حيث ينتشر السكن في غرفة مع حمام مشترك... خطر الكورونا على أبناء العشوائيات في مصر

الخميس 30 أبريل 202006:15 م

صمتٌ يخيّم على الشوارع النظيفة. عيونٌ معلقة على شاشات التلفاز تتابع أخبار العدوى، وإجراءات المواجهة. قوات أمنية تنتشر على الطرق الرئيسية لتطبيق الحظر الذي أقرّته الحكومة كإجراء احترازي.

هذا هو المشهد الذي تصدّره القنوات المصرية عن مصر التي تواجه كورونا، ولكن كالمعتاد كان هذا المشهد جزءاً من الصورة وليس الصورة كلها، فهناك مئات المناطق العشوائية التي تنتشر فيها أغلب حالات كورونا، دون أن تظهر في الصورة.

في بهتيم... "الست غالية" كانت البداية

"أسرتنا أغلبها متعلمّون، وكانوا حريصين للغاية في التعامل مع فيروس كورونا منذ أن أعلنت الحكومة عن انتشاره في مصر، لكن وجودنا في منطقة عشوائية مثل بهتيم كان سبباً في فقدان العائلة ثلاثة من أبنائها حتى الآن، وإصابة 57 آخرين، والاشتباه في العشرات من الأقارب، ووضعهم قيد الحجر الصحي".

بهذه الكلمات، يبدأ سيّد هشام حديثه لرصيف22. هو حفيد السيدة "غالية"، أول المصابين بكورونا في بهتيم، ولقيت حتفها نتيجة ذلك، وهو أيضاً مصاب بالفيروس ومحجور عليه في أحد مستشفيات الحجر الصحي في القاهرة.

وتقع منطقة بهتيم في مدينة شبرا الخيمة التي يصل عدد سكانها إلى مليوني مواطن، إضافة إلى العمال الوافدين إلى مصانع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة ومسابك الرصاص. وتعاني بهتيم من تردي الخدمات وتكدس السكان، وانتشار سكن الغرفة الواحدة والحمامات المشتركة.

يقول سيّد: "ذهبَت جدتي غالية للكشف عند أحد الأطباء، وتوجد عيادته في إحدى حواري بهتيم. كانت تشكو من برد عادي، فعادت بفيروس كورونا"، مشيراً إلى أن العيادة مزدحمة للغاية، ولا تتجاوز مساحتها غرفتين وصالة، إلى درجة أن المرضى ينتظرون أغلب الوقت في الحارة التي توجد فيها العيادة، إضافة إلى افتقارها لأدنى متطلبات التعقيم، بل والنظافة.

ويضيف أن هذه العيادة كانت المصدر الأساسي لانتشار العدوى في الحيّ، و"كل ما علمناه بعد ذلك أنها أغلقت".

يروي سيّد أن جدته ارتفعت درجة حرارتها جداً، فنقلوها إلى مستشفى حميات بهتيم، المستشفى الوحيد في المنطقة، والمعروف بتردي خدماته وضعف تجهيزاته، مثل أغلب مستشفيات العشوائيات.

ويتابع: "طلبوا أن نعود بها إلى المنزل، وأن نراقبها، والاتصال بوزارة الصحة إذا زادت الأعراض، وهو ما فعلناه، وبعدها طلبوا أن يجروا لجدتي تحليل كورونا، وأن تبقى معنا في المنزل حتى ظهور النتائج، ولم يكن أمامنا إلا الالتزام بما طلبوه".

ويذكر أن جدته "ظلت معنا في المنزل المكوّن من خمسة أدوار ويقيم فيه أربعة من أعمامي مع أبنائهم وزوجاتهم، وابن عمي المتزوج أيضاً. مجموعة من الأسر تأكل وتشرب مع بعضها البعض، وهو ما سهل انتقال العدوى بسرعة رهيبة، قبل أن نعرف نتيجة تحليل جدتي. أصيب أبي وعمّي بنفس الأعراض التي عانت منها جدتي. وفي اليوم التالي توفيت جدتي وأكد التحليل أن سبب الوفاة فيروس كورونا".

وأكمل سيّد أنهم مرّوا بأسوأ ما يمكن أن يمرّ به إنسان في مصر، فقد انتشر خبر وفاة الجدة بفيروس كورونا، ورفض أهالي بهتيم دفنها في مقابر المنطقة، خشية أن يكون جثمانها مصدراً لنقل العدوى.

وقال: "حاولنا إقناعهم مراراً وتكراراً، إلا أنهم رفضوا دفنها في المقابر التي توجد وسط كتلة سكانية ضخمة، فاضطررنا إلى دفنها في مكان آخر، وفّره نواب مجلس الشعب عن الدائرة".

لحق والد سيّد وعمّه الأصغر بوالدتهم بعد رحيلها بساعات. ويواصل سيّد: "حالة من الرعب انتشرت في بهتيم والمناطق المجاورة، وابتعد الجميع عنا، ورفضوا التعامل معنا، بل وجّهوا لنا السباب وطالبونا بالرحيل، وبالفعل ذهبَت زوجات أعمامي وأبناؤهنّ إلى أهلهنّ في مناطق مختلفة، وبعد أيام قليلة بدأت العدوى تنتشر في الأسرة كلها وبين الأقارب والأنساب الذين ذهبت إليهم زوجات أعمامي، ووصل عدد الإصابات في أقل من ثلاثة أيام إلى 33 حالة في بهتيم، والباقي في مناطق متفرقة مجاورة لنا".

"طالبنا بوضعنا جميعاً في حجر صحي، لتأكيد إصابتنا من عدمها، لكن المستشفى المجاور رفض، بحجة أنه لا يستطيع استقبال أي مصاب بكورونا"، يروي سيد ويضيف: "اضطررنا للذهاب إلى أطباء في عيادتهم، فانتقلت العدوى لممرّض يعمل أيضاً في المستشفى الحكومي، فأغلقت المستشفى، وحتى بعد أن فرضت الداخلية طوقاً حول الشارع الذي نقطن فيه، كان من الصعب فرض حظر التجوّل، لأن شارعنا عبارة عن حارة طويلة فيها حواري وأزقة كثيرة، ومداخل ومخارج لا يمكن السيطرة عليها، فظلّ الطوق الأمني على ناصية الشارع، بينما في الداخل لم تهدأ الحركة، مما زاد من حجم الأزمة وانتشار الفيروس".

وكانت قوات الأمن قد فرضت طوقاً أمنياً على ثلاثة شوارع في منطقة بهتيم، بعدما وصلت الإصابات هناك إلى 33، كلهم من أسرة واحدة، وتوفي ثلاثة منهم.

يشير سيّد إلى أن القمامة المتراكمة في كل شوارع بهتيم، مثلها مثل مئات العشوائيات، وضيق الحواري وعدم القدرة على السيطرة الأمنية، وغياب الخدمات الصحية لعدم جاهزية المستشفيات، ووجود عيادات خاصة دون أية مراقبة أو تطهير وتعقيم، كانت أسباباً في تحوّل إصابة واحدة إلى كارثة، وتحوّل بهتيم إلى منطقة موبوءة.

في المعتمدية... مَن لم يمت بكورونا مات بحوادث الدائري

"أسكن في غرفة في إحدى شقق منطقة المعتمدية، وأشارك اثنين من المقيمين معي حماماً واحداً، وهذا كان سبباً في إصابتي بفيروس كورونا".

هذه حكاية كامل فؤاد الذي خرج للتو من الحجر الصحي في مستشفى قويسنا العام في محافظة المنوفية شمال مصر.

يروي لرصيف22 أن إقامة عرس في منطقة المعتمدية، في محافظة الجيزة، جنوب القاهرة كانت البداية، بعدما شاركت فيه سيّدة مصابة بكورونا.

بالرغم من أن العرس أقيم وقت الحظر، "لكن لا أحد يهتم بمصير سكان العشوائيات، فقد طُبّق الحظر في الشوارع الرئيسية والطرق العامة، بينما تركت الحواري والأزقة دون أية رقابة أو تواجد أمني، فانطلق الأهالي في التعامل مع الأمر باعتباره ليس خطراً".

"كيف يمكننا أن نتباعد اجتماعياً مثلما يطلب المسؤولون في الدولة، ونحن نعيش في غرف وحواري ضيقة، ونشترك في حمام واحد؟"

ويضيف: "توفيت السيدة المصابة بفيروس كورونا فاتجه الأشخاص الذين حضروا العرس لحضور مأتمها، فانتشرت العدوى أكثر، وكان جاري أحد الحاضرين في المناسبتين، إذ أن أغلب أهالي المعتمدية تربطهم علاقات قرابة، فأصيب ولم يقل أنه مصاب، فمارسنا حياتنا بشكل طبيعي، حيث أقطن أنا وأسرتي وهو وأسرته في غرف منفصلة، فانتقلت العدوى لي ولابني البكر، وانتقلنا إلى الحجر الصحي".

يوضح فؤاد أن أغلب الحالات التي انتقل إليها الفيروس في المعتمدية جاءت عن طريق نمط المعيشة، حيث الصرف الصحي والمياه السيئة وانتشار القمامة وغيره من السلبيات التي تعاني منها العشوائيات.

يقول: "خرجت من العزل الصحي منذ أسبوع قبل رفع الحظر عن قريتنا، وكان فرض الحظر مثيراً للدهشة، فقد توفى على إثره حوالي تسعة مواطنين في حوادث على دائري المعتمدية، لأنه عندما كان أحد السكان يحاول الخروج للعمل أو غيره، كانت القوات الأمنية ترفض ذلك، خشية نقل العدوى، وتجبر المواطنين على المرور من أعلى كوبري الدائري، أحد أهم الطرق السريعة في مصر، ما أدى إلى زيادة حوادث السير، نتيجة غياب مخرج آمن يمكن للأهالي المرور منه".

ثلاثة في المعتمدية توفوا بسبب الكورونا، بينما توفى تسعة بسبب حوادث السير.

وأكد فؤاد أن تطبيق الحظر والتعقيم في العشوائيات أمر يشبه المستحيل، "فكيف يمكننا أن نتباعد اجتماعياً مثلما يطلب المسؤولون في الدولة، ونحن نعيش في غرف وحواري ضيقة، ونشترك في حمام واحد؟"، منهياً حديثه بالتشديد على ضرورة أن تتعامل الحكومة مع كورونا باعتباره إنذاراً بأن العشوائيات قنبلة موقوتة، إنْ أُهملت لن يمكن لأحد التعامل معها.

ووفقاً لتقرير جهاز الإحصاء لعام 2018، فإن نسبة العشوائيات تمثل نحو 39% من إجمالي الكتلة العمرانية لمصر، وتنتشر في 226 مدينة.

أم بيومي... حواري ضيقة منعت دخول الإسعاف فـ...

الحواري الضيقة وغياب التواجد الأمني كانا سببين في انتشار فيروس كورونا في منطقة أم بيومي، بحسب ممرضة في معهد الأورام، رفضت ذكر اسمها خشية إحالتها للتحقيق من قبل وزارة الصحة وهي من ضمن المصابين بفيروس كورونا.

تقول لرصيف22 إن "أحد الممرضين العاملين في معهد الأورام، نقل إلينا فيروس كورونا من خلال عمله في مستشفى خاص، كعمل إضافي، وكنت ضمن حوالي 20 مصاباً من طاقم التمريض والأطباء، وقررت العودة إلى منزلي، بعد رفض وزارة الصحة إجراء تحاليل لنا، وقررت أن أعزل نفسي عن أسرتي، وبعد ضغط من زملائي أجرت لنا وزارة الصحة تحليلات، وطلبت منّا العزل في منازلنا إلى حين ظهور النتيجة".

وتضيف: "بالفعل التزمت بذلك وعزلت نفسي عن أسرتي، لأتفاجأ باتصال من وزارة الصحة يبلغني بإيجابية التحليل وإصابتي بكورونا، وأبلغوني أنهم سيأتون لأخذي إلى مسشتفى الحجر، إلا أن لديهم مشكلة، هي أن المكان الذي أسكن فيه من الصعب الدخول إليه، فأبلغتهم بخطورة انتقالي وإمكانية نقل العدوى لآخرين، لكنهم أصرّوا، فانتقلت إلى بيت شقيقتي وبقيت يوماً كاملاً هنالك في انتظار عربة الإسعاف، رغم احتمال أن أنقل العدوى إلى شقيقتي والعديد من أفراد أسرتي".

في منطقة المعتمدية، في محافظة الجيزة، جنوب القاهرة، كانت بداية تفشي كورونا مع مشاركة سيّدة مصابة بكورونا في عرس. توفيت السيدة فاتجه الأشخاص الذين حضروا العرس لحضور مأتمها، فانتشرت العدوى أكثر...

تشير الممرضة إلى أنها تعرضت وأسرتها لأسوأ أنواع المعاملة من الجيران والأهالي نتيجة لاضطرارها للانتقال من منزلها إلى منزل شقيقتها المجاور لهم، و"لا يعلم أحد أنني كنت مضطرة لذلك".

وكان الدكتور سمير غطاس، عضو مجلس النواب، قد تقدم الأسبوع الماضي ببيان عاجل للحكومة، بشأن تجاهل عمليات تعقيم وتطهير المناطق العشوائية في ظل مواجهة الدولة لانتشار فيروس كورونا المستجد.

واستشهد غطاس، في بيانه العاجل، بمنطقة عزبة الهجانة والتبة الكيلو 4 ونص والتي يوجد فيها قرابة 3 ملايين مواطن، ولم تشهد شوارعها وأبنيتها أي تعقيم أو تطهير.

وأشار النائب إلى أن هذه المناطق تعاني من غياب رعاية صحية حقيقية، ولا يوجد فيها أي مستشفى حكومي.

أشكال أخرى للمعاناة

لم تتوقف معاناة سكان العشوائيات على انتشار فيروس كورونا وإصابة العشرات منهم. أغلبهم من عمال اليومية الذين عانوا مرارة منعهم من العمل في المدن الجديدة التي أنشأتها الحكومة، من قبل مؤسسات أو أشخاص.

يؤكد علاء حسين، أحد سكان منطقة بهتيم، لرصيف22 أن أصحاب الشركة التي يعمل فيها في منطقة التجمع الخامس، منعوه من الاستمرار في العمل بسبب علمهم بأنه يقطن في منطقة عشوائية أصيب فيها العشرات.

يشير إلى أن مديره أبلغه بأن هناك تعليمات بعدم السماح للعمال القادمين من العشوائيات بالاستمرار في العمل، خشية نقل العدوى للمناطق الراقية، ونصحه بعدم الخروج من منطقته حتى انتهاء الوباء.

يبدو أن اتجاه صاحب عمل علاء حسين لم يكن تصرفاً فردياً. شركات كثيرة كانت تنفّذ مشاريع ضخمة في العاصمة الإدارية الجديدة تخلّت عن العمال الذين يقطنون في عشوائية ظهرت فيها إصابات بالكورونا.

ويقول ياسر سعد، عضو الأمانة المركزية لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إن "هناك انحيازاً واضحاً من قبل الدولة لصالح فئة رجال الأعمال والمشاريع العملاقة والاتجاه لتكوين كومباوندات مغلقة على الأثرياء في مصر، في الوقت الذي لم تضع الحكومة العشوائيات في أولوياتها في أي وقت من الأوقات".

يدلل سعد على ذلك بأنه في الوقت الذي أعلنت الحكومة بمنتهى الفخر أن تكلفة العاصمة الإدارية بشكل مبدئي تبلغ حوالي 60 مليار جنيه، وأنه من المقرر الانتهاء منها في فترة زمنية لا تزيد عن ثلاث سنوات، فإن ميزانية تطوير العشرات من المناطق العشوائية في مصر وفقاً لصندوق تطوير العشوائيات لا تزيد عن 17 مليار جنيه.

ولفت سعد إلى أن إجراءات الحكومة في ما يتعلق بفيروس كورونا كانت واضحة من البداية، إذ مُنع العمال من دخول العاصمة الإدارية الجديدة، ولكن بحساب تبعات التأخير في تسليم المنشآت وتململ أصحاب المشاريع، أعيدوا إليها ولكن بإجراءات وقائية كبيرة ومكلفة للغاية، بدءاً من وضع بوابات معقمة ومطهرة للعمال أثناء الدخول والخروج، ومروراً بإجراء الكشف الدوري عليهم ومنع دخول العمال المقيمين في عشوائيات والذين ظهر الوباء في مناطقهم، وانتهاءً بإجبار مئات بل آلاف العمال على البقاء في العاصمة الإدارية وعدم العودة إلى منازلهم من أجل الحفاظ على المشاريع الكبيرة.

يقطن في العشوائيات ما يزيد عن 60% من سكان مصر. هؤلاء لا تهتم بهم الحكومة بحسب سعد، إذ تستمر في القيام بعمليات التهجير القسري في المناطق التي توجد في وسط القاهرة والتي لها بعد أثري أو تاريخي، بنيّة إقامة مشاريع ضخمة هناك يستفيد منها رجال أعمال مصريين أو عرب.

ويقول: "اقتحمت قوات الأمن خلال الحظر منطقة الحطابة وألقت بسكانها في الشارع، وهو إنْ دلّ على شيء فعلى أن سكان العشوائيات وأمانهم ليس من ضمن أولويات الحكومة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard