أرسل مساعدات طبية إلى 55 دولة... أردوغان ودبلوماسية الكورونا

السبت 2 مايو 202007:34 م

ترى تركيا في انتشار فيروس كورونا، الذي أصاب حتى اللحظة أكثر من ثلاثة ملايين شخص حول العالم وأودى بحياة عشرات الآلاف منهم وخَلَق أزمات اقتصادية ومعيشية يكاد أثرها يوازي الحروب العالمية، فرصة لتقديم نفسها كقوة دولية قادرة على المساعدة في أسوأ الظروف.

منذ اليوم الأول للأزمة، تحاول أنقرة إظهار "تضامنها" مع أكبر عدد من بلدان العالم، وقدّمت حتى اللحظة مساعدات طبية إلى 55 دولة.

ويعتبر مراقبون أن هذا التضامن يحمل بين طياته أهدافاً سياسية خالصة، ويعتبره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالغ الأهمية، حتى لو كان البعض يشير إلى حاجة المواطنين الأتراك في هذه المرحلة إلى هذه المساعدات، في ظل ارتفاع عدد المصابين باطّراد.

وفي إحدى المناسبات، حوّل أردوغان صفات تجارية إلى قضية حقوقية، إذ أوقف شحن معدات طبية باعتها تركيا إلى شركة إسرائيلية مشترطاً سماح السلطات الإسرائيلية بوصول كمية مساوية من المساعدات إلى الفلسطينيين لإكمال الصفقة، وهو ما اعتبره الإسرائيليون "بروباغندا"، لأن لا قيود على وصول المساعدات إلى الفلسطينيين، كما أن الصفقة تجارية وليست "لأغراض إنسانية"، كما صرّح مسؤولون أتراك.

ما هي أهداف أنقرة؟

يرى مدير البرنامج التركي في مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" الأمريكية، آيكان إردَمير، أن دبلوماسية أردوغان تجاه أزمة فيروس كورونا لها هدفان رئيسيان، أولهما داخلي، إذ يريد إقناع الناخبين بأنه، وعلى الرغم من أن تركيا تُعَدّ واحدة الدول التي سجلت إصابات مرتفعة بكورونا، إلا أن أداءها أفضل من غيرها، حتى أنها في وضع يمكنها مساعدة الآخرين؛ وثانيهما خارجي إذ يهدف، من خلال "مساعداته الساحرة" للدول المنكوبة، إلى تعزيز صورته التي شوّهتها انتهاكات حقوق الإنسان وقضايا الفساد.

وأضاف إردَمير، وهو عضو سابق في البرلمان التركي، لرصيف22: "أردوغان بحاجة ماسة إلى العملات الأجنبية خلال فترة الانكماش الاقتصادي في تركيا، لذا يأمل أن تسهّل حزم مساعداته للغرب إبرام صفقات مع الولايات المتحدة، والبنوك المركزية الأوروبية لدعم بلاده".

واعتبر إردَمير أن هذه السياسة تبدو ناجحة في الداخل، على الأقل بين الموالين له الذين يتجاهلون الإحصاءات المقلقة حول ضحايا الفيروس، ويعتقدون أن تركيا تتعامل مع الوباء بشكل أفضل من البلدان الأخرى، ولكن، برأيه، سيكون من المفاجئ على الصعيد الدولي أن يتمكن أردوغان من تأمين حصول تركيا على دعم من البنوك الغربية.

واعتبرت مراسلة صحيفة "فايننشال تايمز" في تركيا لورا بيتل، في تقرير بعنوان "ماذا وراء دبلوماسية الكورونا التي ينتهجها أردوغان"، أن هذه السياسية "هي جزء من سرد مصاغ بعناية يستهدف إقناع الجمهوري المحلي بأن تركيا تعاملت بذكاء مع الأزمة بينما تعثرت الدول المتقدمة".

وأضافت: "هذه السياسة أيضاً برنامج دبلوماسي مصمم بهدف تخفيف توتر علاقات تركيا الدولية وتعزيز روابطها الخارجية، خاصة مع الغرب".

ونقلت عن مدير مكتب "صندوق مارشال" الألماني في أنقرة، وهو مؤسسة بحثية، أوزغور أنلوهيسارسيكلي، أن المساعدات تأتي في وقت تراجعت فيه مكانة تركيا الدولية، وتزايد الانطباع السلبي تجاه أنقرة في جميع أنحاء العالم".

وعليه، فإن هذه المساعدات هي مبادرة دبلوماسية عامة تهدف إلى تحسين الرأي العام تجاه تركيا في جميع أنحاء العالم، بحسب أنلوهيسارسيكلي.

وأضاف الباحث أن تركيا تسعى الى تأخير أية عقوبات أمريكية عليها بسبب شرائها نظام "أس 300" للدفاع الجوي من روسيا، وإلى إبرام اتفاق مقايضة بالدولار مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لدعم العملة التركية.

"هي جزء من سرد مصاغ بعناية يستهدف إقناع الجمهوري المحلي بأن تركيا تعاملت بذكاء مع الأزمة بينما تعثرت الدول المتقدمة"... تركيا ودبلوماسية الكورونا

وتراجعت قيمة الليرة التركية أمام الدولار إلى أقل مستوياتها منذ عام 2018 وجرى تداولها في الثاني من أيار/ مايو بسعر 7.01 ليرة لكل دولار.

وفي الأسبوع الماضي، أرسل أردوغان مع شحنة مساعدات طبية إلى الولايات المتحدة، رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شدد فيها على الحاجة إلى "تعاون كامل وقوي" بين البلدين، وخاصة في المسائل الاقتصادية.

وقال خبير العلاقات الدولية في جامعة كامبريدج البريطانية آيز زاراكول لصحيفة "فايننشال تايمز"، إن تركيا تشعر بقلق عميق بشأن مكانتها في الخارج، لذا تولّدت لدى مسؤوليها رغبة في إعادة اكتساب احترام الغرب.

وأشار زاراكول إلى أن أنقرة تريد إرسال رسالة مفادها أن قطاعي الرعاية الصحية والصناعة أفضل وأكثر استعداداً للأزمات، بغرض التسويق للبنية التحتية التركية، مضيفاً أن هذا الخطاب حقق مكاسب داخلياً.

في الشهر الماضي، أعلن أردوغان توزيع الكمامات مجاناً على الأرتاك البالغة أعمارهم بين 20 و65 سنة (الآخرون ممنوع خروجهم من المنازل، وإيصالها مجاناً إلى منازل من يَطلبونها، في رسالة إلى الداخل والخارج بأن تركيا لديها قدرة على إنتاج ما يحتاجه مواطنوها من وسائل وقاية، لا بل وإرسالها إلى الخارج.

ومع بداية تفاقم أزمة الكورونا في آذار/ مارس، قال أردوغان، في خطاب للأتراك: "العالم عقب هذا الوباء يتجه نحو مرحلة لن يكون فيها أي شيء كما كان من قبل وسنشهد بناء نظام عالمي جديد على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتركيا تدخل هذه المرحلة الجديدة بمزايا كبيرة وبنية تحتية قوية".

شعبية أردوغان

هناك مؤشرات على وجود رضا محلي على سياسة الرئيس التركي تجاه أزمة كورونا، إذ أظهر استطلاع أجرته مجموعة "متروبول" في أوائل نيسان/ أبريل، ارتفاعاً في شعبيته.

مع ذلك، يحذّر رئيس شركة إسطنبول الاقتصادية لاستطلاع الرأي كان سيلكوكي، من المخاطر المقبلة التي ستتعرض لها تركيا، ويقول: "في حين أن صور شحنات المساعدات التركية قد أثارت الفخر القومي وأن أداء النظام الصحي ‘جيد جداً’ حتى الآن، فإن التحدي الأكبر لحكومة أردوغان سيكون التداعيات الاقتصادية في الأشهر المقبلة".

من خلال إرسالها شحنات معدات طبية إلى 55 دولة حول العالم، تريد أنقرة إرسال رسالة مفادها أن قطاعي الرعاية الصحية والصناعة فيها جاهزين في وقت الأزمات، بغرض التسويق للبنية التحتية التركية

ويضيف: "سيكون هذا هو مؤشر الأداء الحقيقي، بمجرد أن تنحسر نشوة هذا الفخر".

وفي عام 2019، تعرض حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه أردوغان، لأكبر انتكاسة سياسية في الداخل منذ وصوله إلى الحكم عام 2002، بعدما خسر الانتخابات البلدية في إسطنبول وأنقرة.

وفي الأسابيع الماضية، كثفت المعارضة هجومها على أردوغان، لإرساله مساعدات إلى الخارج في وقت كانت فيه الحكومة التركية تطلب تبرعات من المواطنين للمساعدة في مكافحة الوباء في الداخل.

دبلوماسية المساعدات

تتبنى تركيا منذ تولي أردوغان الحكم، سياسة تقوم على إرسال مساعدات للدول الفقيرة، كأحد أساليب نشر نفوذها الناعمة خارج حدودها.

تأتي هذه الدبلوماسية في إطار "رؤية 2023" التي أعلن عنها أردوغان، والتي تستهدف خلق وحدة إسلامية، بزعامة الرئيس التركي.

وكشف تقرير الوكالة التركية للتعاون والتنسيق لعام 2018 أن تركيا امتلكت خلال عهد أردوغان 61 مكتباً في 58 بلداً لتقديم المساعدات الإنسانية، وأنها، خلال عام 2018، بنت 15 منشأة، وجددت 97 منشأة، وجهزت 186 مرفقاً، في قطاعات التعليم والصناعة والرياضة ودور العبادة.

وشملت المشاريع والأنشطة التي نفّذتها تركيا في الخارج، بين عامي 2003 و2017، 160 دولة، وأتت بمعدّل ألفي مشروع سنوياً، بينما كانت بين عامي 1992 و2002، أي قبل وصول أردوغان إلى الحكم ألفي مشروع فقط عن كل تلك المرحلة.

ويدّعي تقرير آخر أن تركيا كانت أكثر دولة في تقديم المساعدات عام 2017، إذ أنفقت حوالي 8.1 مليار دولار، أي حوالي 30% من مجمل المساعدات الإنسانية الدولية البالغة 27.3 مليار دولار، ولكن التقرير لا يوضح كيفية احتساب هذا الرقم.

ووفقاً لهذا التقرير، أتت تركيا قبل كل من الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة التي أنفقت 6.68 مليار دولار و2.98 مليار دولار و2.52 مليار دولار على التوالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard