"يس، والدّستور العظيم"... محاكاة النص القرآني في الأدب العربي الحديث

الأحد 10 مايو 202002:41 م

أثار موضوع استدعاء الفتاة التونسية، آمنة الشرفي، التي نشرت نصاً بعنوان "سورة الكورونا" بدا وكأنه يحاكي القرآن، إلى التحقيق، الكثير من الجدل حول حقوق التعبير في تونس، والحد الفاصل بين حرية المعتقد وحرية الضمير بالدستور التونسي وازدراء الأديان، فربطت المسألة بقضية الرسومات الكاريكاتورية لجريدة "شارلي ايبدو" وغيرها من القضايا التي زجّ فيها الدين زجاً، من خلال الحركة المتوحشة للإشاعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتدخل مفكرون وحقوقيون للدفاع عن الفتاة التي أنكرت، ربما بتوصية من محاميتها، أنها كتبت النص وإنما كل ما فعلته أنها أعادت نشره على حسابها بالفيسبوك.

الصورة من عريضة دعم لآمنة الشرقي (رابط).

ولكن نادراً ما توقف أطراف هذا الجدل عند قصة محاكاة النص القرآني نفسها ووجودها في تاريخ الأدب العربي؟ ولم يسائلوا لماذا يحاكي الكاتب العربي، صغيراً وكبيراً، النص القرآني؟

اليوم هناك الكثير من الجدل حول حقوق التعبير في تونس والحد الفاصل بين حرية المعتقد وحرية الضمير بالدستور التونسي وازدراء الأديان. ولكن نادراً ما توقف أطراف هذا الجدل عند قصة محاكاة النص القرآني نفسها ووجودها في تاريخ الأدب العربي؟ 

النص المعجز والمحاكاة العاشقة

مازالت الثقافة العربية الإسلامية ترى في القرآن نصاً معجزاً ببلاغته وجمال أسلوبه، ولذلك تأتي محاكاة النص الديني من خلفية إعجاب بالأسلوب لا التحدي، وهي بذلك مثل فِعْل الرسام والنحات تسعى إلى محاكاة الخلق ولا تدعي الألوهية. وعندما يسعى الكاتب لمحاكاة النص القرآني فهو يعلم أنه بصدد كتابة نص أدبي دنيوي وليس نصاً دينياً، على عكس مدعي النبوة في التاريخ العربي، كنص مسيلمة الكذاب وغيره.

بيرم التونسي والمحاكاة الساخرة والنقد الاجتماعي

من أول النماذج الحديثة في الأدب العربي لمحاكاة النفس القرآني أقدم عليها بيرم التونسي، وقد توقف عندها الكاتب التونسي منصف الوهايبي، في مقال بموقع الأوان، بعنوان "في محاكاة النصّ القرآني: سورتان من قرآن بيرم التّونسي"، وعرض فيها نصين لبيرم التونسي، نشرا بكتابي، محمد كامل البنا: بيرم كما عرفته، ومحمد العتر: ألحان مصرية"

وهما "سورة الستات" و"سورة أربعين سعد زغلول"، وهما في المحاكاة الساخرة وشكل من أشكال التنويع الأدبي، في أسلوب بيرم الهزلي الساخر.

"سورة السـتّـات"

"يا أيّها المحافظ إذا أبصرتم النّساء يقصّرن ملابسهنّ، ويبدين صدورهنّ، فأصدروا لهنّ منشورا ۞ ألاّ يتخطّطن ويتحكّكن ويقوّرن الثّوب تقويرا ۞ إنّما الأحمر والأبيض والكحل والأقلام زينة من عمل الشّيطان، وليست شيئاً مشكورا ۞ صنعة الله التي تعجب المتّقين من الرّجال، ولا يعجب الأحمر إلاّ رجلاً غفيرا ۞ وقـل للمتزوّجات يسترن أفخاذهنّ، ويغطّين سمّانات أرجلهنّ، ولا يلبسن فستاناً قصيرا ۞ ذلك بأنّهنّ تزوّجن، ومن تتزوّج فقد فازت فوزاً كبيرا ۞ العانسات والأبكار يغسلن وجوههنّ، ويمشّطن شعورهنّ، ولا يضعن جبساً ولا جيرا ۞ ليعلم الذين يخطبون ذات البعل وغير ذات البعل وكفى بذلك تفسيرا ۞ ما كان لرجل يتبع المرأة وهو مؤمن، إنّ الرّجل كان خنزيرا ۞ يا نساء الشّعب إن يملك منكنّ الرّجال أغراضهم فلن تتزوّجن أبدا، ولو أعجبتهنّ كثيرا ۞ الرّاقصون للرّاقصات، والصّرماحون للصّرماحات، والمعلّمون للمعلّمات. ولا تتزوّج شريفة خنزيرا ۞ حرّمت على المؤمنات السّمكة والأساور من القشرة والحجل، وما جعل الله من أرجلهنّ جنزيرا ۞".

“سورة أربعين سعد زغلول”

"يس ۞ والدّستور العظيم ۞ ذكر ما أنزل على مصطفى وفريد ۞ وما أوحي إلى الزّعماء من لدن عزيز عليم ۞ قالوا ربّنا هب لنا قوّة، وامددنا بجرائد وأحزاب، وجنّبنا القوم الرّجعيّين ۞ إذ خطب مصطفى قومه وكانوا غافلين ۞ ألاّ تجعلوا في الوطن شركاء آخرين ۞ يسعّرون قطنكم، ويعلّمون أبناءكم، إن هذا هو الخسف الكبير ۞ ثمّ اصطفاه ربّه كما اصطفى عيسى بن مريم عن ثلاث وثلاثين ۞ أمّا فريد فكان من أولي العزم إذ ابتلاه ربّه ببرلين ۞ قال ربّ إنّي بلي الثّوب منّي، ولا أجد الخيط الأبيض ولا الخيط الأسود، وأنت على ذلك شهيد ۞ وكان ثلّة من آل فرعون يعيثون في الدّيار، يقامرون ويرقصون مع الرّاقصين ۞ فما سندوه وما نصروه، ومات من الجوع وهو زعيم ۞ وكم من زعماء ماتوا وهم يشحذون ۞ ألا إنّ آل فرعون قوم منحطـّون ۞ ما كان سعد وفديّاً ولا دستوريّاً، ولكنّ مصريّاً كالمصريّين ۞ فمن اتّبع هداه جعلناه خليفة في الأرض، وإنّا له لمصوّتون ۞ فإن تولّوا فالذي توفـى سعدا يأتي بأربعين ۞ وما ذلك عليه بعزيز ۞".

والواضح أن بيرم يتخذ من أسلوب النص المقدس ليسخر من المرسل إليه الجديد، لا السخرية من النص المقدس أو ازدراء للدين، إنما يتوسل بهذا الأسلوب لنقد واقع اجتماعي وسياسي.

من أول النماذج الحديثة في الأدب العربي لمحاكاة النفس القرآني أقدم عليها بيرم التونسي: ما كان سعد وفديّاً ولا دستوريّاً، ولكنّ مصريّاً كالمصريّين ۞ فمن اتّبع هداه جعلناه خليفة في الأرض، وإنّا له لمصوّتون ۞ فإن تولّوا فالذي توفـى سعدا يأتي بأربعين ۞ وما ذلك عليه بعزيز ۞

محمود المسعدي والبحث عن الإنسان

أما في الأدب التونسي، فقد كان الأديب الكبير محمود المسعدي أول من نحا هذا المنحى في المحاكاة في أعماله الأدبية، كالسد، وحدث أبو هريرة قال، بحثاً عن البلاغة.

 يقول الأستاذ محمد اليعلاوي، إنّ "محمود المسعدي متأثّر بالقرآن تائق إلى إعجازه" ويصف أسلوبه علي جعفر العلاق، بمجاورة حميمة للنص المقدس أو السرد الإلهي، يقول المسعدي في مولد النسيان: "ومدين هائم على غير هدى، واصرف من بيته فعدا، ثم تمهّل فمشى، وخرج من باطن دويّه فأصغى، فإذا الغاب ثقيل وأثقل من رضوى. وذعر مددين ثم تجرأ فتمادى، وتبعه الصمت والسكون كأن حوله منهما هالة كبرى"، وشبهها محمد صلاح الدين الشريف، بما ورد في سورة النازعات، كقول الله تعالى: "فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى.. فإذا جاءت الطامة الكبرى"، وكذلك يشير الباحث الجزائري سعيد بوطاجين، إلى التماس الكبير بين خطاب المسعدي والنص القرآني، كذلك التماس بين سورة الرحمن وما كتبه المسعدي في "حدث أبو هريرة قال": "ودعوتهم إلى جنات ووديان وأعناب مهدلة ولؤلؤ ومرجان وتين وتفاح ورمان وماء مستراح وريحان".

عندما يسعى الكاتب لمحاكاة النص القرآني فهو يعلم أنه بصدد كتابة نص أدبي دنيوي وليس نصاً دينياً، على عكس مدعي النبوة في التاريخ العربي، كنص مسيلمة الكذاب وغيره.

ولا بد أن المسعدي قد أخذ أيضاً بإيقاع النص القرآني القائم على السجع، وهو الباحث الذي كان يعد بحثاً بعنوان "الايقاع في السجع العربي".

ويعتبر العلاق أن هذا الكلام الخاص، المنقطع عن المعجم اليومي والمترع حد الارتواء برهبة الكلام المقدس وحيويته، يصعّد محمود المسعدي لغته إلى عليين، ليجعل منها لغة لا تمت بصلة إلى لغة الحياة اليومية. إن الكاتب يذهب بنا، من خلال هذه اللغة المقدسة، إلى قطيعة ذات دلالة صادمة مع اليومي، والاستعاضة عما في الحياة من ابتذال وبهيمية، بلغة الأعالي وما فيها من دلالات كبرى لا تصدر إلا عن إنسان أوغل في العلوّ وعفة الروح حد الهلاك".

واسيني الأعرج وخيبة الوئام المدني

أما في الأدب الجزائري، فقد كانت قوة محاكاة النص القرآني عند الروائي واسيني الأعرج، خاصة في روايته "شرفات بحر الشمال"، من خلال تراتيل الشيخ غلام الله، بائع الجرائد بمدخل سوق كلوزيل، والذي كان يتكلم عشقاً للقرآن بأسلوبه، وظل "ينشد أحزانه وأشوافه المرتبكة ...ولم يتجرأ أحد على لمسه بضرر. وعندما عاد القتلة، وغادروا مخابئهم الجبلية، واحتلوا الشوارع الخلفية التي ضيعوها منذ سنوات. قالوا له اسكت يا وجه النار"، فتصدى لهم بنصه القوي فضربوه ونكلوا به و"منعوه ومنعوا عنه المكان"، ولما عاند، "دوّن كبير الملتحين كل كلامه على ورق أصفر كأسنانه، وفي مساء اليوم نفسه اختطفوه وفي صباح اليوم السابع وجد مسمّراً، مصلوباً على الشجرة الوحيدة التي في المكان، كتب على ورقة رشقت على صدره العاري: هذا مسيلمة الكذّاب. عاشر الشيوعيين وهم الذين سموه غلام الله والعياذ بالله، لذم العزيز الحكيم. نصح فلم يعمل بالنصيحة. عزز فاستكبر وتعدى حدود الله ومن تعداها فقد ظلم نفسه وضرعه وزرعه وأهله. وفي الصباح الموالي كان القتلة يمشون في الجنازة ويتساءلون عما حصل ويتأسفون".

كانت غاية واسيني الأعرج التطرق لموضوع التطرف والإرهاب الذي عاشته الجزائر، والذي لم يتوقف بالرغم مما عرف بالوئام المدني الذي أطلقه الرئيس بوتفليقة، وغفر للقتلة دون حساب، فنزلوا من الجبال وسلم بعضهم الأسلحة لكنهم لم يتنازلوا عن العنف ولا عن القتل، ولا اعتذروا من الشعب الجزائري. لذلك رفضوا أي خطاب يذكرهم بأن الإسلام دين تسامح وأنهم يشوهونه، ففضحتهم بلاغة غلام الله وقربه من الله، رأسمالهم الرمزي الذي يقتلون باسمه وهو منهم براء، فقتلوا صاحب التراتيل وصلبوه ورموه بالشيوعية والإلحاد.

نقتطف من رواية شرفات بحر الشمال المقاطع التالية: ثم ينغمس في شدوه وترتيله: وإذ يهمس الناس في آذان بعضهم البعض أن ما رأوا يثقل الروح ويشيب الرأس وينهض الميت من قبره، يتباكى الذين يقهرهم الخوف ولا سبيل لهم في الدنيا غير الصيح. أولئك لا خير من ورائهم ولا أياديهم التي اقترفت ما لا يرده الأكرمون. ربكم عالم بما تخفون. وويل للذين يخفون. سيأتي عليكم يوم فيه تتآكلون. الابن يقتل أمه والبنت تهلك والدها، وهل تعلمون ما قتل الوالد؟ نار في الوارد وعذاب أليم.."

"وإذ يأتونكم جماعات جماعات، يسألونكم عما أنتم فاعلون؟ ردوا عليهم بكلام اليقين. أولا تعرفون؟ بئس ما تكنّون. تخفون أكثر مما تظهرون. أين أنتم غافلون؟"

ويقول في موقع آخر: "وإذ يأتونكم جماعات جماعات، يسألونكم عما أنتم فاعلون؟ ردوا عليهم بكلام اليقين. أولا تعرفون؟ بئس ما تكنّون. تخفون أكثر مما تظهرون. أين أنتم غافلون؟ الساحات كنست آلامها وإذ يقول الإنسان ما لها؟ رد عليه أن الحرب لملمت أوزارها وعاد الناس إلى الطريق المستقيم، طريق الذين اختاروا بيت الوئام على بيت الظلام. أولا تعلمون؟ عودوا إلى الصراط المستقيم. إذ يضحكون منكم، قولوا لهم سنكون عليكم، إن شاء الله، من الضاحكين"....

ويندرج هذا الأسلوب في مشروع واسيني الأعرج التجريبي في اختبار اللغة في مستوياتها المتعددة من الفصيحة إلى العامية إلى التهجين إلى استعمال لغات أجنبية كالفرنسية في النص، وكانت رواية شرفات بحر الشمال نموذجاً لهذا الاشتغال على التعدد اللغوي، وهو منحى ليس بريئاً فاختيار الأسلوب هو موقف أيديولوجي ويعكس روح الرواية التي تبحث عن الديمقراطية وتعدد الخطاب، في وجه الخطاب الإقصائي الآخر الذي ينزع الألسنة ويصلب المختلفين.

إن النص الذي نسب إلى الفتاة التونسية لا يمكن أن يجرم أو تكفر بسببه، بل يجب التعامل معه نقدياً إن كان جديراً بذلك، وليس كذلك كأي نصوص للمبتدئين ينحو نحو المحاكاة البليدة والفذلكة، على الرغم من نبل رسالته التي تدعوا إلى الثقة في العلم والابتعاد عن الشعوذات والاعتقادات الخرافية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard