السخرية من الوزن الزائد في الحجر الصحي… هل نفكر كم نجرح من الناس؟

الثلاثاء 5 مايو 202002:59 م

هل تجاوزت الطريقةُ التي يتناول فيها بعضُنا إمكانية زيادة الوزن بعد الحجر الصحي الطرافةَ، لتصل حد التنمّر والسخرية من ذوي الوزن الزائد؟

ربما أجانب الاعتدال، لكن تحول زيادة الوزن إلى مادة مبالغ بها، للنكات المهينة، الصور والفيديوهات التي يقوم بعض الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي بمشاركتها، والتي يسخرون عبرها من أشكالهم بعد نهاية الحجر، جعلتني أراها مشابهة لمعادلات أخرى: إذا سرقت أو قتلت ستصير مجرماً، وإذا لم تتصرف بأخلاق تصبح قليل أخلاق، وبالمقابل إن تناولت الكثير من الطعام ستصبح بديناً. هل زيادة الوزن أمر معيب حتى يتم تناولها بهذه الطريقة المبالغ بها؟! وهل يختار أحدنا أن يكون بديناً وموضوعاً للسخرية؟ هل نأخذ بعين الاعتبار الأبعاد النفسية والاجتماعية لذلك؟ كما الأمراض الفيزيولوجية و/أو النفسية التي قد تكون وراء السمنة؟

قارنت الدكتورة سوزان ويتبورن، عبر دراسة نشرها موقع Psychology today، بين المواضيع التي أصبح مؤخراً من غير المستحب السخرية منها، كالعِرق، اللون والميول الجنسية، بينما مازالت السخرية من البدناء وكبار السنّ أمراً مقبولاً لدى البعض، حيث يقع الأشخاص ذوي الوزن الزائد في نفس مأزق كبار السن، مع فارق واحد، هو أن الناس تظن أن زيادة الوزن أمر يتم اختياره والتحكم به في جميع الحالات، وأن البدين يقع في "خطيئة الشَرَه القاتلة"، وبالتالي يستحق السخرية، بينما التقدّم في العمر أمر محتوم، ومع ذلك قد يجد البعض أن السخرية من التجاعيد وترهل الجسم أمر لا حرج فيه.

 تحوّل زيادة الوزن إلى مادة مبالغ بها، للنكات المهينة، الصور والفيديوهات التي ينشرها البعض على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يسخرون عبرها من أشكالهم بعد نهاية الحجر، جعلتني أراها مشابهة لمعادلات أخرى: إذا سرقت أو قتلت ستصير مجرماً، وإذا لم تتصرف بأخلاق تصبح قليل أخلاق، وبالمقابل إن تناولت الكثير من الطعام ستصبح بديناً

يبدو أنه من الصعب جداً أن يتصالح الإنسان مع شكله في وقتنا الحالي، وأن الرضا عن الجسد صار أشبه بفعل ثوري، في الوقت الذي يبحث فيه كثيرون عن الرشاقة وتخفيف الوزن والوصول إلى الجسم المثالي، لم تعد الزيادة المفرطة فقط غير مقبولة، بل حتى من نطلق عليهم بالعامية (المليان)، ويعاني هؤلاء أيضاً، بالإضافة الى التمييز ضدهم والتنمّر عليهم، من صعوبات تتعلق بإيجاد الوظائف والأصدقاء، أو حتى أن تؤخذ آراؤهم على محمل الجد، وصولاً لمقابلة أشخاص يحبونهم ويرغبون بالزواج بهم، كما أنهم قد يقعون ضحية الانتقادات والتعليقات المسيئة والمواقف المسبقة، والتي يمكن أن يكون لها آثار نفسية مدمرة، قد لا تنتهي بالاكتئاب، الادمان على الرياضة القاسية وعدم الثقة بالنفس وتقدير الذات.

الوصول الى جسم يشبه أجسام عارضات الأزياء لم يعد كافياً أيضاً الآن، أصبحت المرأة مُشيّئَة، يجب أن تكون نحيفة لكن ممتلئة الصدر والمؤخرة. منحوتة بشكل من غير المعقول أن يكون آدمياً أو طبيعياً، وهو ما تستغله العارضات اللواتي يستخدمن في الغالب حشوات لتكبير الصدر والمؤخرة، ويخضعن لعمليات نحت خصر أو شفط دهون، ليظهرن بشكل مثالي على وسائل التواصل الاجتماعي، ويقمن باستغلال رشاقتهن أمام فتيات غير عارفات بخفايا ما يظهر على الشاشات، للترويج لعقاقير التنحيف والرشاقة التي لا يكف الأطباء عن التحذير من أضرارها وعدم فعالياتها، بالإضافة الى خبراء التغذية غير الأكاديميين، والشركات التي تجني مبالغ هائلة من هذه الصناعة الحديثة والترويج لها. الأمر نفسه ينطبق على الرجال الذين يخضعون للسلطة ذاتها ولذات الشكل من التنمّر، كما الأطفال الذين يقعون ضحية جهل الآباء والمجتمع حولهم، فيكونون عرضة لتعليقات وألقاب تؤثر عليهم بقية حياتهم.

قد تضيع منا البوصلة أحياناً، لا ندرك متى نكون ظرفاء (وخفيفي الدم) ومتى نصبح متنمّرين، وربما "نشعر بالرضا عندما نقارن أنفسنا بأشخاص ذوي مكانة أقل منا في مجتمعنا المهووس بالوزن"، ونصير فاقدين للتعاطف والرحمة.

ليس صعباً أن نفكر مرتين قبل أن نشارك أي مادة على منصات التواصل الاجتماعي الذي أصبح ملاذنا شبه الوحيد في الحجر الصحي، وربما من الإيجابي أن تظهر مثل هذه الأمور السلبية بكثافة حتى ندرك أهمية تجنبها، ونفكر في القلوب التي قد نجرحها، حتى حين يكون هدفنا الوحيد أن نكون لطفاء وظرفاء

معايير الجمال والجسم المثالي تتغير عبر الأزمنة، ومن غير العادل أو المنطقي أن نسعى لمطابقة المتطلبات الجمالية التي تتغير باستمرار، والتي يتم التحكم بها من منظور ربحي لا أكثر. في الماضي كانت النحافة غير مرغوبة، والنساء البدينات كنّ نجمات الموضة وموضوع أغلب قصائد الغزل في الشعر العربي القديم. ربما يمكن الربط بين نزوع الجمال في القرن العشرين إلى النحافة مع الأبحاث الطبية التي تؤكد على تأثير السمنة على اعتلال الصحة والقلب والأوعية الدموية، لكن الكثير من الصور المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي توحي أن الهدف هو جمالي أكثر منه صحي.

الإعلانات، السينما والدراما أيضاً يلعبون دوراً سلبياً في ترسيخ ارتباط الوزن الزائد بالغباء أو التهريج، عبر منح الأدوار الكوميدية للمثليين ذوي الوزن الزائد، أو إظهارهم بصورة الشخص البليد الذي لا يشغله شيء سوى بطنه. ويبدو في وقتنا الحالي أن الممثلين الذين يلعبون أدواراً كوميدية فقط، لا يتم تصنيفهم كنجوم صف أول، حتى لو كانت إمكانيتهم الفنية عالية جداً، كما أننا لا نشاهد مقدمي برامج جدّية، سياسية على سبيل المثال، من ذوي الوزن الزائد، غالباً ما نجدهم في البرامج ذات النكهة الكوميدية.

تناوُل الكثير منا الطريقة نفسها أو الموضوع نفسه للسخرية، لا يسقط عنه سلبيته إذا كان يحمل إساءة أو تنمراً. ليس صعباً أن نفكر مرتين قبل أن نشارك أي مادة على منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ملاذنا شبه الوحيد في الحجر الصحي، وربما من الإيجابي أن تظهر مثل هذه الأمور السلبية بكثافة حتى ندرك أهمية تجنبها، ونفكر في القلوب التي قد نجرحها، حتى حين يكون هدفنا الوحيد أن نكون لطفاء وظرفاء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard