"شَرِب مطهرات كحولية"... الرواية الرسمية لوفاة شادي حبش توصف بـ"دليل إدانة" للسلطة

الأربعاء 6 مايو 202001:06 م

أثار بيان النائب العام المصري حمادة الصاوي بشأن ملابسات وفاة المخرج الشاب شادي حبش في سجن طرة خلال حبسه احتياطياً، ردود أفعال مستاءة بعدما زعم أنه توفي جراء تناوله عن طريق الخطأ كمية من المطهرات الكحولية المقدمة للمحبوسين للوقاية من فيروس كورونا.

وشادي الذي اعتُقل في الأول من آذار/مارس عام 2018، هو مخرج أغنية "بلحة" الساخرة التي تنتقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكان قد تخطى الحد الأقصى المقرر قانوناً لفترة الحبس الاحتياطي والمقدرة بعامين بموجب قانون الإجراءات الجنائية.

ورغم وفاته في الساعات الأولى من يوم 2 أيار/مايو الجاري، لم يصدر أي بيان رسمي عن ملابسات الوفاة حتى مساء 5 أيار/مايو، حيث زعم النائب العام المصري أنه "بانتقال النيابة العامة لمناظرة جثمان المتوفى لم يُعثر على أية إصابات ظاهرة فيه، وبسؤال الطبيب المنوب المُكلّف بسجن القاهرة يوم الواقعة، قرر بإخطاره فجر هذا اليوم بإعياء المتوفى، وبتوقيعه الكشف الطبي عليه تبين ‘حُسن إدراكه وطبيعية معدلات علاماته الحيوية‘، بينما أعلمه الأخير بشربه خطأً كمية من الكحول ظهيرة اليوم السابق على وفاته".

ولفت البيان إلى أن شادي أخبر الطبيب بعدم علمه مقدار الكحول الذي شربه والذي كان معبأً في زجاجة مياه، ما أدى إلى اختلاط الأمر عليه، مبيناً أنه عقب شعوره بآلام بالبطن، "أعطاه الطبيب مطهراً معوياً ومضاداً للتقلصات وأعاده لمحبسه ‘لاستقرار حالته‘" .

وأردف موضحاً أن الآلام لم تُفارق المعتقل المتوفى وأعيد إلى الطبيب على إثرها مرتين لاحقاً، حيث لاحظ الطبيب في المرة الأخيرة، مساء يوم وفاته، "اضطراب درجة وعيه وضعف نبضه وضغطه، فأجرى إسعافات أولية له، وشرع في اتخاذ إجراءات ترحيله الفوري لمستشفى خارجي، وتجهيز سيارة إسعاف لنقله، وإثر سوء حالته أعطاه محاليلاً وحاول إنعاش قلبه ورئتيه، إلا أنه لم يستجب وتوفي إلى رحمة الله".

ونقل البيان تفاصيل متقاربة مزعومة على لسان ثلاثة من مرافقيه في الزنزانة، نبهوا خلالها إلى معاناة شادي قبيل وفاته من "قيء وصداع شديديْن، وشعور بألم في عينه وعدم قدرة على الإبصار بوضوح" وأن أحدهم أعطاه "عقاراً مضاداً للقيء كان بحوزته".

"بجاحة" و"إدانة للسلطة"

رداً على رواية السلطات، رأت الناشطة السياسية والحقوقية منى سيف أن "بيان النيابة في وفاة شادي حبش ‘ما بعد البجاحة وانعدام الإحساس‘"، قائلة: "أصلاً بالبيان اللي أنتو بنفسكم كاتبينه ده المفروض الدكاترة وكل الضباط المسؤولين وأنتو تتحاكموا بسبب بس محتواه!".

"يُدين السلطة بالإهمال الطبي المتعمد"... بيان النائب العام المصري بشأن ملابسات وفاة شادي حبش بسبب "الكحول" تعيد إلى أذهان المصريين بيان النيابة عام 2010 حول وفاة خالد سعيد بسبب "لفافة بانغو" 

وأضافت سيف: "بافتراض كلامكم حقيقي- والتغاضي عن أنكم نظرياً بتنقلوا أقوال ناس محبوسين معاه خاضعين لنفس سلطة المسؤولين عن إهماله وتجاهله حتى وفاته- كل ده وكنتم لسه بتشوفوا تنقلوه مستشفى خارجي؟".

وأضافت سيف: "كل دكتور يقول حالته مستقرة، فيه شاب بيشتكي من كل اللي أنتم بنفسكم كاتبينه ينفع يتوصف بـ‘حالته مستقرة‘ ويموت خلال أقل من يومين؟! كنتوا سكتوا أكرم لكم!".

واعتبر الكاتب الصحافي تامر أبو عرب أن البيان يُدين السلطات المصرية ويورطها في قتل شادي، مبرزاً أنه يحمل "تفاصيل مخجلة ومزعجة، تخلينا كلنا نتكسف (نخجل) من نفسنا وتخلي دمه في رقبة اللي قتله مرتين لما حبسه من غير أي سند قانوني ومن غير أي جريمة حقيقية، ولما أهمل في علاجه وأهدر ساعات كتير كانت ممكن تساعده يعيش لو لقي تدخل طبي سريع".

وشبّه عدد من المغردين بيان النيابة العامة المصرية بشأن وفاة حبش ببيانها بخصوص وفاة الشاب خالد سعيد التي فجرت ثورة 25 كانون الثاني/يناير عام 2011، بعدما زعم أنه توفي نتيجة تناول "لفافة بانغو" لا جراء التعذيب كما اتهم ناشطون الأمن حينها.

وقالوا إن "شادي حبش هو خالد سعيد عام 2020".

السؤال الأهم

وفي تعقيبه على البيان، تطرّق الإعلامي المصري البارز حسام السكري إلى عدة تساؤلات مهمة لم يُجب عنها البيان، حيث قال في منشور عبر فيسبوك: "معنديش أي تعقيب على بيان النائب العام بخصوص وفاة شاب في العشرينات داخل السجن. مش فارق معايا الحقيقة في اللحظة دي إني أحلل أسباب صمته يومين كاملين لحد ما صاغ البيان. كمان مش عايز أفتي كتير في حتة إن واحد يخلط كحول مطهر مع سفن أب فيموت (!) ده أي ازازة (زجاجة) فودكا تركيز الكحول فيها هيبقى أكتر من كده. نركن (نؤجل) ده كله دلوقتي..".

"ليه شادي ما اتقدمش لمحكمة على مدى ما يزيد على سنتين؟"، "بيان النيابة في وفاة شادي حبش ‘ما بعد البجاحة وانعدام الإحساس‘"... غضبٌ وإدانة تعليقاً على الرواية الرسمية لملابسات وفاة المخرج الشاب شادي حبش 

وطرح السكري سبع تساؤلات أبرزها: "ليه شادي ما اتقدمش لمحكمة على مدى ما يزيد على سنتين؟ ما هي أسباب تضييع وقت النظام القضائي في الدولة بعقد جلسات كل خمسة عشر أو خمسة وأربعين يوم لتأجيل الحبس الاحترازي؟ ما هو الدافع أو الفائدة التي تعود على المجتمع؟ ما هي الأسباب التي من أجلها تمّ تطبيق الحبس الاحتياطي أو الاحترازي على شادي؟ ما هي الأسباب القاهرة لخرق القانون (الجائر) لأقصى مدة للحبس الاحتياطي (عامين) وحبس الشاب لمدة تزيد على هذا الحد المقرر قانوناً؟".

هذا أيضاً ما سلط عليه المحامي والناشط الحقوقي جمال عيد الذي قال: "ركّز كويس، شادي حبش اتحبس أكتر من الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، ودي مسؤولية النيابة العامة!! وتجاهل بيان النيابة لهذه الحقيقة، لن ينسينا مسؤوليتها".

ولفت الفقيه الدستوري المصري نور فرحات إلى خلل قانوني في البيان مطالباً بلجنة برلمانية محايدة للتحقيق في ملابسات الوفاة.

وذكر عبر حسابه في فيسبوك: "بالنظر إلى أن بيان النيابة العامة حول مصرع الشاب شادي حبش قد استند أساساً إلى أقوال الشهود، وبالنظر إلى أن الشهادة في المواد الجنائية ليست دليلاً كامل الحجية بل دليل يرد لقابليته للتأثير، فقد يكون من الأوفق تشكيل لجنة تحقيق برلمانية مستقلة محايدة من أعضاء من البرلمان ومجلس حقوق الإنسان ونقابة الأطباء يرأسها أحد شيوخ القضاء السابقين، على أن تمتد صلاحية اللجنة لبحث أوضاع المحبوسين احتياطياً في السجون المصرية، وعلى أن يراعى في اختيار أعضائها من اشتهر عنهم الحيدة واستقامة الرأي".

"دليل إضافي على استهتار السلطة"

الجدير بالذكر أن وفاة شادي أعقبت دعوات واسعة لإطلاق سراح المحبوسين احتياطياً الذين تخطوا الحد القانوني، في ظل المخاوف من تفشي فيروس كورونا في السجون المصرية التي تمتلك سمعة سيئة من حيث معايير النظافة واحترام حق الرعاية الطبية للمعتقلين.

وندّدت منظمات حقوقية محلية وعالمية، في 3 أيار/مايو، بوفاة شادي مقررةً أنها "دليل إدانة إضافي على مدى استهتار المسؤولين عن إنفاذ القانون في مصر بحياة المواطنين وبسيادة القانون، وتفشي نزعات الانتقام من كافة منتقدي النظام الحالي من مختلف الفئات والأعمار، كما تقدم برهاناً جديداً على مدى تردي أوضاع السجون المصرية ونقص الرعاية الصحية فيها، لا سيما في ظل ما ورد من شهادات تفيد باستمرار استغاثت رفقاء شادي بالزنزانة ساعات طويلة لنجدته دون جدوى".

وكان تقرير حقوقي مشترك قد وثّق وفاة 917 سجيناً في أماكن احتجاز ( في الفترة بين حزيران/يونيو عام 2013 وحتى تشرين الثاني/نوفمبر عام 2019 )، بينهم 677 نتيجة الإهمال الطبي.

وطالبت الجمعيات الحقوقية بالتحقيق بشفافية في وفاة شادي، معربةً عن قلقها البالغ بشأن السلامة النفسية والجسدية لرفقائه في الزنزانة الذين شهدوا ساعات معاناته الطويلة حتى وفاته.

كما تقدمت النائبة البرلمانية نادية هنري بطلب إحاطة بشأن وفاته ضد كل من رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والعدل، قبل قليل من صدور بيان النائب العام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard