"زمالة، صداقة، حب، تحرش جنسي".. كيف يعيش شركاء سكن من الجنسين في القاهرة؟

السبت 16 مايو 202005:22 م

خلف الأبواب الموصدة حكايات كثيرة. منها ما يبقى سراً لوقت طويل، ومنها ما يتسلل إلى خارج قيود العادات والتقاليد الصارمة في المجتمعات العربية، فيُثار حوله جدلٌ اجتماعي وثقافي، وربما سياسي، واسع النطاق.

من تلك الحكايات ما يُعرف بـ"المساكنة" أو تقاسم السكن بين شاب وفتاة، والتي اتسعت رقعتها في ظل المناخ المنفتح على الحرية الذي تزامن مع ثورة يناير عام 2011، في حين ظلّ المجتمع المحافظ بطبعه رافضاً لها.

هكذا دافع عنها طرفٌ ولا يزال باعتبارها حرية شخصية، فضلاً عن مقاربتها كحل لظروف عائلية صعبة أو اقتصادية ضاغطة، بينما أصرّ طرفٌ آخر على إدراجها في خانة "العهر" و"الدعارة" وغيرهما من الأحكام الاجتماعية القاسية. 

"زيّ الإخوات"

يقول تامر الصادي إنه عاش مع صديقته في محافظة الجيزة لمدة عام ونصف تقريباً، لم تكن بينهما أية علاقة عاطفية أو حتى معرفة سابقة، كل ما في الأمر أنها جاءت إلى القاهرة، بسبب ظروف عائلية قاسية، ولم تسمح لها ظروفها المالية باستئجار منزل أو حتى غرفة كما يفعل المغتربون عادة.

في تلك الفترة، تعرّف إليها الصادي من خلال صديق مشترك، وقرّر استضافتها في منزله الذي يعيش فيه بمفرده.

يحكي الشاب الثلاثيني، وهو كاتب مصري، لرصيف22 أنه لم يرتبط بالفتاة بأكثر من مجرد زمالة تحوّلت في ما بعد إلى صداقة قوية، وهي في البداية كانت تخشى السكن معه خوفاً من الاعتداء الجنسي أو التحرش بها، لكنها قبلت الأمر بسبب افتقارها لحل بديل ولأصدقاء في المدينة، ولاحقاً تقبلته وأصبحت أكثر اطمئناناً.

يُتابع الصادي: "صديقتي ارتبطت بعلاقة عاطفية أثناء الإقامة معي، لكنها لم تُخبر حبيبها بالأمر خشية رد فعله، في الحقيقة لم نخبر أي شخص بالأمر نهائياً حتى الأصدقاء، لأن المجتمع المصري بمختلف طوائفه لا يُمكنه تفهّم مثل هذه العلاقات، وكنا نخشى أن يتهمنا الناس بممارسة ′الزنا′، ولا أبالغ في ذلك لأن الناس يحكمون عادة على مثل هذه العلاقات بشكل خاطىء، ويمكن أن يصل الأمر في بعض المناطق حد التدخل والاعتداء لمنع هذه العلاقة".

تعرضت هند للعنف والتحرش من أخيها، ولم تساعدها والدتها. تقول: "كنت أحاول الهرب. في البداية رفضت السكن مع شاب، كنت مرعوبة من أي تصرف قد يقوم به، لكن لم يكن أمامي بديل، فلا مال ولا أصدقاء في القاهرة... قررت أن أخوض التجربة، ولم تكن سيئة"

ويضيف الشاب المصري: "كنا زيّ الإخوات... نأكل وننام ونناقش أموراً حياتية ومجتمعية، ونحترم المساحة الشخصية جداً لكلينا، وصديقتي عانت من أمور كثيرة جعلتها ناقمة على عادات المجتمعات المغلقة، لأنها تعرضت لظروف صعبة في منزل أسرتها، جعلتها تبحث عن الأمان في الغرباء وتحاول أن تجدد أفكارها وتثقف نفسها بعيداً عن قيود المجتمع والتدين المبالغ فيها".

"أخي كان يتحرّش بي"

طرحنا على تامر السؤال حول طبيعة الظروف التي مرّت بها الفتاة، فقال إنه من الأفضل أن تجيب بنفسها إن أرادت ذلك، وبعد محاولات إقناع صعبة، قررت الفتاة العشرينية الحديث لرصيف22 شرط نشر القصة باسم مستعار.

تقول هند (اسم مستعار) إنها تعرضت للعنف الجسدي والتحرش الجنسي من أخيها الكبير في مراحل مختلفة من عمرها، ولم تكن والدتها تستجيب لاستغاثتها المتكررة، لذلك اضطرت للفرار إلى القاهرة.

وتضيف الفتاة العشرينية التي تعمل في مجال الدعاية: "كنت أحاول الهرب من جحيم التحرش الجنسي والاعتداء المتكرر، وفي البداية رفضت السكن مع شاب، لأن التجربة السابقة كانت مريرة، وكنت مرعوبة من أي تصرف قد يقوم به، لكن لم يكن بيدي حل بديل، ولا أموال ولا أصدقاء في القاهرة، لذلك قررت أن أخوض التجربة، ولم تكن سيئة على الإطلاق".

وأكدت الفتاة على كلام زميلها في السكن قائلة: "طبعاً لم أخبر أي شخص بذلك، ولم يكن لنا أي اختلاط بالجيران حتى لا ينكشف الأمر ونتعرّض لمشاكل، وربما لو علم الجيران بالأمر سيتم طردنا من المنزل، ذلك إن لم نتعرض لأي اعتداء، لأن المجتمع يبالغ جداً في إظهار التدين ويتسابق على ′تغيير المنكر′ بالفعل".

وعن طبيعة التجربة يقول تامر: "كانت إيجابية جداً لنا، كنت أفكر في الانتحار بعد أن خرجت من قصة حب فاشلة وشعرت بوحدة وانكسار، وكانت صديقتي تعاني من مشاعر غضب وقهر بسبب ما تعرضت له، لكننا نجحنا في مساعدة بعضنا البعض على تجاوز تلك الأيام الصعبة، ونجحنا في إقامة صداقة متينة، أتمنى أن تستمر بعد أن تتزوج صديقتي من الشخص الذي تحبه".

"تعرضت للتحرش فتركت المنزل فوراً"

على عكس قصة هند مع تامر، تصف ملك الكاشف تجربتها في تقاسم السكن مع شاب بـ"السيئة" لأنها تعرضت للتحرش الجنسي أثناء إقامتها معه، ما دفعها لترك المنزل على الفور والبحث عن بديل ثم الاستقرار في منزل صديقة.

عاشت ملك تجربة المساكنة، مرتين، الأولى كانت بعد أن تعرضت لعنف أسري حاد لكونها عابرة جنسياً، فقررت الإقامة مع مجموعة من الأصدقاء لديهم ظروف مشابهة، 5 أصدقاء مثليين من الجنسين، وتلك بالنسبة لها كانت التجربة الأهم والأفضل، لأنها ساعدتها في التغلب على "مشاكل" العبور الجنسي والتأقلم مع الظروف.

تقول ملك لرصيف22: "كنا 6 أصدقاء، نعيش في شقة بالمعادي، لدينا ظروف متشابهة ونعاني من الأشياء نفسها تقريباً، يجمعنا انتماؤنا للمجتمع الكويري، حاولنا تقديم المساعدة لبعضنا، والدعم للتعرف على أنفسنا بشكل أكبر وتجاوز المشكلات، كنا نأكل، نقرأ، نلعب، نغني، والأهم كان في قدرتنا على تقديم الدعم النفسي، لدرجة كنا نخرج من المنزل ونعود معاً، وبفضل هذه الحياة تمكنت من تجاوز أيام صعبة".

وعن تجربتها الثانية تقول ملك: "بعد خروجي من السجن ( سُجِنَت منتصف عام 2019 بتهمة التحريض على التظاهر ومشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها)، كنت أبحث عن مكان سريع للإقامة فيه، وبالفعل وجدت شاباً لطيفاً يبحث عن شريك أو شريكة في السكن وأقمت معه. في البداية كانت الأمور جيدة وتسير على ما يرام، إلى أن تحرش بي جنسياً، لذلك تركت المكان على الفور لأنني شعرت أنه غير آمن".

"وسط البلد مكان مناسب ليعيش فيه شاب وفتاة من دون مضايقات"... في حال قرّر اثنان مشاركة السكن، حتى لو لم تجمعهما علاقة، يحرصان على إخفاء الأمر عن المحيط وحتى عن المقربين أحياناً، فأحكام المجتمع قاسية وقد تصل حد الاتهام بـ"الزنا" والاعتداء الجسدي 

وتضيف ملك التي تعرضت لأنواع كثيرة من العنف والتنمر بسبب قرارها بالعبور الجنسي قائلة إن المجتمع عادة يواجه الآخر بالاتهام، ويرفض جميع الأفكار حتى وإن كانت قراراً فردياً أو عقيدة أو أي تصرف يقع تحت بند "الحرية الشخصية". وتضيف: "الكثيرون لا يمكنهم تقبل هذه الفكرة في أبسط معانيها".

تُتابع ملك: "أثناء إقامتي مع هذا الشاب، في منطقة وسط البلد، داهمت قوات الأمن المنزل ثلاث مرات، للتفتيش، وفي المرة الأخيرة قاموا بتفتيش المتعلقات الشخصية، مع تلميحات ومضايقات لفظية عن طبيعة علاقتنا وسبب إقامتنا معاً، وأعتقد أن الأمر كان متعلقاً بعملنا أكثر من إقامتنا كوني ناشطة نسوية، وشريكي كان ناشطاً سياسياً يدافع عن حقوق المعتقلين ويكتب عن أوضاعهم في السجون". 

صداقة ثم حب… علاقة هادئة

بعيداً عن الزحام والضوضاء، استقبلتنا أحلام (اسم مستعار) وشريكها نادر (اسم مستعار) في منزلهما "على الروف" في وسط البلد، بعد أن رفضا الحديث عبر الرسائل أو من خلال الهاتف، مفضلين اللقاء الشخصي والكلام المباشر، بعد تطمينات بأن هويتهما ستبقى سرية.

تقول أحلام إن ما دفعها للعيش مع صديق هو شعورها الكبير بالوحدة، بسبب سفر والديها للعمل في الخارج منذ زمن بعيد.

"في البداية، كانت مجرد محاولة للتخلص من الوحدة والبحث عن رفيق، بعدما حاولت العيش مع مجموعة من الفتيات لكنني لم أشعر بالراحة بسبب تدخلهن في حياتي الشخصية وممارسة ضغوط علي"، تتابع أحلام شارحة "تعرفت إلى نادر من خلال صديق مشترك وكان بيننا نوع من التفاهم والتلاقي الفكري، لكنه لم يكن حباً أو علاقة عاطفية، كنا متفاهمين ومتفقين في عدة أمور، وناقشنا أمر الإقامة معاً فبدا اقتراحاً لطيفاً لكلينا، وبالفعل قررنا استئجار شقة على ′السطوح′".

"كان حلمي منذ الطفولة العيش في مكان عالي وبَراح، ووسط البلد مكان مناسب ليعيش فيه شاب وفتاة من دون مضايقات من الجيران أو البواب، لأن فيه جنسيات أجنبية وأنماط وثقافات مختلفة، ومعظم الناس لا تفضل الاختلاط كما هو الحال في الأماكن الشعبية"، تقول أحلام.

مع الوقت تحوّلت الصداقة إلى حب. تُعلّق قائلة: "في البداية كانت علاقتنا صداقة لكن لا ننكر أنه حدث بيننا نوع من التقارب العاطفي، كما مارسنا الحب معاً، وفي الوقت الحالي نحاول تقبل المرحلة الجديدة من حياتنا التي نفكر فيها بكيفية الحياة بين زوجين، وإن كنا نخشى فكرة الزواج أصلاً لأن الصداقة تمنحنا الكثير من الحرية وتقبل الاختلاف".

تختم أحلام بالتأكيد: "نريد أن تستمر علاقتنا من دون أي منغصات، أو أسباب قد تجبرنا على الفراق، خاصة أن أهلي لن يسمحوا بوضع مماثل إذا اكتشفوا الأمر، وسيعاقبونني بقسوة شديدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard