صورة المقاوم في الدراما الفلسطينية… بطولةٌ خارقة وابتعادٌ عن الواقع

السبت 9 مايو 202012:04 م

منذ عدّة سنوات، عكفت بعض الجهات الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، على العمل على إنتاج أعمال درامية طويلة، غالباً ما تُعرض خلال شهر رمضان. نجحت هذه الأعمال التي تناولت مواضيع مختلفة من الواقع الفلسطيني في تقديم رواية محلية عن معاناة الفلسطينيين، بتطرقها إلى ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين، وإلى قضايا وطنية مهمة مرتبطة بالأسرى والقدس والجرحى، ولكنها بالتأكيد تحتاج إلى تطوير لتصير صالحة للترويج الخارجي.

ومن بين هذه الأعمال، ظهرت مسلسلات تناولت المقاومة وأنشطتها العسكرية والشعبية، وأشرفت على إنتاج معظمها مؤسسات تتبع لحركة حماس في قطاع غزة، ضخّمت بشكل عام من صورة "الشاب المقاوم" كثيراً، وصوّرته على أنّه بطل خارق للعادة، يمتلك قدرات خرافية تمكّنه من اختراق السدود، وتجاوز عشرات المسلحين بكلّ سهولة.

هذه الصورة، وإنْ كان يمكن القول إن هدفها نفسي ويتركّز على دعم المجتمع الفلسطيني ورفده بطاقة إيجابية تسانده في مسيرة مواجهته للانتهاكات الإسرائيلية، إلا أنه لا يمكن إغفال الجزء السلبي فيها، والذي يتلخص في الانطباعات التي تتركها عن المقاومة ومظلومية الشعب الفلسطيني الذي، في واقع الأمر، يعيش حياة ذل وقهر تحت الاحتلال أو الحصار.

ففي الحقيقة، المقاوم شجاع ومقدام، لكنه لا يستطيع فعل الكثير أمام القوة الإسرائيلية والسلاح المتطور. وفي الحقيقة أيضاً أن معظم الشباب الفلسطينيين ثائرون بطبعهم، ومؤمنون بعدالة قضيتهم، ومستعدون للموت في سبيلها، ولكنهم يعلمون أن تغيُّر واقعهم لا يتوقف على موتهم أو على قتل عدد من الجنود الإسرائيليين.

ضرورات درامية

خلال شهر رمضان الجاري، عرضت فضائية الأقصى ووكالة شهاب التابعتان لحركة "حماس" مسلسل "حبر النار" الدرامي الذي ينقسم إلى 26 حلقة، مدة كل منها حوالي 15 دقيقة.

وقال نائب مدير عام قناة الأقصى المحلية عماد زقوت إن المسلسل "يتناول في كل حلقة لوحة من لوحات صمود ومقاومة شعبنا الفلسطيني" و"يجسد بطولة ومقاومة شخصيات وعمليات حقيقة عاشها شعبنا على أرض الواقع، هدفها إحياء تلك الأعمال البطولية في ذاكرة الأجيال المتعاقبة" ويتيح للمشاهد أن "يعيش الواقع المقاوم".

ومن خلال تتبع الحلقات التي عُرضت حتى الآن من المسلسل، يمكن ملاحظة مشاهد كثيرة تتحدث بشكل مباشر عن المقاومة، وتحتوي على عناصر مبالغ فيها جداً، منها مشهد ظهر فيه شاب فلسطيني وهو يقتحم حاجزاً إسرائيلياً بسيارة مرسيدس قديمة، ويقتل حوالي سبعة جنود، خلال ثواني. والغريب أنّه لم يهرب بعد تنفيذ العملية، بل عاد من جديد وعاود الهجوم على القتلى، ثم نزل من سيارته، وأخذ قطعتي سلاح من الجنود، وفرّ إلى مكان مفتوح.



هذا الحدث الدرامي الذي أتى كردٍ انتقامي من الشاب على مقتل صديقه على يد جندي إسرائيلي أطلق عليه النار بعد أن قام بدوره بقتل جنديين كانا يقفان على حاجز بسكين صغير، لم ينتهِ عند هذا الحد.

فالشاب المُنتقم فرّ بعد استيلائه على السلاح إلى منطقة مليئة بالأشجار، وتبعه جنود إسرائيليون كانوا يحملون أعتى أنواع السلاح وأجهزة التتبع، لكنّه، وعلى الرغم من ذلك، تمكّن من التخفي، وبعد دقائق راح يتصيدهم بطلقات نارية، وقتل عدداً منهم.

وفي نفس المسلسل، وتحديداً في الحلقة الثالثة، نفّذ شاب عملية مشابهة، وقام بقتل مجموعة جنود، وظهر أن الـ"جيبات" العسكرية الإسرائيلية هربت منه، على الرغم من أنه لم يكن يحمل إلا قطعة سلاح واحدة.

يقول مخرج العمل محمد خليفة لرصيف22: "الدراما بشكل عام لا يجب أن تتطابق أحداثها مع الواقع، لأن الكلام هنا لا يدور عن أعمال وثائقية، فجميعنا يرى الأعمال السينمائية والدرامية الخارجية التي يُبنى كثير منها على سيناريوهات خيالية، أحداثها بعيدة عن الواقع".

"ما يتم إنتاجه من دراما فلسطينية تتحدث عن المقاومة يحاول التأكيد أن الإنسان الفلسطيني ‘خارق’ أو ‘سوبر مان’، ولديه القدرة على تحرير نفسه وأرضه من خلال قتل عشرات الجنود، بأدوات بسيطة"

ويشير إلى أن وجود بعض المشاهد في الدراما الفلسطينية التي تولّت فضائية الأقصى إنتاج معظمها منذ عام 2009 تقريباً، يأتي في سياقٍ طبيعي يراه القائمون على العمل ضرورياً لإيجاد حبكة، وزيادة قوة الأحداث الدرامية التي تشد المتابع للمشاهدة.

ويوضح أن معظم الأعمال التي أخرجها في السنوات الماضية تركّز على "إبراز صورة المقاوم الفلسطيني، من أبعادٍ مختلفة لها علاقة بطبيعة حياته الاجتماعية وعلاقته مع الاحتلال، دون الاتجاه للحديث عن تفاصيل سياسية أو حزبية، وذلك لأن الحياة الفلسطينية بشكل عام ترتكز على تلك الأمور"، منوهاً إلى أنّ معظم الأعمال الدرامية العربية تتوجه للحديث عن مختلف التفاصيل المعيشية للناس وتعالجها درامياً، وهذا ما يزيد عليهم "المسؤولية في إفراد مساحات خاصة لتناول الشخصيات الفدائية والمُقاوِمة".

خليفة يعتبر أن هدف تلك الأعمال هو "تقديم دليل عملي يمكن أن يستفيد منه الشباب المقاومون في الضفة الغربية والداخل المحتل، والذين يرغبون في تنفيذ عمليات فدائية ضد الجيش الإسرائيلي"، ولهذا يلجأون إلى تبسيط الأدوات التي يمكن أن يستخدمها المهاجمون، مع تصوير زيادة في خسائر الطرف الآخر وبيان ضعفه وهشاشته، "حتى يتشجع الشباب ويُقبلون على تنفيذ تلك العمليات التي تُعتبر من أكثر أساليب النضال إيلاماً لإسرائيل".

تكرار صور المبالغة

عام 2019، عُرض مسلسل "أولاد المختار"، للمخرج بشار النجار، على شاشة تلفزيون "فلسطيني". ركّز العمل على سرد تفاصيل الحياة الفلسطينية، من عام 1948 وصولاً إلى عام 1977.

يستولي بطل المسلسل، برفقة زميليه، على مخازن سلاح بريطانية، قبل تسليم الأرض لليهود عام 1948، وينطلقون لمقاومة المليشيات الصهيونية، ويتمكنون بكل سهولة من قتل عدد من الجنود، وتدمير مجموعة آليات حربية، ثمّ في النهاية يُقتل أحدهم، ويقوم الآخر بدفنه دون أن تظهر عليه علامات تعب أو إرهاق، ودون بيان الأدوات التي استعملها في الحفر والدفن.

بدوره، تناول مسلسل "الفدائي" الذي عُرض بجزئيه الأول والثاني، في عامي 2016 و2017، الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية وداخل السجون الإسرائيلية وفي قطاع غزة، وجسّد عدداً من العمليات التي نفّذتها فصائل المقاومة والتي لا شك في أنّها كانت بطولية.

لكن المبالغة التي طرحها العمل الدرامي في المشاهد ساهمت في إفساد تلك الأعمال على نحو ما. ففي الحلقة الأخيرة من جزئه الثاني، ظهرت مجموعة من الشباب وهم يخططون لتنفيذ عدد من العمليات الفدائية التي استهدفت مجموعات رجال الدين والجيش الإسرائيليين، وتمكنوا من قتل عدد منهم بصورة بسيطة جداً، دون عناء أو تكلفة كبيرة، ودمّروا مجموعة من الآليات العسكرية الثقيلة، دون أن يقع بهم إلّا عدد قليل من الخسائر.



وخلال إحدى حلقات مسلسل "الروح"، الذي عرضته فضائية الأقصى عام 2014، ظهرت مجموعة من المقاومين وهم يكمنون لقوة إسرائيلية كانت تختبئ في أحد المنازل السكنية، وبعد مدّة قصيرة قضتها المجموعة في رصد القوة، استهدفتها بسلاحٍ ثقيل، وبعد أن ظهر للمشاهدين أنّ الجنود قُتلوا جميعهم، زحف أحدهم وأطلق النار على شابّ مقاوم، كان يلوّح بسلاحه فرحاً بتمكنه من إصابة هدفه بدقة، واخترقت الطلقة النارية جسد الشاب، فانطلق نحوه زملائه وحملوه بسهولة، تحت أعين طائرات الاستطلاع، إلى مكانٍ آمن، توفي فيه بعد أن نطق بعدد من الكلمات.



"رسالة المعاناة والألم"

في تعليق له على الدراما التي بُثت خلال شهر رمضان الحالي على الشاشات الفلسطينية، اعتبر الإعلامي إبراهيم مسلم أن "هذه السنة عجفاء درامياً، وأعمالها سطحية لا ترقى للمستوى المطلوب، خاصة أنّها لم تعالج قضايا أساسية محورية وأحداثاً مفصلية طرأت على الواقع الفلسطيني".

"سوبرمان" الدراما الفلسطينية... في مسلسل "حبر النار"، يظهر شاب وهو يقتحم حاجزاً إسرائيلياً بسيارة مرسيدس قديمة، ويقتل حوالي سبعة جنود، خلال ثواني، ثم يتخفّى في منطقة مليئة بالأشجار، ويبدأ بتصيّد الجنود الذين يلاحقونه

وأضاف لرصيف22: "على المستوى الشخصي، لم أرَ هذا الموسم أي منتج درامي جديد، منافس، قوي، على الرغم من أنّ الإمكانات المالية والأفكار موجودة"، منوّهاً إلى أنّ الفن أداة نضال، وهو لغة الشعوب، ويعبّر عن ثقافة الدولة وتاريخها، والقضية الفلسطينية عادلة، وتاريخ أبطالها واضح، لذلك يجب علينا تجسيدها بصورتها الحيّة، بعيداً عن العشوائية والمبالغة.

من جانب آخر، يعتبر الصحافي والناشط حمزة الشوبكي أن "الدراما الفلسطينية مهمة جداً، لإيصال رسالة المعاناة والألم اللذين يعاني منهما الناس في قطاع غزة والضفة الغربية للعالم أجمع".

ويضيف لرصيف22: "لكنّ ما يتم إنتاجه عكس ذلك، كونه يحاول التأكيد على أن الإنسان الفلسطيني ‘خارق’ أو ‘سوبر مان’، ولديه القدرة على تحرير نفسه وأرضه من خلال قتل عشرات الجنود، بأدوات بسيطة".

وبرأيه، الواقع يختلف كلياً عما تصوّره الدراما، "فعلى الرغم من أن المقاوم الفلسطيني أثبت أنّه بطل وقادر على الدفاع عن حقوقه، بمختلف الوسائل، إلّا أنه بالأساس مضطهد ويعاني من نقص السلاح والطعام ومقومات الحياة والصمود".

بحسب الشوبكي، هناك ضرورة للتركيز في الأعمال الدرامية والإعلامية على فكرة الإنسان الفلسطيني "الضحية"، لأنّ الأعمال المرئية لا تنتهي بمرور الزمن، وتُعتبر بمثابة سجل تاريخي.

ويرى أنه "ليس من المعقول القبول بمشهد درامي يقول القائمون عليه إنّه يجسد الواقع، ويظهر فيه شاب فلسطيني بسيط، يقوم باقتحام حاجز عسكري، ويقتل عدداً كبيراً من الجنود، ويدمّر معدات بسلاسة دون أن يصاب بأذى، منبهاً إلى أنّ الساحة الفلسطينية تعج بالأحداث والتفاصيل الميدانية التي يمكن الاعتماد عليها في بناء السيناريوهات، دون اللجوء للتهويل والاختراع والمبالغة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard