"الخوف لحالو بولِّد الوجع"... الحمل والولادة في "زمن كورونا"

الأربعاء 6 مايو 202006:32 م

بات من المعلوم للجميع أن فيروس كورونا الذي أودى بحياة أكثر من ربع مليون شخص حول العالم، يلفه الكثير من الغموض، بخاصة وأنه وباء مستجد والأبحاث بشأنه جارية على قدم وساق.

وفي حين أن العلماء نجحوا في الإجابة على بعض الأسئلة الشائعة وتفكيك بعض رموز هذا الوباء العالمي، إلا أنهم ما زالوا يتخبطون أمام الكثير من الفرضيات التي تبقى موضع جدل كبير بين أهل العلم.

ومن بين الفرضيات التي ينكب عليها الخبراء، هي مدى احتمال نقل فيروس كورونا من المرأة الحامل إلى جنينها؟ وما إذا كانت النساء الحوامل معرضات أكثر من غيرهنّ لمخاطر الإصابة بهذا الفيروس؟ بالإضافة إلى التعقيدات الكثيرة المترتبة على الصحة النفسية والجسدية للمرأة الحامل، في خضم هذه الظروف الاستثنائية التي تعيشها البشرية جمعاء.

كورونا "يسلب" الحوامل فرحتهنّ؟

يمثل الحمل مرحلة حساسة وفترة مميزة في حياة الأم، مليئة بالإثارة والترقب، ولكن بالنسبة للأمهات الحوامل اللواتي يواجهن مرحلة تفشي مرض فيروس كورونا في العالم، فإن الخوف والقلق والعيش في الشك وعدم اليقين، كلها عوامل قد تفسد عليهنّ هذا الوقت السعيد.

وفي ظل إجراءات التباعد الاجتماعي والقيود التي فرضتها معظم الدول والحكومات على مواطنيها بهدف التصدي لهذا الوباء المستجد، فإن "روتين" المرأة الحامل قد شهد بدوره الكثير من التغييرات، إذ إن العديد من العيادات الطبية أقفلت أبوابها حفاظاً على سلامة المرضى، كما أن الأطباء قاموا بإلغاء مواعيدهم واكتفوا باستقبال الحالات الطارئة، كل ذلك جعل المرأة الحامل ترزح تحت أعباء نفسية وجسدية كبيرة.

والواقع أنه في الأسابيع الأخيرة، بدأت النساء في الإبلاغ عبر الشبكات الإلكترونية، أن العيادات النسائية بدأت بتحويل جميع المواعيد الروتينية إلى فحوصات طبية عن بعد، الأمر الذي يقضي مثلاً على راحة البال التي يمكن أن يشعر بها الأهل عند سماع نبض الجنين بواسطة جهاز فحص دوبلر، هذا وقد أجبرت النساء على تحمل مشقة الانتظار لأسابيع وشهور، قبل معرفة ما إذا كان الجنين ينمو في أحشائهنّ بشكل صحي وسليم.

 لا يوجد حتى الآن أي دليل على انتقال الفيروس من الأم الحامل إلى جنينها، سواء كان ذلك خلال فترة الحمل أو أثناء الولادة

هذا هو حال ديانا (اسم مستعار) التي تنتظر مولودها الثالث، والذي من المفترض أن يبصر النور في مطلع شهر سبتمبر/ أيلول.

وبالرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تختبر فيها مذاق الحمل والأمومة، إلا أن ديانا تعيش اليوم وقتاً عصيباً، بعد تأخر الإجراءات الطبية وتعرقلها بسبب كورونا: "من أول الـpregnancy (فترة الحمل)، خبرني الطبيب، إنو بحالتي ولأني صرت فوق ال35 في احتمال يطلع الصبي trisomie (متلازمة داون) وطلب ينعمل فحص طبي جديد وينبعت على أميركا".

وكشفت ديانا لموقع رصيف22 أن حالة الإغلاق العام التي تعيشها الدول كافة جعلتها تعيش في حالة من القلق الشديد لعدة أسابيع، بانتظار أن تصدر نتائج الفحص: "بسبب كورونا كل شي كان واقف ومسكر، نطرنا عدة أسابيع على أعصابنا لحتى تطلع النتيجة، بس بالآخر حمدالله تأكدنا إنو الـbebe رح يكون منيح".

وفي حين أنه بشكل عام، تكون المرأة الحامل حساسة خلال هذه الفترة نتيجة التغيّرات الهرمونية في جسدها، إلا أن أزمة كورونا "زادت الطين بلّة"، على حدّ قولها: "كل شهر مفروض روح شوف حكيمي لحتى يفحصني وأطمن إنو كل شي منيح، بس لهلق صار مارق شهرين وما رحت لعندو... عم ضلني بهيدي الفترة خايفة وقلقانة من وراء الأخبار الكتيرة يلي بسمعها، متل إنو كورونا ممكن ينتقل من الأم للـbebe وإنو الولادة بالمستشفى صارت أصعب لأنو ما رح يخلّو حدا من أهلي يكون موجود، هيدا غير المشاكل المادية والفحوصات يلي بتنبعت لبرا ولازم تندفع بالدولار، والمشاكل مع شركات التأمين يلّي سكرت من ورا كورونا"، وأضافت قائلة: "الخوف والقلق عند المرأة الحامل صار double (متضاعف) بزمن كورونا، والوسواس صار أكبر لأنو أنت بالنهاية مسؤولة عنك وعن الجنين يلي ببطنك".

هذا وأعربت عن أمنيتها في أن تتمكن من إنجاب طفلها في الوقت الذي نكون فيه قد انتهينا من أزمة كورونا إلى الأبد.

تأثير كورونا على الحامل

من المتوقع أن يكون لدى المرأة الحامل الكثير من الأسئلة والمخاوف، بخاصة إذا كانت تختبر الحمل لأول مرة، ولكن أن تكون أسئلتها متمحورة حول فيروس كورونا، هو أمر لم يكن أبداً في الحسبان.

في الواقع، لا يزال الأطباء والعلماء يحاولون الإبحار في عالم هذا الفيروس الغامض وتأثيره على الجميع، بما في ذلك على الأمهات الحوامل وعلى الأجنة في أحشائهنّ.

وفي هذا الصدد، كشفت الكلية الملكية البريطانية لأطباء النساء والتوليد، أن النساء الحوامل لسن أكثر عرضة للإصابة الشديدة بفيروس كورونا من باقي الناس، كما أكدت الكلية عدم وجود دليل مثبت حتى الآن، على أن المرأة الحامل المصابة بالعدوى ستكون أكثر عرضة لخطر المضاعفات.

وفي السياق نفسه، تتساءل الكثير من النساء الحوامل عما يمكن أن يحدث للجنين في حال أُصبن بفيروس كورونا؟

في الواقع، لا يوجد حتى الآن أي دليل على انتقال الفيروس من الأم الحامل إلى جنينها، سواء كان ذلك خلال فترة الحمل أو أثناء الولادة، حيث تُعرف حالة انتقال الأمراض من الأم إلى جنينها طبياً بالانتقال الرأسي أو العمودي.

فبعدما تم رصد إصابة مولود صيني بفيروس كوفيد 19بعد 36 ساعة فقط من ولادته، أجرى فريق بحثي في مستشفى تشونغنان التابع لجامعة ووهان الصينية، أول دراسة من نوعها، لبحث إمكانية انتقال الفيروس من الأم إلى جنينها.

ووجد الفريق البحثي نفسه أمام عدة فرضيات، أبرزها إمكانية انتقال العدوى في الرحم عبر المشيمة، أو أثناء عملية الولادة نتيجة ملامسة سوائل الأم، بالإضافة إلى إمكانية انتقاله بعد الولادة عن طريق حدوث اتصال وثيق بمريض مصاب بالفيروس.

اعتمد الفريق في نتائج دراسته المنشورة في دورية The Lancet، على تحليل عينات مأخوذة من 9 سيدات حوامل أصبن بالفيروس، في الفترة ما بين 36 إلى 39 أسبوعاً من الحمل، وعندما أنجبت الأمهات أطفالهن التسعة عن طريق ولادات قيصرية، لم يلحظ الأطباء ظهور أية أعراض للمرض على المواليد، إذ انتهت نتائج الفريق البحثي بشكل مبدئي، إلى أن كوفيد 19 لا ينتقل من الأم المصابة بالفيروس إلى جنينها عبر المشيمة، خلال الثلث الأخير من الحمل.

وأوضح البروفيسور يونتشن تشانغ، إن أبرز ما توصلت إليه الدراسة، هو عدم رصد أية أدلة على إمكانية انتقال عدوى كوفيد 19عمودياً، أي من الأم إلى جنينها خلال الأسابيع الأخيرة من الحمل، مشيراً إلى أنه تم تقييم مدى انتقال الفيروس من الأم إلى الجنين عبر جمع عينات من السائل الأمينوسي، دم الحبل السري بالإضافة إلى حليب الثدي، وكذلك أخذ مسحة من حلق المولود لحظة الولادة: "أُخذت جميع العينات في غرفة العمليات حتى تعكس ظروف الرحم الحقيقية، وبعد تحليلها اكتشفنا أن جميع العينات سلبية"، بحسب قوله.

وبالتالي لا يوجد إثبات حتى هذه اللحظة عن وجود علاقة مباشرة بين الحمل وزيادة احتمال الإصابة بفيروس كورونا، ولكن بحسب مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، فإن المرأة الحامل تعاني بشكل عام من تغيرات في جسدها، الأمر الذي يزيد من خطر تعرضها للإصابة بأي عدوى من فيروسات عائلة كورونا أو التهابات الجهاز التنفسي الفيروسية، كالإنفلونزا، كما أنها أكثر عرضة للأمراض الشديدة بشكل عام مقارنة بغيرها، وعليه تأتي النصائح بضرورة حفاظ النساء الحوامل على صحة جسمهن، قوة جهازهنّ المناعي، تجنب الأمراض المعدية قدر الإمكان والاهتمام بالتغذية السليمة.

الولادة في المنزل

هناك أكثر من 130 مليون امرأة تلد حول العالم كل عام، وقد تحولت المستشفيات مؤخراً إلى "ساحات حرب" في المعركة ضد فيروس كورونا، الأمر الذي جعل عشرات النساء الحوامل من حول العالم يُعدن النظر في الولادة وحتى في مكانها.

في حديثها مع موقع رصيف22، أكدت القابلة القانونية فرح كنج، أن فيروس كورونا جديد، وبالتالي لا يزال هناك الكثير من الأمور التي نجهلها حتى هذه الساعة، ولكنها نوهت بأنه وعلى الرغم من أن مناعة المرأة الحامل تكون أضعف من غيرها، إلا أن الدراسات التي أجريت مؤخراً أكدت أن النساء الحوامل لسن معرضات أكثر من غيرهنّ للإصابة بالعدوى، كما أن التجارب الحديثة أثبتت أن فيروس كورونا لا ينتقل من الأم إلى الجنين.

وتحدثت كنج عن التغيرات التي طرأت على "روتين" النساء الحوامل بسبب كورونا وإجراءات التعبئة العامة: "الزيارات عند الحكيم ما عادت متل قبل، إذا الزيارة مش ضرورية ما بيروحوا عليها".

وعن إمكانية أن تتجه النساء شيئاً فشيئاً نحو الولادة في المنزل، في ظل خشية البعض من التقاط العدوى في المستشفى، كشفت فرح أن هذه الثقافة ليست سائدة كثيراً في مجتمعاتنا العربية، بالرغم من فوائدها الكثيرة، سواء كان ذلك للأم ولطفلها: "الولادة الطبيعية ليست حالة مرضية بل هي عبارة عن تغيرات فيزيولوجية وبنهاية المطاف كل الثدييات بتولد لحالها".

وعليه اعتبرت كنج أن المنزل هو المكان الأنسب للولادة، إذا كانت المرأة تتمتع بصحة جيدة ولا تشتكي من أية مضاعفات: "إذا كانت الأم منيحة وصحتها جيدة وصحة الـbebe منيحة، البيت هو المكان الأنسب لحتى تولد ضمن بيتها وجوّها وبين أغراضها..."، مشددة على أهمية أن تتعظ الدول العربية من التجارب الناجحة لدول الغرب، مثل كندا وهولندا، لناحية إدراج الولادة في المنزل ضمن النظام الصحي.

"النساء يلي بيولدوا بشكل طبيعي وبيعملوا كل شي لحالن، بيأكدوا إنو الإحساس بالـ Empowerment (التمكين) بعد الولادة بيكون كتير قوي"  

وبغض النظر عن خيار الولادة، سواء كان ذلك في المنزل أو في المستشفى، شددت فرح على ضرورة أن تتم مواكبة المرأة الحامل من الناحية النفسية، وكسر جميع الصور النمطية التي ترافق عملية الولادة، بخاصة وأنه في العادة يتم التركيز فقط على الألم والخوف والمشاعر السلبية: "بثقافتنا منشوف دايماً إنو الولادة بتخوّف، بتوجع، حتى بالأفلام دايماً في تركيز على شكل المرأة قديه بيكون تعبان، شعرها منكوش وصوتها طالع لبرا. ما بفرجوا الشق الإيجابي: إحساس الانتظار والشوق وأول مرة عم بتتعرف فيها الأم على مولودها الجديد".

من هنا أشارت كنج إلى أن الخوف الذي يصاحب المرأة المقبلة على الولادة يزيد الأمور سوءاً: "عند الولادة بتكون الأم خايفة لأنو ما بتكون عارفة شو عم بصير معها والخوف لحالو بولِّد الوجع"، مشددة على أهمية التوعية والتثقيف حول قضايا الصحة الإنجابية: "المهم تكون الأم عارفة لوين رايحة ووحدها مشاعر الفرح والشوق والانتظار بتخلّي كل التجربة تختلف".

هذا وختمت فرح كنج حديثها بالقول: "بحكم تجربتي فيي قول إنو النساء يلي بيولدوا بشكل طبيعي وبيعملوا كل شي لحالن، بيأكدوا إنو الإحساس بالـ Empowerment (التمكين) بعد الولادة بيكون كتير قوي وكتير حلو".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard