"قانون الكمامة"... كيف تستغل الحكومة المغربية أزمة كورونا لتمرير قانون يُقيّد الحريات؟

الخميس 30 أبريل 202005:28 م

احتدم النقاش في المغرب بشأن مشروع قانون يتعلق بالنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وسط اتهامات للحكومة بـ"استغلال أزمة كورونا لتمرير قانون يكمم الأفواه ويقضي على المكتسبات الحقوقية ويناقض الدستور والمواثيق التي وقعت عليها المملكة".

وقال الوزير المغربي المكلف بحقوق الإنسان مصطفى الرميد، في 28 نيسان/أبريل، إن القانون (22.20) الذي اقترحه وزير العدل المغربي محمد بنعبد القادر، صادق عليه المجلس الحكومي في 19 آذار/مارس الماضي على أن تتم مراجعته في ضوء ملاحظات الوزراء من قبل لجنة تقنية ثم لجنة وزارية.

وشدّد على أن القانون سيحال بعد الاتفاق على صيغته النهائية إلى البرلمان لقبوله أو رفضه، معتبراً أن "أي نقاش بشأن مواد بعينها سابق لأوانه".

وانتقد موقف الوزير المكلف بحقوق الإنسان لتقديمه مذكرة دعا فيها إلى تعديل العقوبات وليس إلى رفض المشروع كلياً.

عقوبات بالسجن وغرامات ثقيلة

ولم تنشر الحكومة نص القانون المثير للجدل، إلا أن عدداً من المؤثرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصحف المستقلة تناول مسودته. ولم ينف أي مصدر رسمي ما نسب إلى القانون وسط اتهامات لوزراء معارضين للقانون بتسريب بنوده.

ووفق صحيفة "أخبار اليوم" المحلية المستقلة، فإن الوزير بنعبد القادر زعم في مسودة القانون أنه اقترحه لـ"سد القصور التشريعي" الخاص بالجريمة الإلكترونية وتقوية آلياته القانونية و"ملائمة القانون المغربي مع المعايير الدولية" في مجال مكافحة الجريمة.

وتنص المادة الثانية منه، وفق المصدر نفسه، على أن حرية التواصل الرقمي ينبغي أن تمارس في ظل احترام الدستور، وهذا القانون المقترح.

وتحدد المادة الثالثة منه أن أحكامه تسري على "رواد مواقع التواصل الاجتماعي، والمزودين الذين يستغلون منصات الإنترنت، ورواد منصات التواصل الفردي أو المخصصة لنشر محتوى معين، باستثناء المنصات التي تقدم محتوى صحافياً".

ويطلب المشروع استحداث "إدارة أو هيئة معينة" تتولى مهمات الإشراف والرقابة على شبكات التواصل الاجتماعي، وتمنح رخص المزاولة لمزودي الخدمات الموجودين داخل البلاد لأن المشروع يلزمهم بـ"الإطلاع الفوري على الشكاوى المتعلقة بالمحتوى الإلكتروني غير المشروع، وحذفه أو توقيفه، والاستجابة الفورية لكل طلب تتقدم به الإدارة للحذف، علاوة على حذف أي محتوى يمس المقدسات أو الأمن، خلال 24 ساعة من تلقي الشكوى، والاحتفاظ بالمحتوى المحذوف لأربع سنوات حتى يكون رهن إشارة الإدارة".

وفي مادته التاسعة، يُلزم المشروع مزودي الخدمات بتقديم "تقرير سنوي" يتضمن رصداً للمحتويات الإلكترونية "غير المشروعة"، ويفرض غرامة تصل إلى 500 ألف درهم مغربي (نحو 51 ألف دولار أمريكي) لغير المستجيبين، وقد تصل العقوبة إلى المنع النهائي.

أما عقوبات المواطنين المخالفين بنود القانون، فهي الحبس بين ستة أشهر وخمس سنوات ودفعرغرامة تراوح بين 10000 و 50000 درهم مغربي (بين نحو ألف وخمسة آلاف دولار أمريكي)، لكل شخص يدعو إلى "مقاطعة بعض المنتجات أو الخدمات، أو التحريض على سحب الأموال من مؤسسات الائتمان".

"الأخطر على الحريات والنشر في تاريخ البلاد"... استنكار واسع لمشروع قانون مقترح من وزير العدل المغربي بشأن النشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، نتيجة اتهامه بالسعي لـ"تكميم الأفواه، وحماية الشركات على حساب الحريات"

واقترحت عقوبة السجن من ثلاثة أشهر حتى سنتين والغرامة من ألف إلى خمسة آلاف درهم مغربي (بين نحو 100 و 500 دولار أمريكي)، بحق كل مَن ينشر "محتوى يضم خبراً زائفاً"، فيما تضاعف العقوبة إذا كان المحتوى "يثير الفزع"، وترتفع العقوبة مرة أخرى، وفق المادة 17، إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة 20000 درهم مغربي (نحو ألفي دولار أمريكي)، لكل مَن "نشر خبراً زائفاً من شأنه التشكيك في جودة وسلامة بعض المنتجات والبضائع وتقديمها على أنها تشكل خطراً على الصحة العامة والأمن البيئي".

ومن العقوبات المنصوص عليها أيضاً، الحبس ثلاث سنوات ودفع غرامة مقدارها 30 ألف درهم مغربي (حوالى 3000 دولار أمريكي)، لمن ينتحل الهوية الرقمية للآخرين، والعقوبة نفسها لمن يبتز شخصاً عن طريق التهديد بالنشر على شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى كل من عمد إلى نشر محتوى يتضمن عنفاً أو اعتداءً على آخر.

وترفع المادة 24 من المشروع العقوبة إلى خمس سنوات سجناً و100000 درهم مغربي غرامةً (أكثر من 10 آلاف دولار أمريكي)، لكل مَن "وضع أو نقل أو بث، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، محتوى ذا طابع إباحي موجه للقاصرين سواء تضمن المحتوى مشاهد لقاصرين أو لغيرهم".

"أخطر قانون"

عقب نشر البنود المثيرة للجدل في القانون المقترح، توالت ردود الفعل الشعبية والمؤسساتية المنددة به والرافضة له جملةً وتفصيلاً، واعتبر الكثيرون أن المشروع يهدف إلى "حماية مصالح الشركات على حساب الحريات".

وندّدت نقابة الصحافة المغربية بـ"أحد أكثر القوانين التي عرفها المغرب خطورة" في مجال الحريات والنشر، رافضةً "توظيف الانشغال بتجويد مضامين شبكات التواصل الاجتماعي لاستهداف حرية التعبير والتضييق عليها من خلال قانون يعود بالبلاد إلى أزمنة نعاند اليوم لتجاوز مخلفاتها الكارثية".

ووصفت محاولة الحكومة تمرير القانون بسرية ومناقشته بشكل منغلق بأنه "سلوك غير مسؤول في قضية تحظى باهتمام بالغ لدى جميع المغاربة"، لافتةً إلى أنها خالفت "مقتضيات قانونية تحتم عليها الاستشارة في شأنه مع المجلس الوطني للصحافة بحكم علاقة هذا المشروع مباشرةً بحريات التعبير والنشر والصحافة، كما لم تحترم الأعراف والتقاليد باستشارة المنظمات المهنية الصحافية والمنظمات الحقوقية، وتعمدت السعي إلى محاولة تمريره في غفلة من المهنيين والرأي العام".

وأضافت أن القانون "يعارض المقتضيات الدستورية، ويناقض كل المواثيق والاتفاقات الدولية المتعلقة بحرية التعبير والصحافة والنشر وحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب".

"أخطر قانون/ يعارض الدستور والمواثيق الدولية/ يُجهِز على المكتسبات الحقوقية"... انتقادات واسعة لمشروع قانون يُقيّد النشر على الشبكات الاجتماعية في المغرب والحكومة تقول إن هدفه مكافحة الجريمة

"اتحاد المحامين بأكادير كلميم والعيون" احتج أيضاً في بيان في 30 نيسان/أبريل، على "الاستغلال السيىء لأزمة المجتمع من أجل الإجهاز على مكتسباته في مجال حرية الرأي والتعبير".

ولفت إلى أنه بعد الإطلاع على بنود مشروع القانون، رأى أن "مثل هذه الفترات العصيبة التي يمرّ منها المجتمع لا تسمح بتنزيل قوانين جديدة".

وطالب الحكومة المغربية بالتخلي عن عرض المشروع.

ودانت جميع أحزاب المعارضة في البلاد مشروع القانون، وانضم إليها في ذلك برلمانيون من حزب العدالة والتنمية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التجمع الوطني للأحرار الذي لم يوضح موقفه من المشروع.

وأعلن حزب الأصالة والمعاصرة المعارض رفضه مضامين مشروع القانون، معتبراً ذلك "مساً بالمكتسبات الحقوقية والحريات التي حققتها بلادنا عبر عقود من تضحيات شرفاء هذا الوطن وأبناء الشعب المغربي ومؤسساته" و"استغلالاً مقيتاً لظروف الطوارئ الصحية لتمرير تراجعات حقوقية يندى لها الجبين".

وحذر الحزب من أن محاولة تمرير القانون في هذا الوقت "من شأنه التشويش على الوحدة والتعبئة الوطنيتين في ظل الظروف الاستثنائية التي تجتازها بلادنا وهي تواجه جائحة فيروس كورونا المستجد".

ودعت أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، حزبها، إلى الانحياز إلى حرية الرأي والتعبير "ضد أية صيغة تمنع الناس من ممارسة حقهم في الانتقاد والتعبير عن الرأي".

قانون "الكمامة"

ونشط مئات المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معربين عن رفضهم ما وصفوه بـ"قانون الكمامة"، ودشن بعضهم عريضة لجمع التواقيع الرافضة للقانون.

وأوضح رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عزيز غالي، في تصريح لموقع هسبريس المحلي، أن الحكومة المغربية حاولت تمرير المشروع سابقاً واضطرت لسحبه بسبب كثرة الانتقادات، معتبراً أنها تحاول استغلال جائحة كورونا لتمريره بصيغة مختلفة.

ونبّه إلى أن القانون "أدرج في آخر لحظة بجدول المجلس الحكومي، ولم يظهر على موقع الأمانة العامة للحكومة، وهو محط صراع حكومي لم يتوقف منذ تسريب نصوصه".

وفيما ألمح غالي إلى أن رهان الحقوقيين المغاربة كان على تطوير حرية الصحافة في البلاد، احتج على "عودة العقوبات الحبسية وارتفاع الغرامات المالية"، مستخلصاً من ذلك أن "توجه الدولة بات واضحاً، وهو توجه يرمي إلى تضييق الفضاء الرقمي".

وأبدى تخوفه من أن يكون "الهدف الرئيسي من القانون تدمير حملات المقاطعة (للمنتجات الرديئة أو المبالغ في سعرها وغيرها)"، خصوصاً بعد نجاح الحملات السابقة، معلناً استعداد جمعيته للجوء إلى المقررين الأمميين لإسقاط القانون لدى إقراره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard