بعد تعزيز الهند لنفوذها في دول الخليج… الإسلاموفوبيا وكورونا يهددان مكاسبها

الخميس 7 مايو 202007:42 م

ما حققته الهند من مكاسب تجارية ودبلوماسية هائلة في الشرق الأوسط تبدو مهددة الآن بخسارته بسبب سياسة رئيس الوزراء ناريندرا مودي المعادية للمسلمين.

مع انتشار وباء كورونا، حوّلت الحكومة الهندية الأزمة إلى خطاب كراهية واضطهاد للمسلمين، إثر اعتقالها عدداً من رجال الدين بتهمة نشر الفيروس في البلاد.

وحتى قبل أزمة تفشي فيروس كورونا، أفادت وسائل إعلام عالمية بأن المسلمين تعرضوا لأعمال عنف دموية أسفرت عن مقتل العشرات منهم في شباط/فبراير الماضي بسبب سياسات الحكومة الهندية التي أثارت الطائفية.

وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية عن أن الحزب الحاكم يقود حملات الكراهية والاعتداءات ضد المسلمين في الهند، بعدما أصدر قانوناً يسمح بمنح المهاجرين الجنسية شريطة ألا يكونوا من المسلمين.

وفي الأيام الأخيرة، تفاعل خطاب الكراهية في منطقة الخليج بعد نشر عدد من العمال الهنود تغريدات أثارت الجدل وأعادت العلاقات بين الهند والخليج إلى دائرة النقاش.

خسارة في الخليج

في تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، رأى الباحثان سوميت غانغولي، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة إنديانا بلومنغتون، ونيكولاس بلاريل، وهو أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية بجامعة ليدن، أن الهند مهددة بخسارة المكاسب التي حققتها في الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج، بسبب سياستها التي تشجع على كراهية المسلمين.

ولفت الباحثان، في 5 أيار/مايو، إلى أن المسؤولين في دول الخليج باتوا مستائين من انتقال خطاب الكراهية الهندي إلى بلدانهم من خلال نشر العمال المغتربين تغريدات تثير العداء والفتنة.

وقالت وسائل إعلام خليجية إن السلطات وأصحاب العمل سرّحوا عمالاً هنوداً من وظائفهم إثر نشرهم تعليقات عنصرية ومعادية للمسلمين خلال أزمة كورونا، في وقت أفادت تقارير أخرى بأن تغريدات العمال أتت إثر تسريحهم من وظائفهم وحرمانهم من البدل المادي أو من فرصة العودة إلى بلادهم.

وفي نيسان/أبريل الماضي، حذّرت الشيخة الإماراتية هند القاسمي في تغريدة مواطناً هندياً - يقيم في الإمارات اتّهم في تدوينة المسلمين بنشر فيروس كورونا - من أن القانون الإماراتي يجرّم خطاب الكراهية.

وكتبت الأميرة على صفحتها على تويتر: "الإمارات والهند صديقتان قديمتان، وقلة من المتطرفين الجاهلين لن تؤثر على العلاقات بين الدولتين الصاعدتين. فلنكن مثالاً للحب بدلاً من الكراهية. لماذا نهدم ما يمكنك تشييده؟!".

انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في الهند بدأت تُفسد سنوات من المكاسب الدبلوماسية والاقتصادية التي حققتها في الشرق الأوسط… دول الخليج مستاءة من انتشار خطاب الكراهية بين العمالة الهندية وتُحذر من تدهور العلاقات

يأتي الحديث عن مستقبل العلاقات بين الهند ودول الخليج، بعد فترة ليست ببعيدة أثار فيها الملياردير الهندي ومؤسس مجموعة "ن إم سى هيلث" بي آر شيتي الجدل، بعدما تحدثت تقارير عن استيلائه على 6.6 مليار دولار أمريكي من مصارف إماراتية، وهروبه إلى نيودلهي.

الجهود الاقتصادية والسياسية

عام 2015، أصبح مودي أول رئيس وزراء هندي يزور الإمارات منذ 34 عاماً وأعاد زيارتها مرة أخرى عامَي 2018 و 2019.

وخلال زيارته الأخيرة، حصل على وسام زايد، وهو أعلى وسام مدني في الإمارات، تقديراً لدوره في تحسين العلاقات بين البلدين.

كذلك سافر إلى السعودية وقطر وعمان والبحرين وإيران لتحسين علاقات بلاده مع دول المنطقة.

وتعهدت السعودية والإمارات استثمار نحو 170 مليار دولار في الهند لتطوير بنيتها التحتية في قطاعي الطاقة والصناعة.

كذلك هنالك حوالى مليونَي مغترب هندي في السعودية ونحو ثلاثة ملايين في الإمارات، يرسلون 11.2 مليار دولار من الرياض و 13.8 مليار دولار من أبو ظبي إلى نيودلهي، وفقاً لـ"فورين بوليسي".

في الجانب السياسي، رصد تقرير المجلة الأمريكية نجاح مودي من خلال الجهود الدبلوماسية في تخفيف نفوذ باكستان القوي في دول الخليج التي كثيراً ما كانت تدعم إسلام آباد في نزاعها مع الهند في السيطرة على إقليم كشمير.

وفي آذار/مارس الماضي، انتقد رئيس وزراء باكستان عمران خان الرياض في ندوة مغلقة في ماليزيا، لتجاهلها مناقشة قضية كشمير في اجتماع وزاري لمنظمة التعاون الإسلامي.

كذلك أعلنت الإمارات أنها تعتبر قرارات الهند بشأن ضم كشمير لسيادتها "مسألة داخلية"، في تصريح مغاير لموقف أبو ظبي التاريخي الذي كان دائماً يدعم باكستان.

بدأت الهند على ما يبدو رصد ارتفاع حالة الغضب والاستياء لدى دول الخليج من انتشار خطاب الكراهية، إذ شرعت الحكومة في إطلاق حملة دبلوماسية لتحسين صورتها ومعالجة الأضرار التي لحقت بسمعتها في المنطقة

اللافت أيضاً أن هناك أصواتاً في الهند كانت قد بدأت تحذر الحكومة من خسارة أصدقائها في العالم الإسلامي بسبب سياستها المعادية للمسلمين.

في الشهر الماضي مثلاً، حذّر المحلل والكاتب الهندي شيخار غوبتا من أن خطاب الكراهية سوف يتسبب في خسارة نيودلهي رأس مال دبلوماسي واقتصادي كبير مع أصدقائها في دول الخليج.

تغيير في النهج

بدأت الهند على ما يبدو رصد ارتفاع حالة الغضب والاستياء لدى دول الخليج من انتشار خطاب الكراهية، إذ شرعت الحكومة، وفقاً لـ"فورين بوليسي"، في إطلاق حملة دبلوماسية لتحسين صورتها ومعالجة الأضرار التي لحقت بسمعتها في المنطقة.

في تغريدة بالإنكليزية، في 19 نيسان/أبريل، كتب مودي: "الفيروس لا يميّز بين عرق دين ولون وطبقة وعقيدة ولغة وحدود حينما يصيبنا".

وأضاف: "استجابتنا وسلوكنا سيقومان من الآن فصاعداً على الوحدة والأخوة".

واعتبر تقرير "فورين بوليسي" أن تغريدة مودي رسالة طمأنة إلى العالم بعدما انتشرت أعمال العنف ضد المسلمين بزعم أنهم ينشرون فيروس كورونا.

وشرعت السفارات الهندية في دول الخليج تحذّر رعاياها من نشر رسائل الكراهية على منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

في عُمان، غرّدت السفارة الهندية: "العلاقات الودية بين الهند والسلطنة تدعمها قيمنا المشتركة للتسامح والتعددية. فلنلتزم جميعاً الحفاظ على الوحدة والوئام الاجتماعي في هذا المنعطف الحرج".

وكتبت سفارة الهند في قطر تغريدة، هي: "من الواضح أن حسابات مزيفة تستخدم من قبل قوى معادية للهند بغية خلق انقسامات داخل مجتمعنا. لا تلتفتوا إلى المحاولات الخبيثة لزرع الفتنة. يجب أن يكون تركيزنا الآن على الفيروس".

وقال سفير الهند لدى الإمارات بافان كابور في تغريدة: "تشترك الهند والإمارات في قيم عدم التمييز في كل النواحي. التمييز يتعارض مع نسيجنا الأخلاقي وسيادة القانون. يجب على المواطنين الهنود في الإمارات أن يتذكروا ذلك دائماً".

وحثت سفارات هندية أخرى رعاياها على ضرورة اليقظة من التطرق إلى التصريحات التي قد تثير الخلاف الديني.

وفي محاولة لتهدئة المخاوف المتزايدة ، قالت "فورين بوليسي" إن وزير الشؤون الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكا هاتف نظراءه في الإمارات وقطر وعمان والسعودية، مشدداً على استمرار الهند في توفير الإمدادات الغذائية للمسلمين خلال شهر رمضان.

وأضافت المجلة الأمريكية أن معظم دول الخليج رحبت بالتوضيحات التي قدمتها نيودلهي، مبديةً رغبتها في الحفاظ على العلاقات الودية وتعميقها.

ما بعد كورونا

أشار محللون إلى أن لدى الهند فرصاً استثمارية واعدة بعد انتهاء أزمة كورونا لأن الشركات الكبرى باتت قلقة من الاستمرار في الاستثمار بالصين التي لاحقتها الاتهامات بالتسبب في انتشار الفيروس.

وتوقع تقرير "فورين بوليسي" أن تحاول الهند تحسين سلوكها من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية التي تبحث عن بيئة مستقرة وخالية من الصراعات الطائفية.

وقالت وكالة "بلومبرغ" إن السلطات في نيودلهي تلقت من اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وكذلك من الصين استفسارات تعرب عن اهتمامها بالانتقال إلى الهند التي تعد ثالث أكبر اقتصاد في آسيا.

وذكرت الوكالة أن الدول الأربع المذكورة هي من أكبر 12 شريكاً تجارياً للهند، إذ تبلغ حجم التجارة الثنائية مع هذه البلدان 179.27 مليار دولار أمريكي.

وأظهرت البيانات الحكومية أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة من الدول الأربع بين نيسان/ أبريل عام 2000 وكانون الأول/ ديسمبر عام 2019 تجاوزت الـ68 مليار دولار.

وكان رئيس الوزراء الهندي قد عقد، في 30 نيسان/أبريل، اجتماعاً لمناقشة خطوات الإسراع في وضع إستراتيجيات لجذب المستثمرين.

وحددت الهند عشرة قطاعات يمكن الاستثمار فيها وهي الكهرباء، والأدوية، والأجهزة الطبية، والإلكترونيات، والهندسة الثقيلة، ومعدات الطاقة الشمسية، وتجهيز الأغذية، والمواد الكيميائية والمنسوجات. وطلبت من سفاراتها في الخارج مخاطبة الشركات التي تبحث عن فرص استثمارية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard