"على بُعد بِضع خطوات من وطني"... مأساة المغاربة العالقين في "سبتة المحتلة"

الثلاثاء 5 مايو 202005:46 م

"ما كنتُ أتابعه عبر أخبار الحروب، أعيشه اليوم واقعاً على بُعد بِضع خطوات من وطني". بهذه الجملة، عبّر حسن عن المأساة التي يعيشها هو والمئات من المغاربة في مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية، شمال المغرب.

سافر حسن البقالي (46 عاماً)، في 11 آذار/ مارس، مع زوجته إلى خيريز، بلدة إسبانية في منطقة الأندلس، بهدف زيارة قريبته المريضة، ليتفاجأ بعد يوم واحد بخبر يقول: "الحكومة المغربية تُقرر إغلاق معبر باب سبتة، على الساعة الـ12 ليلاً، بسبب فيروس كورونا".

خبرٌ نزلَ على حسن وزوجته كالصاعقة، ودون سابقِ إنذار، في الساعة العاشرة ليلاً، أي قبل ساعتين من موعد إغلاق المعبر حتى إشعار آخر، وهما بعيدان عن مدينة سبتة بـ140 كيلومتراً براً وبحراً. لم يحضر ذهنيهما ساعتها إلا أبناؤهما الأربعة في مدينة الفنيدق في المغرب.

وأعلنت السلطات المغربية إغلاق معبر سبتة البري، في 12 آذار/ مارس الماضي، إلى جانب تعليق الرحلات الجوية والبحرية من وإلى عدة دول، بهدف الحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، بعد تسجيل ثامن حالات الإصابة به في البلاد.

عالقون بين جائحتين

يحكي حسن لرصيف22: "نمتُ تلك الليلة على أمل تمديد فتح المعبر، لنستقل في الصباح الباكر أول مركب متجه إلى ميناء سبتة من الجزيرة الخضراء (ألخيثيراس)، قبل أن نتفاجأ بالحدود مغلقة والساعة تشير إلى السابعة صباحاً".

ناشد حسن وعدد من المغاربة الحرسَ الإسباني فتح البوابة من أجل العبور، إلا أن الجواب الوحيد كان هو: "القرار ليس بيدنا، سلطاتكم المغربية هي مَن أمرت بإغلاق المعبر". حاولوا مراراً وتكراراً، رافضين مغادرة الجمارك، وكلهم ثقة بأن المغرب سيمكّنهم من العبور في أية لحظة.

فجأة، فُتِحت البوابة، مساء ذلك اليوم. هل هو الفرج أخيراً؟ أمل العالقين في الجانب الإسباني تبدد مع منع المغاربة من التوجه باتجاه بوابة المعبر، فيما عبرت وفود الإسبان القادمين من المغرب. يقول حسن: "مشهدٌ جرّدنا من الانتماء إلى الوطن، وأحسسنا أمامه بـ'الحُگرة' من قبل الحكومة".

و"الحُگرة" مصطلح يُستعمل في اللهجة المغاربية لوصف الذل والإهانة، والتهميش، وسلب الحق، ونظرة الازدراء التي تتعامل بها السلطة مع المواطنين.

وكانت السلطات المغربية قد قررت إعادة فتح معبري باب سبتة ومليلية، بشكل مؤقت، مساء 13 آذار/ مارس، أمام السائحين الإسبان الذين علقوا بدورهم في المغرب، عقب تدخل القنصلية الإسبانية في الرباط، في حين لم يستفد من القرار المغاربة العالقون في المدينتين الخاضعتين للسيادة الإسبانية.

علق المغاربة هناك إلى أجل غير مسمّى بين جائحتين، الأولى التشرد والغربة، والثانية فيروس يتربص بالبشر. لا مكان لهم يذهبون إليه ويحتمون به من قساوة البرد وعدوى وباء "كوفيد-19".

مأساةٌ غير مسبوقة، تعددت فيها قصص العالقين، الذين سمّتهم الصحافة الإسبانية بـ"المطرودين". أمٌّ زوجها سجين عبَرت إلى سبتة كعادتها كل يوم للعمل، وتركت أبناءها خلفها في تطوان دون معيل، وسيدة دخلت مساء الخميس لتتفاجأ بالبوابة مغلقة صباح الجمعة، وزاد مأساتها خبر وفاة والدها عبر الهاتف وهي ممنوعة من العودة بأمر من سلطات بلادها.



مرضى، ونساء، وأطفال، ومسنّون، وشباب، أغلبهم من سكان المدن المجاورة، منهم مَن يتنقلون إلى سبتة ومليلية بشكل مستمر من أجل العمل، وكسب القوت اليومي، والزيارات العائلية، فيما علق آخرون بعد عبورهم من أجل التطبيب أو التسوق.

ويحظى سكان مدن تطوان والمضيق ومرتيل والفنيدق المجاورة لمدينة سبتة، وسكان الناظور المجاورة لمليلية، بامتياز دون غيرهم من سكان باقي المدن المغربية، إذ يُسمح لهم بالتنقل بين المغرب والمدينتين الخاضعتين للسيادة الإسبانية، دون تأشيرة، ما يُفسّر حركتهم اليومية بين الجانبين.

"ترحيل قسري" وظروف قاسية

يتابع حسن حديثه لرصيف22: "مكثنا الليلة الأولى قرب المعبر البري، لا أكل ولا مرحاض، ولا بطانيات تقينا البرد، باستثناء ما تفضلت علينا به جمعيات خيرية في المدينة"، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً من العالقين "ليس لديهم سوى الملابس التي يرتدونها"، ومتسائلاً "كيف نستطيع البقاء هكذا لأكثر من شهر؟".

بعد ليلتين قاسيتين، بدأ ترحيل العالقين بين مناطق داخل الجانب الإسباني، في مشاهد تُشبه صور النازحين في الحروب، إذ رفضت سلطات سبتة مكوثهم بجانب المعبر. ونقلتهم قوات الأمن الإسبانية إلى فضاء قرب البحر، يقول حسن: "لا توجد فيه أبسط شروط الحياة".

"في جوّ مُمطر وبارد، قضينا ليلة قاسية هناك، في حالة يرثى لها مع الأطفال والنساء، لم أرَها من قبل إلا عبر أخبار الدول التي تعيش الحروب والكوارث الإنسانية"

ويضيف: "في جوّ مُمطر وبارد، قضينا ليلة قاسية هناك، في حالة يرثى لها مع الأطفال والنساء، لم أرها من قبل إلا عبر أخبار الدول التي تعيش الحروب والكوارث الإنسانية"، ويسترسل: "منّا الذي كان في عمله، أو زيارة قريبه، أو طبيبه، أو مُسَخّراً لأداء مهمة، فإذا بعبورنا المستعجل يتحوّل إلى معاناة نفسية ومادية لا ندري نهايتها".

بعد منتصف الليلة ذاتها، تدخلت القوات الإسبانية مجدداً لتوزيع المغاربة على عدة مناطق. رحّلت العشرات منهم قسراً إلى الجزيرة الخضراء "ألخيثيراس"، جنوب منطقة الأندلس، فيما نقلت الآخرين إلى سجن قديم وملعب صغير مغطى بالقصدير داخل سبتة، مُنشأتين لا تستجيبان لأدنى شروط السلامة الصحية.

المغاربة الذين تم ترحيلهم إلى الجزيرة الخضراء "قسراً وبالقوة في سلوك يتنافى مع حقوق الإنسان"، لم يمكثوا في الفنادق طويلاً جراء إغلاقها بسبب الإجراءات الإسبانية لمنع تفشي فيروس كورونا، فكان مصيرهم المبيت في الشارع مدة تزيد عن عشرة أيام، قبل تدخل القنصلية المغربية في الجزيرة وترحيلهم إلى مدينة أخرى في الأول من شهر نيسان/ أبريل.

أما المغاربة الذين لم يتم ترحيلهم من المدينة المعبر، فتمكن عدد قليل منهم من تدبر مكان للإقامة مع الأصدقاء والأقارب، واستطاع البعض التسلّل سباحة نحو شاطئ الفنيدق، مدينة مغربية محاذية، فيما يواجه الأغلبية ظروفاً قاسية داخل قاعة رياضية مغطاة في مدينة سبتة.

وكان وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة قد تحدث في تصريح عن أكثر من 22 ألف مغربي عالق حول العالم، مشيراً إلى أنه تم التكفل بإيواء 3844 شخصاً منهم، وتوفير استشارات طبية لـ147 شخصاً، وتقديم الدواء وإيجاد حل للوضعية القانونية لعدد منهم، كما أعلنت قنصليات مغربية استمرار خدماتها مع تقديم دعم مادي للعالقين.

لكن هذا يبدو، حسب حسن، مقتصراً على المجال البعيد عن اليابسة المغربية. يوضح: "لم نتوصل في مدينة سبتة ولا بدرهم واحد، ولم يتواصل معنا أي مسؤول للتعرف على حالنا، أو التنسيق مع سلطات المدينة من أجل تدبير الوضع، وهذا ما حز في أنفسنا".

يُذكر أن مستشار الصحة العامة الإسبانية في مدينة مليلية، محمد محند، طلب من السلطات المغربية، في 5 نيسان/ أبريل، السماح بمرور أكثر من 300 مغربي عالق في المدينة الخاضعة لسيادة إسبانيا، إلا أن الرباط لم ترد على طلبه الحكومي.

مهمَلون في "منطقة محتلة"

مر أكثر من 50 يوماً منذ إغلاق المعبر حتى إشعار آخر، ويستمر البعد بين الآباء والأبناء، رغم أن المسافة أدناها بضعة كيلومترات، وأقصاها مدينة أو مدينتين، فضلاً عن الجوع المتواصل في صفوف الذين لا معارف لهم، ويعيشون على وجبة واحدة كل ليلة، ربما لا تكفي لتسد رمق جوعهم، حسب صور تم تناقلها.



يقول عبد الرزاق بوغنبور، عضو اللجنة الوطنية لتتبع ملف المغاربة العالقين في الخارج، لرصيف22، إن المحبوسين في مدينتي سبتة ومليلية "يفتقدون للأمن، والاستقرار النفسي، ويُعامَلون بشكل سيئ، وهم الأقل عناية مقارنة مع باقي العالقين، خاصة في أوروبا، ودول الخليج، وتركيا".

وكانت الخارجية المغربية قد نسّقت مع قنصلياتها لحجز إقامات للمغاربة العالقين في عدد من الدول، وتقديم منح مالية لهم. يضيف المتحدث نفسه: "هذا الحل الترقيعي غير مناسب على الإطلاق، لأن التفكير في إغلاق الحدود كان يجب أن يوازيه تحرك من أجل ضمان عودة الجزء الكبير من العالقين خاصة المرضى، والعجزة، والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة".

"انقضى صبري. تعبت. كل يوم أتنقل من المدينة إلى المعبر أملاً في فتحه، وأعود منهكة الجسد بعد خيبة يومية. بُعد ابنتي وطفلي عنّي جعل حياتي سوداء"

ويرى بوغنبور أن إشكالية المغاربة العالقين في سبتة ومليلية "المحتلتين" لها طابع خاص بحكم أن معظمهم إما عمال مياومين أو عاملات في المنازل، "وعددهم حسب ما نتوصل به من شركائنا في المدينتين يقترب من ألف مواطن ومواطنة غالبيتهم يعيشون ظروفاً صعبة جداً في سبتة السليبة".

ويعتبر المغرب سبتة ومليلية والجزر الجعفرية جزءاً لا يتجزأ من أراضيه، ويطالب إسبانيا بالدخول في مفاوضات لاسترجاعها منذ استقلاله عام 1956، رافضاً الاعتراف بشرعية الحكم الإسباني لها، غير أن المنطقة لم تصنفها الأمم المتحدة ضمن المناطق المحتلة والواجب تحريرها.

"لنكن واضحين، المغرب لأول مرة يدبّر أزمة كاللتي نعيشها اليوم، إذ ليست له الخبرة الكافية لاستحضار كل أبعادها"، يقول بوغنبور مشدداً على أن هذا "لا يعني إعفاء الدولة من مسؤولياتها في تدبير هذا الملف، خاصة في المدينتين المحتلتين، أولاً لحساسية الموقع، وثانياً لطبيعة العالقين المنتمين إلى الفئات الهشة".

ويقترح عضو اللجنة الوطنية لتتبع الملف "إحداث مستشفى عسكري ميداني بالقرب من المدينتين، وإجلاء المغاربة مع إخضاعهم لحجر صحي إجباري ينتهي بعلاج المصابين، والسماح لعودة الجميع بعد المراقبة الطبية اللازمة"، لافتاً إلى أن المغرب نجح في تجربة مماثلة مع الطلبة المغاربة العالقين في مدينة "ووهان" في الصين.

توقيت العودة ليس مهماً!

في 23 نيسان/ أبريل الماضي، قال وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة إن "عودة المغاربة العالقين في الخارج بسبب الأزمة الصحية حق طبيعي غير قابل للنقاش"، مضيفاً أن "ما هو طبيعي ليس بالضرورة ملائماً في هذه الظرفية الاستثنائية".

وأشار بوريطة إلى أن المغرب بصدد العمل "على خلق شروط عودة العالقين في أقرب الآجال"، إلا أن "توقيت ذلك ليس مهماً"، حسب وكالة المغرب العربي للأنباء.

وفي نفس اليوم، اطلع رصيف22 على تسجيلات صوتية تعود لامرأة علقت في مدينة سبتة، بعدما عبرت إليها من أجل العمل اليومي قبل إغلاق المعبر، وهي تشكو معاناتها هناك.

"انقضى صبري. تعبت. كل يوم أتنقل من المدينة إلى المعبر أملاً في فتحه، وأعود منهكة الجسد بعد خيبة يومية. بُعد ابنتي وطفلي عنّي جعل حياتي سوداء". بهذه العبارات وبصوت يعكِس عمق المأساة، تحدثت السيدة القادمة من تطوان، وكأنها ترد على كلام وزير الخارجية الذي قال: "توقيت العودة ليس مهماً".

يقول عضو اللجنة الوطنية، والرئيس السابق للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان: "في الوقت الذي تحركت دول كثيرة من أجل إرجاع مواطنيها والاهتمام بهم، فإن المغاربة العالقون في تلك الدول يجدون أنفسهم دون اهتمام، لا يتوفرون على الإمكانيات المادية الكافية لمواجهة هذا الظرف الصعب، ناهيك عن الإحساس بالحگرة".

ويضيف بوغنبور لرصيف22: "المؤسف في هذا الملف الحساس، اقتصار الجواب الرسمي للحكومة، على وجود فريق عمل يشتغل على دراسة التدابير والحلول الممكنة لإنهاء أزمة العالقين، دون تحديد جدول زمني لإعادتهم أو تقديم حلول تضمن استقرارهم النفسي".

ويشدد الحقوقي المغربي على ضرورة أن تعمل الحكومة، بشكل مستعجل، ودون تسويف، على طمأنة العالقين في الخارج، من خلال "تحديد موعد العودة إلى أرض الوطن، وجبر ضرر المواطنين الذين لم تتمكن الدولة المغربية في ظرفية ما من القيام بواجب المواطنة تجاههم".

يذكر أن رصيف22 اتصل بوزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة للحديث حول وضع المغاربة العالقين في سبتة ومليلية، والرد على الانتهاكات التي رصدها التقرير، والاستفسار حول الإجراءات المتبعة لإنهاء هذه الأزمة، لكنه لم يرد، كما تواصل الموقع مع مكتب وزارة الخارجية في الرباط، فأبدى، حسب قوله، عدم علمه بتفاصيل ما يحدث هناك، مفضلاً عدم التعليق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard