محاضرات المسرح عبر المنصات الرقمية... المسرح الدرامي والملحمي وما بعد الدرامي

الاثنين 11 مايو 202002:59 م

أطلقت مؤسسة "اتجاهات" أول إصدار من برنامج "سبل: موارد فنية وبدائل إبداعية" والذي يهدف لدعم التعليم الفني والإبداعي في سياقات هشة، وتطوير المعارف الفنية عن طريق الميديا ووسائل التواصل الرقمية. ضمن إطار هذا البرنامج، نشرت المؤسسة سلسلة من ست محاضرات، مايقارب الثلاث ساعات، مع الدكتورة في الدراسات المسرحية ماري إلياس، ومن إخراج: عمرو كوكش. خُصصت المحاضرات لموضوعة الدراماتورجيا في المسرح، وتحمل عنوان: "الدراماتورجيا: مفاهيم وتطبيقات".

الدراماتوجيا: إعداد النص للعرض المسرحي

تعرف هذه السلسلة بالدراماتورجيا، باعتبارها مهمة إعداد النص للعرض المسرحي. وتطلعنا السلسلة على علاقة الدراماتورجيا بباقي عناصر العرض المسرحي، وتغيرها عبر المراحل المختلفة من تاريخ المسرح، إضافة للتعرف على أسس التحليل الدراماتورجي ودوره في صناعة العرض المسرحي. كذلك تحتوي المحاضرات على بعض الأمثلة التطبيقية من المسرح العالمي التي تخوض في تحليلها المحاضِرة وفقاً لهذه المفاهيم، ونمر على أشكال وبنى الكتابة المختلفة في المسرح الدرامي والمسرح الملحمي عند "بروتولد بريشت" وصولاً إلى المسرح ما بعد الدرامي، وتقدم أيضاً بعض الأسئلة المفتوحة حول المسرح ما بعد الحداثي، حال الكتابة المسرحية المعاصرة وإشكاليتها اليوم وموقع المسرح العربي منها.

تطلعنا السلسلة على علاقة الدراماتورجيا بباقي عناصر العرض المسرحي، وتغيرها عبر المراحل المختلفة من تاريخ المسرح، إضافة للتعرف على أسس التحليل الدراماتورجي ودوره في صناعة العرض المسرحي

للتعريف بمفهوم الدراماتورجيا، تعود بنا المحاضِرة إلى بدايات المسرح، للنظر إلى تاريخ المسرح كتاريخ للعرض. لقد نشأ المسرح الإغريقي على مجموعة من الأعراف المسرحية التي تحاول الإجابة عن أسئلة تتعلق بالعرض المسرحي، مثل: أين يجلس الجمهور؟ كيف يتشكل العرض المسرحي؟ ما العلاقة بين العرض والثقافة الاجتماعية المحيطة؟ حتى قدم أرسطو كتابه "فن الشعر" الذي وضع فيه أسس القواعد المسرحية، والتي استمرت حتى الفترة الإليزابيثية، حيث ظهرت عروض شكسبير التي قدمت نمطاً آخر من أنماط القواعد المسرحية التي تتناسب مع شكل العمارة المسرحية، والعلاقة بين المسرح والجمهور في تلك الفترة. وبدءاً من كتابات دينيس ديدرو وإرفيم ليسينغ وصولاً إلى القرن التاسع عشر، تشكلت النواة الأساسية لمهمة المخرج، بوصفه الشخص المستقل المتخصص بتحقيق العرض على الخشبة، وفق القواعد والأعراف المسرحية، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، برزت مهمة الدراماتورجيا، لتكون المهمة المسرحية المتخصصة في إعداد النص المسرحي.

لينك المحاضرة الأولى:



الذهنية الدراماتورجية: المعرفة إلى جانب الموهبة

تعرف د. ماري الياس الدراماتورجيا باعتبارها إدخال المعرفة إلى جانب الموهبة والإبداع في التعامل مع النص أولاً، والعرض المسرحي تالياً، وتربط ظهور الدراماتورجيا بتطور العلوم الإنسانية، من علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، اللسانيات وتيارات تفكيك النص، كما مع البنيوية وما تلاها من مدارس النقد الأدبي، وتتوقف عند دور "برتولد بريشت"، الذي عرف نفسه باعتباره دراماتورجياً وليس كاتباً مسرحياً. وتعلل المحاضرة ذلك باعتبار بريشت قد كتب نصوصاً كان غايتها أن تقدم كعروض مسرحية وليس النشر الأدبي، ومن هنا توصيف محوري آخر للدكتورة لفهم الدراماتورجيا، بكونها التعامل مع النص المسرحي باعتباره نصاً مفتوحاً على التأويل المستمر.

المميز في الرؤية التي تقدمها د. ماري الياس عن مفهوم الدراماتورجيا، هي محاولتها لتكريس مصطلح "الذهنية الدراماتورجية"، وبذلك كيلا تشمل الدراماتورجيا فقط إعداد النص أو الإخراج، بل تمتد لتشكل رؤية من كافة جوانب العرض المسرحي، كالتمثيل، السينوغرافيا والعلاقة مع الجمهور أي التلقي.

على مستوى التمثيل، تعتبر المحاضِرة أن المعرفة تعمق من قدرة الممثل على تحليل النص وفهم الدور والشخصية، وبالتالي تساعد المعرفة في تطوير قدرة الممثل على التأثير في الأداء الذي يختاره، وذكرت أن تمارين قراءة النص على الطاولة التي تعود إلى مدرسة المخرج ستانسلافسكي هي تماثل الدراماتورجيا الحديثة، تقول د. ماري: "ومع مسرح بريشت أصبح هناك أسئلة أكثر دقة واخصاصية توجه للممثلين عن فهمهم للأحداث في النص وللشخصيات".

كذلك تشمل الذهنية الدراماتورجية الجانب السينوغرافي من العروض المسرحية، فالسينوغرافيا المعنية بالإجابة على أسئلة المكان في العرض: كيف نوحي بالمكان؟ هل المكان إيحائي أم تصويري؟ هي معنية أيضاً بتشكيل رؤية دراماتورجية عن النص. ومن النقاط الهامة التي تشير إليها د. ماري الياس، هي اعتبار الدراماتورجيا أيضاً مشمولة بأسئلة التلقي، فتسعى للإجابة عن أسئلة من قبيل: كيف يتلقى المشاهد هذا النص؟ هل هو نص إيهامي أم مسرحي؟ أي نوع من العلاقة يريدها فريق إنتاج العرض المسرحي مع الجمهور؟

القراءة المسرحية، التأويل والمحور الدلالي

تعتمد المحاضرة على كتابات أمبرتو إيكو "القارئ في الحكاية"، وكتابات آن أوبرسفيلد "قراءة المسرح"، لتجعل من مفهوم القراءة واحدة من آليات التأويل الدراماتورجية، وهنا يحتوي مفهوم القراءة على تأويل معنى للنص، فالغاية الأولى لأية قراءة هي العثور على المعنى الكامن داخل النص أو العرض، وتذكّر بما ركزت عليه كتابات "رولان بارت" عن دور المتلقي في قراءة النص المسرحي، وعملية الاستقبال القائمة على ضرورة إيجاد تأويل للنص.

المسرح الدرامي والمسرح الملحمي

في مجال التمارين على التحليل الدراماتورجي تقدم المحاضرة تحليلاً لمسرحية من النوع الدرامي وهي مسرحية "الدب" لأنطوان تشيخوف، وتحليلاً مسهباً لمسرحية من النوع الملحمي وهي مسرحية "الأم شجاعة" لبريشت. النص البريشتي الشهير الذي يعرف بمناهضته للحرب، وتصويره للعلاقة بين التجارة، الأخلاق، الحرب والفقد. تعتبر المحاضرة أن الحرب هي المحور الدلالي لهذا النص المسرحي والذي يعتبر مفصلاً في ولادة المسرح الملحمي وفق القواعد البريشتية، وتتضمن الفيديوهات إنتاجاً مسرحياً خاصاً لهذه السلسلة، وهو قراءة مسرحية لنص "الأسم شجاعة" تؤديها الممثلة "جوليا قصار".

لينك قراءات الممثلة جوليا قصار لنص الأم شجاعة، بريشت:

وتبين المحاضِرة الفارق في بنية النص بين المسرح الدرامي والمسرح الملحمي، فبنية المسرح الدرامي تقوم على أساس الفصول والمشاهد، بينما بنية المسرح الملحمي تقوم على اللوحات. الفصول والمشاهد تتجاور في السرد الدرامي لبناء الحكاية التي يكتمل معناها مع اكتمال المسرحية ونهايتها، بينما بنية اللوحات في المسرح الملحمي تقوم على اعتبار لكل لوحة استقلالية في السرد والمعنى، أي أن لكل لوحة معناها الخاص، وبهذا ويصبح الحصول على المعنى في المسرح الملحمي مبنياً من تراكب معاني اللوحات في النص أو العرض الواحد، وهو تمايز دقيق أشارت إليه د. ماري إلياس بنجاح.

إن عملية تأصيل المسرح لا تجري من خلال البحث في الماضي العربي عن طقوس ممسرحة، بل عبر تأصيل وجود المسرح في المجتمع

المسرح الما بعد الدرامي

في الأجزاء التالية من المحاضرات، تشرح المحاضِرة مصطلح "المسرح ما بعد الدرامي"، وتختار نص مسرحية "روبيرتو زوكو" لبرنارد كولتيس، كنموذج للمسرح ما بعد الدرامي.

هذا النص مستوحى من الحكاية الحقيقية للقاتل المتسلسل روبيرتو زوكو، الذي أقدم على قتل والده وأمه وطفل وآخرين. إن النص يحاول التساؤل عن كيفية تكون شخصية القاتل المتسلسل، ودور الثقافة الحديثة في تكوين جانبه الإجرامي، ما هي علاقة القاتل مع عائلته، ما علاقته بالمحيط الخارجي؟ ما مكانة الآخرين في حياته؟ في النص تبدو المدن الحديثة مفككة، لا رابط يجمع بين سكانها في ظل غياب ثقافة التعاضد. شكل الثقافة الحديثة هو الذي يكوّن شخصية القاتل. وتتوقف المحاضرة عند التناص في هذا النص، فعناوين اللوحات أو المشاهد أغلبها يحيل إلى تاريخ المسرح: أوديب وقتل الأب، فيدرا وسؤال الخير والشر، ووأوفيليا عن البراءة والحب، وتقدم سلسلة الفيديوهات قراءة مسرحية منتجة خصيصياً للمشروع لنص روبيرتو زوكو، يؤديها الممثلون: "حمزة حمادة، نادر عبد الحي وبسمة بيضون".

لينك عرض روبيرتو زوكو – إنتاج خاص للسلسلة:

بدأ الحديث عن المسرح الما بعد درامي مع الكتابات النقدية لكل من "هانز ليهمان" و"باتريس بافيس". ترى د. ماري أن الدرامية انتقلت إلى السينما والتلفزيون، بينما أصبحت خصوصية المسرح في خصائص أخرى تميزه كنوع فني. ومع ذلك، تركز على كتابات آن أوبرسفيلد في "قراءة المسرح" و"مدرسة المتفرج"، وعلى مفهوم الحكاية في العرض، فتعتبر أن المتعة في المسرح تتأتى من فهم الحكاية، وتفكيك المعنى وتركيبه، والوصول إلى عملية التأويل من قبل المتفرج. ومن هنا توصي بدراماتورجيا المتفرج، الدراماتورجيا التي تأخذ بالحسبان دور المتفرج في عملية التلقي، التأويل وتشكيل المعنى.

وفي إطار الحديث عن المسرح العربي، ترى المحاضرة أن عملية تأصيل المسرح لا تجري من خلال البحث في الماضي العربي عن طقوس ممسرحة، بل عبر تأصيل وجود المسرح في المجتمع، وتتوقف عند خصوصية تجربة الكاتب المسرحي المصري توفيق الحكيم. أما عن المسرح العربي اليوم، فترى د. ماري خصوصية في النصوص المسرحية والعروض المنتجة اليوم، في قدرتها على التعبير عن العام عبر الذاتي، وتبين أن المسرح الذاتي، أو الأدب الذاتي، يميز اليوم الإنتاج المسرحي على المستوى العالمي وعلى المستوى العربي أيضاً، وهذا ما يجمع بينهما في هذه الفترة.

أخيراً، ننوه إلى أن سلسلة المحاضرات ضمت بالإضافة إلى القراءات المسرحية الخاصة لنص "الأم شجاعة"، والخاصة بنص "روبيرتو زيكو"، وسلسلة الفيديوهات، أيضاً مشاهد مسرحية لعروض عربية معاصرة مميزة مثل: "ما عم يتذكر، وائل علي"، "وقائع مدينة لا نعرفها، وائل قدور"، "جنة، جنة، جنة، فرقة زقاق المسرحية"، "أنتيغون شاتيلا، عمر أبو سعدة"، "حرب طروادة، روجيه عساف"، "الجانب الآخر من الحديقة، فرقة كون المسرحية"، "بستان الكرز، كارلوس شاهين"، "عنوان مؤقت، كريستيل خضر ووائل علي"، وعروض كريوغراف "فاطمة، وموت ليلى، لعلي شحرور".

لمشاهدة السلسلة كاملة (الرابط).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard