"صناعة رجل جاهل ومؤذٍ"... مصريات يتحدثن عن إعلانات منتجات الصحة النسائية

الأحد 3 مايو 202005:26 م

"كنت في الثانية عشر من عمري، فجأة تقلّصت أمعائي وأحسست بألم شديد أسفل البطن والظهر، بعد دقائق أخبرت أمي، فقالت إنني صرت آنسة، وأعطتني قطعة بيضاء من ماركة للفوط الصحية هي الأشهر بين المنتجات النسائية"، هكذا وصفت شيماء (اسم مستعار)، ما حدث معها، حينما تحوّلت من تلك الطفلة التي تلعب بالدمى، إلى الآنسة التي تغيّرت ملامح جسدها، وبدأت فترة جديدة في حياتها.

وأضافت شيماء لرصيف22: "هذه الماركة لعلبتها لون أخضر مميز، أصبحت صديقتي لمدة 10 أعوام، ألتقيها كل شهر لمدة 5 أو 6 مرات، حتى أنهيت علاقتي بها لما سببته لي من أضرار بالغة من الحساسية والالتهابات، ولا زلت حتى الآن أشاهد إعلاناتها، وأتعجّب من كم الخداع الذي يمارس بحق الفتيات في شيء حيوي، وهام، وأساسي من حياتهم".

"مقرفة وتسبب التهابات"

تركيز الإعلانات على الصورة النمطية للمرأة في ذهن الرجل، وإغفالها ما تتطلع إليه المرأة، دفع بعضهن لفقدان الثقة في المنتج نفسه، والاعتماد على نصائح الصديقات، أو ريفيوهات تكتبها نساء على السوشال ميديا أو عبر يوتيوب.

"هذه الإعلانات تغفل شيئاً ضرورياً وأساسياً جداً لدى الفتيات والنساء، وهو أن الدورة الشهرية تصحبها آلام شديدة، تجعل الحركة والتنطيط أمراً شبه مستحيل، وليس علاج ذلك هو استخدام فوطة من الماركة الشهيرة، ما يعطي انطباعاً أن من تتألم من الدورة الشهرية أو لا تستطيع الحركة إما تدعي أو تمثل"

تصف شيماء، شابة عشرينية تسكن القاهرة، إعلانات المنتجات النسائية أن "بها قدر كبير من البجاحة"، و"لا يتفهّمون متطلباتنا كنساء، حتى هذه الماركة الشهيرة والتي أصبح المنتج نفسه معروفاً باسمها، والمصنفة الأولى عالمياً والأكثر مبيعاً، إعلاناتها تظهر بشكل مقرف، مستفز ومحرج جداً، منتجاتها غالية لكن نتائجها سيئة".

"جاهلة جداً" هكذا تصف مي (30 عاماً)، كاتبة نسوية، هذه الإعلانات، وتقول إنها تعكس صورة لا علاقة لها بنا، ويتم ترسيخها في أذهان المجتمع: "إعلانات الفوط الصحية تقول إن الفتيات حينما يستخدمنها سينشطن فوراً، ويقمن بالجري والتنطيط، ولا توجد علاقة منطقية بين هذا وذاك".

وتتساءل مي حول صانع الإعلان، مستبعدة أن يكون امرأة، أو حتى لديه معرفة بالأمور النسائية، تقول لرصيف22: "هذه الإعلانات تغفل شيئاً ضرورياً وأساسياً جداً لدى الفتيات والنساء، وهو أن الدورة الشهرية تصحبها آلام شديدة، تجعل الحركة والتنطيط أمراً شبه مستحيل، وليس علاج ذلك هو استخدام فوطة من الماركة الشهيرة، ما يعطي انطباعاً، ويرسخ فكرة متحاملة أن من تتألم من الدورة الشهرية أو لا تستطيع الحركة إما تدعي أو تمثل".

وتتفق نورهان (22 عاماً)، طالبة جامعية من القاهرة، مع مي في نظرتها للإعلانات، أنها لا تنقل الواقع، وتحدثت عن ماركة شهيرة للفوط الصحية: "يقول الإعلان إنها تتحمّل 8 ساعات، وهذا غير صحي وغير صحيح، ما يجعل النساء لا يثقن بالمنتج".

الكثير من الفتيات ينظرن أبعد من فكرة الترويج للمنتج، وهو الرسالة التي تؤكد اهتمام الشركات بصحّة الفتيات والنساء، مثلما قالت نورهان: "ما فكروش مثلاً إنهم يقولوا نصايح أو مميزات المنتج زي الريحة والحساسية، والفرق بين الأنواع والأوقات اللي نستخدمهم فيها، أما شفرات الحلاقة حصروها كلها إنها بتنجز بسرعة، وإننا نبقى ناعمين طول الوقت وخلاص".

وتسخر تسنيم (25 عاماً)، طالبة جامعية من محافظة الدقهلية إحدى محافظات شمال مصر، من إعلانات الفوط الصحية، تقول لرصيف22: "لا تزال في إعلاناتها تقارن الفوطة بالقماش، وهو ما كفّت الفتيات عن استخدامه، كما أن هذه الإعلانات تؤكد أن قلة الحركة تكون بسبب الخوف من بقع الدم، وهذا أيضاً غير صحيح".

"عايزينا ننكسف من شعرنا"

ما يضايق مي وغيرها من الفتيات أن الإعلانات تركز على حالة الخجل "الكسوف" من أشياء تخصّ جسد المرأة، مثل الشعر، بدلاً من التصالح معه، تقول لرصيف22: "إعلانات شفرات الحلاقة تعتمد على تنميط فكرة الجمال، وهو ما نحاربه منذ سنين لأنه مرهق مادياً ونفسياً، المجتمع يريدنا بشكل ونمط معين، وحينما لا يحدث تتعرّض الفتيات للوصم، السخرية أو التقليل".

لذلك ترى مي أن إعلانات الشفرات تؤكد على أن "يكون جسمنا حرير طول الوقت، ومستعدين دايماً، ومظهرنا واو على طول".

ولا تنظر تسنيم أيضا للشعر الـ"زائد" كونه أمراً معيباً كما تصف الإعلانات، قائلة: "عاملين اللي عندها شعر لازم تتكسف وتخبي إيديها وخايفة حد يشوفها، وبيقولوا إنها هتخليكي ناعمة دايماً، مع إنه العكس اللي بيحصل، وكمان طبيعي كل الوسائل هتخليكي ناعمة أول ما تشيلي الشعر، إيه ميزة المنتج ده عن غيره؟!".

"المسؤول عن هذه الإعلانات متأثر بالثقافة الذكورية في المجتمع".

وتعتقد مي أن المسؤول عن صياغة هذه الإعلانات، بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة، فهو لا يزال متأثراً بالثقافة الذكورية في المجتمع، ومهتم أكثر بالوصول لشريحة أكبر من الفئات المستهدفة، ويريد أن يعلق الإعلان في أذهان الناس حتى يشتروا المنتج، ولا يهمه أي شيء آخر.

وأحبطت إيمان (22 عاماً)، طالبة بكلية الصيدلة جامعة القاهرة، كثيراً عندما جربت منتجات صحية، وفوجئت أن نتيجتها لا تشبه الإعلان، لذلك فهي تتعامل مع الإعلانات كوسيلة للمعرفة بوجود المنتج، لكن إذا أرادت أن تجرب فهي تميل إلى رأي صديقاتها.

تحدثت إيمان عن ماركة للفوط الصحية "ذاتها التي تحدثت عنها الفتيات"، وقالت إن الإعلان يظهرها كأنها شيء مثالي، لكن الحقيقة أنها "مقرفة وتسبب التهابات"، أما عن وسائل إزالة الشعر الزائد، فقالت: "شرائح الشمع لا تزيل كما في الإعلان، ونتيجة كريم إزالة الشعر غير صحيحة كما يروّج لها".

"عاملين اللي عندها شعر لازم تتكسف وتخبي إيديها وخايفة حد يشوفها، وبيقولوا إنها هتخليكي ناعمة دايماً، مع إنه العكس اللي بيحصل، وكمان طبيعي كل الوسائل هتخليكي ناعمة أول ما تشيلي الشعر، إيه ميزة المنتج ده عن غيره؟!"

وتتفق معها آية السيد (25 عاماً)، وهي طبيبة ومؤسسة مبادرة "اعرفي جسمك". قالت إن هذه الإعلانات "سخيفة"، ولا تناقش مشاكل حقيقية، مؤكدة أنها لا يمكن أن تجرب هذه المنتجات إلا بعد أن تستطلع آراء وخبرات صديقاتها.

الجمال الحقيقي هو أن تكون الفتاة على طبيعتها ولا تضطر لفعل شيء بجسمها لأن المجتمع يريدها على "مزاجه"، هكذا رأت نور (22 عاماً)، طالبة جامعية بالقاهرة، قائلة: "إعلانات أدوات الحلاقة النسائية تظهر الفتاة ملساء وصورتها تظهر عليها تعديل بأدوات تعديل الصور، وتظهر النتيجة خرافية وهذا غير حقيقي، وإعلان الشامبو يظهر شعر الفتاة أكثر من رائع، وهو في الحقيقة يجعل الشعر جافاً جدا، هما بيصوروا الحاجة سهلة جداً وبيرفكت والحقيقة عكس كده".

في عام 2016 أصدرت الحكومة المصرية قرارا بزيادة التعريفة الجمركية على 364 سلعة مستوردة وصفتها بـ"السلع الاستفزازية"، بنسبة تتراوح بين 10 و60%، وارتفعت أسعار الفوط الصحية بعد ذلك القرار، رغم كونها ضرورية جداً ولا تستطيع أي فتاة الاستغناء عنها، حتى أن بعض الدولة ألغت الضرائب عليها وطرحتها بسعر بسيط جداً لتكون بمتناول الفتيات، في بلدان مثل راوندا والهند.

كما أن بعض الدول أقرّت إجازة ليوم واحد شهرياً لكل امرأة وفتاة عاملة، بسبب الآلام التي قد تتعرّض لها أثناء الدورة الشهرية.

"إعلانات حساسة"

وعن ضوابط إعلانات المنتجات الصحية ومسؤولية الشركات إذا ما جاءت النتيجة عكس الإعلان، تقول دكتورة تارا القاضي، أستاذة مساعدة بقسم الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية في القاهرة، لرصيف22: "هناك مساحة لكل ماركة أن تقوم بالترويج لمنتجاتها بتجميل المنتج، وهو مباح ومتعارف عليه دولياً، لكن وفقاً لضوابط، أبرزها أن يكون المنتج مرخصاً من وزارة الصحة إذا كان المنتج صحياً، ألا يكون ضاراً بالصحة، ألا يخل بالأخلاقيات العامة أو الدين، ألا يشجع على العنصرية وأن يكون السعر المعلن حقيقياً".

وترى القاضي أن الإعلانات عن المنتجات بشكل عام داخل مصر "تحمل نطاقاً ضيقاً من الإبداع، خاصة مع المنتجات الحساسة، إضافة إلى أن المجتمع المصري والعربي يفرض شكل ثقافته على الإعلان".

ولفتت القاضي إلى تطور حدث لإعلانات المنتجات النسائية، بدأ في تسعينيات القرن الماضي، وهو العقد الذي شهد بداية الاهتمام بتلك المنتجات، فبات الإعلان المحلي متأثراً بالعولمة، بالاتجاه الذي يسعى لتوحيد الإعلانات مع وجود اختلافات تراعي كل مجتمع، مصحوب بتطور أدوات التصوير وتقنيات صناعة الإعلان.

من هذه الزاوية، تشير القاضي إلى أن مشكلة تنميط جمال المرأة، وإظهارها بـ"صورة مثالية"، خاصة في إعلانات كريمات الحلاقة السريعة وتفتيح البشرة، هي مشكلة عالمية، ولكنها تغيرت في الخارج، حيث باتت الإعلانات تميل في الدول الغربية إلى "الترويج لجمال المرأة بشكل واقعي، لإرضاء زبونات مختلفات، ولكن لم تصل تلك الرؤية لصنّاع الإعلانات في مصر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard