يفطرون كملوك ويتعشون كفقراء ويعيشون حتى المئة... رحلة في عوالم المناطق الزرقاء

الأحد 10 مايو 202012:19 م

يفطرون كملوك، يتغدون كأمراء، يتعشون كفقراء، تكاد تخلو موائدهم من اللحوم لتحل محلها الفاصولياء والفول والخضار والمكسرات، يأكلون بقلوب ممتئلة وبطون تترك متسعاً للخفة والاستمرار. إنهم سكان المناطق الزرقاء، الذين ينسون أن يموتوا بفضل أسلوب حياتهم السعيد والصحي، كما يقول الباحث الأمريكي دان بينتر في كتابه: "مطبخ المناطق الزرقاء: مئة وصفة للعيش حتى المئة" The Blue Zones Kitchen: 100 Recipes to Live to 100.

منذ حوالي 15 عاماً أجرى الباحثان جياني بيس وميشيل بولين دراسة ديموغرافية لعدة أماكن حول العالم يعيش سكانها عمراً أطول من غيرهم، وعلى الخريطة رسما خطوطاً بالحبر الأزرق حول تلك المناطق، دان براون أضاف عليها نقاطاً أخرى، وأطلق عليها اسم "المناطق الزرقاء"، مفهومٌ يعكس خصائص الحياة الصحية والسعيدة التي تعيشها تلك المناطق، لعل أهمها تدني معدل الوفيات في منتصف العمر وتدني معدل الخرف، بل ويصل سكانها إلى عمر التسعين دون أمراض مزمنة.

هذه المناطق هي أوكيناوا في اليابان، سردينيا في إيطاليا، نيكويا في كوستاريكا، إيكاريا في اليونان، ولوما ليندا في كاليفورنيا.

الكثير من الفاصولياء والضحك وبعض النبيذ.. لنجرب الحياة في المناطق الزرقاء

قيلولة وشريك ومعدة غير ممتلئة

لسكان المناطق الزرقاء نمط يومي للحياة يختلف قليلا في تفاصيله لكن خطوطاً وخصائص واضحة تجمعهم وتجعلهم يتسمون بذات السمات الصحية والنفسية، 9 خصائص يقدمها الكاتب لقرائه بهدف تحسين أسلوب حياتهم "نحن لا نركز على محاولة تغيير السلوك الفردي، لكن على المساعدة في تحسين بيئات المعيشة، بحيث يكون الاختيار الصحي هو الخيار السهل".

سكان المناطق الزرقاء لا يقيمون ماراثون رياضي ولا ينتسبون إلى نوادي الألعاب الرياضية، فهم يعيشون في بيئات تدفعهم للحركة الطبيعية، كالمشي إلى الحقل أو إلى الجيران أو القيام ببعض الأعمال في المنزل أو في الحديقة الخلفية، وبعضهم يواظب على المشي لأميال عديدة كما يفعل أهالي سردينيا الإيطالية. هم حريصون أيضاً على أخذ قيلولة في منتصف النهار، يقيناً بأن الإجهاد المستمر يؤدي إلى ضغوط وأمراض كثيرة.

أما الإجازة الأسبوعية فهي أكثر قدسية، يوم في الأسبوع بعيداً عن التزامات الحياة وضغوطها، يركزون الوقت خلاله على الأسرة والطبيعة والله، فقضاء الوقت مع الأحباء أمر رئيس في حياة المناطق الزرقاء، يتشاركون القيم والعادات، يرافقهم الكثير من الضحك والطعام الصحي. يؤكد الكاتب أن ذلك يقلل نسب الانتحار والاكتئاب، وأكثر المستفيدين من ذلك هم المسنون فهم قريبون من عوائلهم وليسوا وحيدين، الأمر الذي يجعل الأسر أكثر قوة ويستثمرون الوقت لأجل الأطفال والمسنين على حد سواء.

سكان المناطق الزرقاء يلتزمون اتجاه الشركاء والأصدقاء، شريك واحد وعدد محدد من الأصدقاء يمضون معهم أوقاتهم ويتشاركون المناسبات ويقدمون المعونة لهم وللآخرين، يؤكد بينتر أن لكل فرد منهم هدف في الوجود، ما يجعل الحياة أكثر مغزى ومعنى للجميع، ويؤدي إلى جعل مجتمعاتهم أكثر تماسكاً وصحة.

"المناطق الزرقاء" مفهومٌ يعكس خصائص الحياة الصحية والرغيدة التي تعيشها مدنٌ متفرقة حول العالم درجة أن أهلها ينسون أن يموتوا

يفطرون كملوك ويتعشون كفقراء

السلوك الغذائي الصحي عامل أساسي لطول أعمار سكان المناطق الزرقاء وحياتهم الرغيدة، نمط الغذاء وطبيعته يتسمان بالبساطة والانضباط، عمادهُ عدد من الإملاءات غير الصعبة، على رأسها نظرية الـ80% التي تقوم على إيقاف الأكل عند ملء المعدة بنسبة 80%، أما الـ20% المتبقية فهي الفجوة بين عدم الشعور الجوع والشعور بالشبع، وهي الفارق بين فقدان الوزن وزيادته. آخر وجبة في اليوم تكون خفيفة وتؤكل في وقت مبكر من المساء ولا يثقلون أجسادهم بالأكل بعد ذلك. عملاً بمقولة قديمة "افطر كملك، تغدى كأمير، تعشى كفقير" .

قاعدة أخرى يتبعها جميع سكان المناطق الزرقاء، هي عدم التنويع في وصفات الأكل، بحسب بينتر "أغلبهم يميل إلى تناول نفس الوجبة كل يوم وهذا قد يكون مكوناً مهماً لطول العمر". يضيف أن "كثرة المكونات تخلق إجهاداً في جسمك وتطلب من جهاز المناعة أن يعمل أكثر ويتحمل ضغطاً أكبر".

الدفء والبساطة والصحة في أسلوب حياة سعيد يضمن طول العمر... موائد متنوعة، قليلة اللحم، وقلوب ممتلئة بالطمئنينة، وبطون تترك متسعا للخفة والاستمرار... هكذا نعيش عمراً مديداً 

وفي وقت اعتادت سفرتنا العربية على الدجاج واللحوم طبقاً رئيساً، هي لا تتواجد على موائد المناطق الزرقاء، وإن حلّت ستكون طبقاً جانبياً، تسبقه بالحضور الفاصولياء والفول، لديهم 70 نوعاً من الفاصولياء وأغلبهم يحرص على تناول كوب منها يومياً، مايزيد أعمارهم 4 سنوات أخرى بحسب المؤلف. يتابع "الفاصولياء مليئة بالألياف والبروتين ويمكن أن تحل محل اللحوم بثمن أرخص بكثير".

الكثير من الماء أيضاً وبعض النبيذ، باستثناء أهالي بلدة لوما ليندا الأمريكية فهم ينتمون إلى الكنيسة السبتية في الجنوب المشمس من كاليفورنيا، جميعهم لا يدخنون ولا يشربون ويتمتعون بكتلة جسم أقل قياساً مع باقي الأمريكان بسبب نظام حياتهم.

أبناء سردينا الإيطالية وإيكاردا اليونانية يشربون النبيذ الأحمر بشكل معتدل، نبيذ غني بمادة الفلافونويد التي تنظف الشرايين والأوعية الدموية وتقلل التوتر كما يقول الكتاب. كذلك يشربون حليب الماعز بدل حليب البقر لغناه بالبوتاسيوم الذي يزيد هرمون تريبتوفان لتخفيف التوتر وفي المساء يشربون شاي الأعشاب الذي يساعدهم على الاسترخاء.

سكان المناطق الزرقاء لا يقيمون ماراثون رياضي ولا ينتسبون إلى نوادي الألعاب الرياضية، فهم يعيشون في بيئات تدفعهم للحركة الطبيعية، كالمشي إلى الحقل أو إلى الجيران أو القيام ببعض الأعمال في المنزل

لديهم قصص أخرى...

يؤكد الباحث الأمريكي أن لكل منطقة مكونات طول العمر الخاصة بها "على سبيل المثال يأكل سكان سردينيا الفول في الشوربات واليخنات، الناس في شبه جزيرة نيكويا يتغذون على عدد من الأطعمة منها جوز الهند والبابايا مما يزيد من الكوليسترول الجيد ويقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب ويكافح الالتهاب.

تشمل مكونات طول العمر من أوكيناوا اليابانية زيت السمسم والفطر والأعشاب البحرية والكركم. أما أولئك الذين يعيشون في إيكاريا اليونانية يأكلون البطاطس والليمون والفاصولياء والشمر والعسل والأعشاب مثل المريمية وإكليل الجبل والأوريجانو. تشمل حمية سكان لوما ليندا الخضار وكذلك الأفوكادو والسبانخ ودقيق الشوفان".

سكان المناطق الزرقاء يأكلون وفق نظرية 80% التي تقوم على إيقاف الأكل عند ملء المعدة بنسبة 80%، أما الـ20% المتبقية فهي الفجوة بين عدم الشعور الجوع والشعور بالشبع

الكتاب مرفق بوصفات تحكي أسلوب الحياة الصحي للمناطق الزرقاء وشكل موائدهم العامرة بالود والتجمعات السعيدة، أغلبها مطهي بزيت الزيتون مضافا لها الأعشاب والصلصة الحارة التي يواظبون على تناولها، لما فيها من فوائد في تقوية الجهاز المناعي وتعزيز النكهات، يضيفون القليل منها على خبز التورتيلا المحشو بالفاصولياء والمناغو والبصل الأحمل وعصير الليمون والكزبرة والأفوكادو، الفاصولياء طبق رئيس وشبه يومي، يعدون منه أيضاً حساء يؤكل في مساءات الخريف والشتاء، مكللاً بزيت الزيتون والبصل والأوريغانو.

البطاطس حاضرة أيضاً بوصفات عديدة، حساء مع الكراث والثوم يؤكل إلى جانبه خبز وسلطة خضراء، كذلك البطاطس المقلية بزيت الزيتون مضافاً لها صلصة الناتشوز والكريمة البيضاء.

في حياة سكان المناطق الزرقاء قصص تضفي عليهم مزيداً من الفرادة، يعرج عليها دان بينتر بعد أن زارهم وسمع حكاياتهم، فيروي قصة عائلة من سردينيا الإيطالية لديها رقم قياسي عالمي في موسوعة غينيس للأعمار الطويلة، تسعة أشقاء جميعهم تجاوزوا المئة عام، يقول بيتنر: "كل يوم من حياتهم يأكلون نفس الإفطار، خبز العجين المخمر وحساء المينسترون". المينسترون تعد من البصل والثوم والبروكلي والكراث وزيت الزيتون. يحكي أيضاً عن نساء سان أنطونيو اللواتي يجتمعن معاً لحل النزاعات حول أطباق جنوكتشي والمعكرونة والبيتزا السردينية.

الدفء والبساطة والصحة عنوان الحياة في المناطق الزرقاء، عززتها خصائصها الجغرافية والتاريخية التي جعلت منها أماكن غنية بثقافتها وتقاليدها وقيمها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard