، فأشهر مثل شعبي لدى الدمايطة هو "صباح الخير يا ورشة، مساء الخير يا فرشة"، والذي يعني أنهم يقضون صباحهم في العمل، ولا يسهرون الليل، وفي ذلك يتشابه الرجال والنساء.

"موت الرئة اليمنى أيقظ حلمي"

"حياة"، هو الاسم الذي اختارته، آية مطر، ليكون عنوان مشروعها الخاص بالدعاية والإعلان، الذي أسسته مع صديقتها زهور جوهر.

آية البالغة من العمر 23 عاماً، والتي تخرجت من كلية التجارة، حكت لرصيف22 عن مشروعها، فقالت: "مع بداية دراستي الجامعية، ساعدت والدي في استوديو التصوير الخاصّ به، وتعلمت أصول الجرافيك والتصميم، وقبل تخرجي، اقترح والدي التفكير في مشروع خاص بي، أستغلّ من خلاله أدوات الطباعة التي نمتلكها، ومن هنا بدأت في التخطيط لحلمي بتأسيس مكتب للدعاية والإعلان، لكني توقفت بسبب إحباط المحيطين لي".

تعرضت آية لجلطة في الشريان الرئوي، تسبَّبت في موت الرئة اليمنى، تقول آية: "أنا بلا فخر، أصغر بنت تتعرض للجلطات في دمياط، فقد بدأت رحلتي معها وأنا في السادسة عشر، لكن الأخيرة كانت صعبة، ففي نهاية 2018 كنت على مشارف الموت، لولا أن صديقتي زهور كانت بجانبي، وأنقذت حياتي في الوقت المناسب، وبالرغم من تأكيد الأطباء أنني على وشك الموت، إلا أنني خيبت توقعاتهم ولا زلت حية".

"في البداية أثار الموضوع دهشة الناس، فقد كان الكثيرون يأتون إلى المطعم فقط عشان يشوفوا البنت اللي بتعمل ساندوتشات وتخدم على الناس بنفسها، وهذا لم يكن يسبب لي ضيقاً، كنت سعيدة، ألتقط الصور معهم، وأعتبرها دعاية للمكان"

خلال فترة التعافي في يناير 2019 وبينما يسيطر اليأس علي، قررت زهور أن تعيد الحياة للحلم كما أعادت لي الحياة، وبالفعل بدأنا التخطيط له ونفذنا على الفور. فقمنا بتأسيس صفحة على موقع فيسبوك، ونشرنا تصميمات لأكواب ونوت مطبوعة، وأعلنا عن خدمات طباعة مختلفة، وأطلقنا على مشروعنا اسم "حياة"، وبدأنا في تطويره. فسافرنا للقاهرة لمتابعة الجديد في ماكينات الطباعة، وبحثنا عن فرص لدخول مجال الدعاية والإعلان هناك. تركنا مكتبنا الصغير، وانتقلنا إلى مكتب أكبر بعد عام وثلاثة أشهر فقط، وأصبح لنا الماكينات الخاصة بنا.

ما ساعد زهور التي درست المكروبيولوجيا في كلية العلوم، على البداية والاستمرار، رغم انشغالها بالمذاكرة الجامعية، هو رفعها لشعار "لا للطاقة السلبية"، فهي تهدف مع صديقتها لنشر البهجة والاستمتاع بأجواء العمل، قبل أن يسعيا إلى الربح المادي.

مطعم "الخالة نوسة"

نسرين محمد (34 عاماً)، أول امرأة في دمياط الجديدة تفتح مطعماً يحمل اسمها "الخالة نوسة"، والذي كان حدثاً ملفتاً للانتباه.

"درست سياحة وفنادق، وكان حلمي دوماً امتلاك مطعم وكافيه بسيط، أسعاره في متناول الجميع وديكوراته لا ترهب الزبون. اسمه شعبي سهل الحفظ وقريب من القلب.."، تقول نسرين لرصيف22.

لذلك وخلال سنوات الدراسة قررت نسرين العمل، فبدأت في مجال السياحة، واكتسبت خبرة، ثم قامت بافتتاح محل ملابس، لكنها تركته وسافرت للخارج في تجربة زواج انتهت بالطلاق.

"عدت إلى مصر وللعمل مرة أخرى. جربت بيع الملابس أونلاين لكنني لم أجد نفسي، فحلمي القديم كان حاضراً وبقوة، شعرت أنه الخلاص الوحيد من آثار تجربة ارتباط صعبة، والأمان الوحيد لي ولطفلتي الصغيرة"، تضيف نسرين.

اقترضت نسرين من البنك، وجمعت مبلغاً مادياً من الأصدقاء، وتحدَّت خوفها.

فقررت نسرين أن تبدأ، ورغم عدم توافر النفقات اللازمة للمشروع، اقترضت من أحد البنوك، وجمعت مبلغاً مادياً من الأصدقاء، سددته على أقساط شهرية، وتحدت خوفها، تقول: "قررت النجاح فلم يكن لدي بديل آخر".

عن مشاعرها في بداية طريقها، تقول نسرين: "كنت خايفة.. لكن في نفس الوقت كنت واثقة إن ربنا مش هايخيب ظني".

"في البداية أثار الموضوع دهشة الناس، فقد كان الكثيرون يأتون إلى المطعم فقط عشان يشوفوا البنت اللي بتعمل ساندوتشات وتخدم ع الناس بنفسها، وهذا لم يكن يسبب لي ضيقاً على الإطلاق فقد كنت سعيدة، ألتقط الصور معهم، وأعتبرها دعاية للمكان".

"جمايكا" و"ببلاوي" سر المهنة

على مدار ثلاثة سنوات ونصف، هي عمر المطعم، حققت نسرين نجاحاً، وتميزت أكلاتها بالطعم والنظافة كما يؤكد جمهورها، فقد تخصصت الخالة نوسة في الكبدة والسجق، سواء ساندوتشات أو طواجن، ومع الوقت ابتكرت نسرين أكلاتها الخاصة، كطاجنين "جمايكا وبيبلاوي" التي رفضت الإفصاح عن مكوناتها فهو "سر حربي لا تمنحه لأحد".

تؤكد نسرين لرصيف22 أنها لا تخاف المنافسة أبداً، ولا تفكر فيها، فكل ما يشغل بالها هو الجديد الذي يجب أن تقدمه، حتى تحافظ على ما حققته من نجاح، وتحافظ على زبائنها الذين عشقوا المكان، وتكسب زبائن جديدة ينضمون لعائلة "الخالة نوسة".

نشر كتب وتعليم أطفال

كيف تنقذ الأطفال من هوسهم المرضي بالتكونولجيا؟

سؤال شغل بال حسناء نبيل، الشابة الدمياطية البالغة من العمر 30 عاماً، فابتعاد الأطفال عن الكتاب أمر كان محزناً بالنسبة للفتاة التي درست التربية الفنية في كلية التربية النوعية.

فكرت حسناء كثيراً في الحل، لكن بحكم الزواج والإنجاب سرقتها الحياة، حتى شاء القدر أن تفقد ابنتها "دنيا" الرضيعة، والذي كان حادثاً جللاً قلب موازينها، أو بالأحرى عدّل موازينها.

فقد كان هذا الحدث المأساوي سبباً في تحقيق حلمها، فعلى الرغم من أنها أم لطفلين، إلا أنها قررت أن تدرس الإرشاد الأسري بجامعة عين شمس، وحصلت على دبلوم مهني أخصائي نفسي مدرسي.

ولأنها من محبي القراءة، وزائرة دائمة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي كان سبباً في الإيحاء لها بالفكرة، تواصلت حسناء مع العديد من دور النشر الشهيرة، وأصبحت وكيلاً معتمداً لهم في دمياط، وقرَّرت أن تؤسس "حدوته"، مكانها الخاص الذي أصبح بعد عام واحد من إنشائه، أول نادٍ ثقافي للأم والطفل بالمدينة، كما أصبح داراً للنشر والتوزيع، قدمت أول إصدارتها وهي "شنطة حدوته الرمضانية" التي تعلم الطفل طوال الشهر الكريم، القيم والمبادئ بأسلوب بسيط.

لأن شروق لم تكن تمتلك أي رأس مال لمشروعها، كانت تقترض من مصروف بيتها لتجهيز الطلبات، ثم تعيد المبلغ مرة أخرى، وتحتفظ بالمكسب لتبدأ به تجهيز طلبات جديدة، وهكذا "دارت العجلة"

أكدت حسناء لرصيف22 أن هدفها من تأسيس "حدوته" ليس ربحي فقط، لكن نشر الوعي والثقافة بين سكان مدينتها، ولهذا قدمت الدورات التعليمية للأطفال والأمهات.

على الرغم من أن عمر "حدوته" هو عام واحد، إلا أن التأثير الإيجابي الذي لمسته حسناء في رواد المكان، جعلها تطمح لتأسيس فرع آخر في دمياط القديمة، ليكون "حدوته" مع الوقت أكبر مركز للتعليم المرن في المحافظة كلها.

"فلوس مشروعي من مصروف البيت"

يقول أصدقاؤها إن "نَفَسَها حلو في الطبيخ"، لذلك كان تحضير الأكل البيتي هو المشروع الأنسب الذي اختارته شروق محمد، لتبدأ به رحلتها مع حلمها. شروق أم لأربعة أطفال في مراحل تعليمية مختلفة، عمرها 38 عاماً، وزوجة منذ أكثر من 22 عاماً.

عاشت، كغيرها من نساء الطبقة الوسطى في مصر، أياماً صعبة بسبب الأزمات الاقتصادية، حتى نصحتها جارتها التي تذوقت أكلها بالصدفة، وأشادت بمذاقه، بإعداد الأكل، وتسويقه عبر فيسبوك، وكانت البداية التي حكت عنها شروق لرصيف22.

"أكدت لي صديقتي أنه مشروع مربح، ولا يحتاج لمغادرة المنزل".

تقول شروق: "عندما اقترحت علي جارتي هذا اندهشت، فلم أسمع عن الأمر من قبل، لكنها أكدت لي أنه مشروع مربح ولا يحتاج لترك المنزل، فبدأت أفكر في الأمر، وبالفعل كتبت إعلاناً على إحدى الصفحات الشهيرة في مدينة دمياط الجديدة، عبر موقع فيسبوك، وتركت رقم هاتفي، وبالفعل جاءني العديد من الطلبات".

قدمت شروق في البداية أكثر الأكلات التي تجيدها، وتتميز فيها، وهي الفطير المشلتت بالسمن البلدي، ولأنها لم تكن تمتلك أي رأس مال لمشروعها، كانت تقترض من مصروف بيتها لتجهيز الطلبات، ثم تعيد المبلغ مرة أخرى وتحتفظ بالمكسب لتبدأ به تجهيز طلبات جديدة، وهكذا "دارت العجلة" كما قالت.

تقدم شروق لعملائها الفطائر والمخبوزات والمحاشي بأنواعها، وخصوصاً الممبار. لكنها اشتهرت بالفطير المشلتت الذي أصبح يطلب منها كهدايا للأصدقاء خارج مصر، على الرغم من أن مشروعها لم يكمل عامه الثالث.

ما لفت انتباهي في حكاية شروق هو حرصها الدائم على الحفاظ على سرية مشروعها، فلا يعلم أحد من عائلتها أو عائلة زوجها بما تقوم به، وعندما سألتها عن السبب، قالت: "التطفل والحشرية أشياء سخيفة أكرهها، فأنا لا أتدخّل في حياة أحد، ولا أسأل عن أشياء لا تخصني مطلقاً، لكن لو عرف من حولي بما أقوم به سوف يحاصرونني بأسئلة لن تنتهي، عن المصاريف والمكسب والأرباح والزبائن والخ الخ.. فقررت أن أرحم نفسي من كل ذلك. وكان إخفاء الأمر عن المقربين هو الحل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard