"لن يوقف التمييز ضدهم"... أطباء عرب يتصدرون مواجهة إسرائيل لكورونا وتقارير عن "تطبيع طبي" لحماس

الثلاثاء 28 أبريل 202007:08 م

يحظى أفراد الأطقم الطبية من العرب في إسرائيل، منذ تصدرهم خطوط المواجهة الأولى ضد فيروس كورونا، باحتفاء في الصحافة الإسرائيلية، لكن ذلك لن يفضي إلى تحسن وضع العرب أو وقف أشكال التمييز ضدهم، بحسب ما أظهرت تجارب سابقة مماثلة مع سياسات الاحتلال.

من الجسم الطبي العربي المكافح ضد كورونا في إسرائيل، لمع نجم ختام حسين (44 عاماً) المسؤولة عن قسم مكافحة كوفيد-19 في مستشفى رامبام في حيفا (أكبر مستشفى في الشمال) الذي يقدم خدمات لنحو مليوني مواطن.

قالت حسين لوكالة "فرانس برس"، في تقرير منشور في 28 نيسان/أبريل: "عملت مدة شهر كامل بشكل متواصل، سبعة أيام في الأسبوع، وكل وردية 12 ساعة. الوضع غير طبيعي والعمل غير طبيعي. انقلبت حياتنا رأساً على عقب".

ولفتت الطبيبة الفلسطينية التي تستيقظ يومياً في الخامسة فجراً وتعود إلى زوجها وطفلتيها (8 و10 سنوات) في ساعة متقدمة من الليل، إلى أنها تعمل من دون تمييز بين المرضى، العرب واليهود، معددة تضحيات زملائها الذين يعملون ساعات طويلة، إذ استأجروا بيوتاً في حيفا "بسبب ساعات العمل الطويلة، أو لأنهم لا يريدون أن يكونوا مصدر نقل عدوى محتملة إلى عائلاتهم".

الفرق الطبية العربية في إسرائيل

يقدّر عدد العرب بنحو مليون و400 ألف، وهم أبناء وأحفاد 160 ألف فلسطيني ظلوا في أراضيهم بعد قيام إسرائيل عام 1948، ويشكلون خمس سكان إسرائيل.

أما عن مساهمة هؤلاء في الكادر الطبي في إسرائيل، فتصل إلى نصف عدد الصيادلة، وربع الممرضات، وأقل من خُمس الأطباء، أي ما يعادل نحو 20% من الطواقم الطبية، وفق الإحصاءات الرسمية.

ويترأس عربٌ أقساماً رئيسية في بعض أكبر المستشفيات في إسرائيل، علماً أن أبرز علماء الفيروسات فيها هو عربي.

وتقديراً لجهودهم، نشرت وسائل إعلام عبرية مختلفة تقارير عدة تشيد بهم وبطاقاتهم اللافتة، واختير بعضهم لإيقاد "شعلة استقلال إسرائيل". كما أحيت الفنانة الإسرائيلية البارزة احي نوعام حفلاً عبر الإنترنت من المنزل لجمع تبرعات لمستشفى رامبام، ممتدحةً إياه كونه "مثالاً على التعايش"، ومشيدةً على وجه التحديد بجهود "الدكتورة ختام حسين في مكافحة كورونا".

وكان رئيس حزب "يش عتيد" يائير لابيد قد صرح، في الأسبوع الماضي، بأن "الأطباء العرب والممرضات العربيات لم تغمض لهم جفون طوال عدة أسابيع. أقول لكم إن هذه الحكومة لن تغير قانون القومية".

ويعتبر هذا القانون الصادر عام 2018 قانوناً تمييزياً ضد العرب إذ يعرّف إسرائيل بأنها "دولة قومية للشعب اليهودي".

وبرغم الإشادة الواسعة بجهود العرب في مكافحة كورونا في إسرائيل التي شهدت 15 ألفاً و589 حالة إصابة مؤكدة، توفي منها 208، لم يتوقع الكثيرون أن يفضي ذلك إلى تحسن وضع العرب مقارنةً بوضع المجتمع اليهودي.

هذا ما استخلصه أسامة طنوس، وهو طبيب أطفال بالغ من العمر 34 عاماً. وكان قد قال لـ"فاينانشال تايمز" إن "الارتقاء المفاجئ للأطباء العرب إلى درجة المنقذين الوطنيين لن يبشر ببدء المساواة بين المجتمع العبري والمجتمع العربي"، مضيفاً "بدلاً من ذلك، سيتم استخدامه لتبرير استمرار التحيز".

وتابع: "لدى إسرائيل طريقة للاحتفاء بالأطباء العرب الجيدين، مع التمييز ضد جميع العرب الآخرين، إذ يصبح الأطباء سفراء هذا النظام الإسرائيلي الجميل للتعايش".

"لم يجلب جهدهم أية فوائد فورية لمجتمعاتهم"... العاملون العرب في الفرق الطبية بإسرائيل يتصدرون الخطوط الأولى لمواجهة كورونا، وتحليلات تشير إلى أن "اعتبارهم منقذين وطنيين لا يبشر وقف التمييز ضد المجتمعات العربية"

وبالإشارة إلى التقارير الصحافية التي تمتدح جهود الأطباء العرب، أوضح طنوس: "لديك أطباء عرب ينقذون أرواح اليهود، ويساعدون إسرائيل في وقت الأزمات الوطنية، وبالتالي فقد حان الوقت للتوقف عن العنصرية ضدهم… هذا مفهوم خطير للغاية".

وشدّد على أن التفاعلات بين العرب والإسرائيليين سياسية على الدوام، مضيفاً: "إنه مجرد مستوى آخر علينا أن نثبت فيه أنفسنا… أن نثبت أنه يمكننا الالتحاق بكلية الطب، ونثبت أننا يمكن أن نكون جزءاً من هذا الجهد الوطني لمكافحة الوباء حتى نتمكن من تأسيس المساواة المنشودة".

وقال هاني داود، رئيس نقابة الصيادلة التي تمثل حوالي 300 صيدلية في شمال إسرائيل ذي الغالبية العربية، إن عمل الأطباء العرب حتى الآن لم يجلب إلى مجتمعاتهم فوائد فورية.

في المقابل، أوضح داود: "نحن فخورون بكوننا على خط المواجهة. دع السياسة جانباً، فإننا نريد إنقاذ الأرواح فقط".

"تطبيع طبي" مع غزة؟

على صعيد آخر، أثارت أزمة فيروس كورونا جدلاً واسعاً بشأن "تطبيع طبي" مفترض بين الأطباء الفلسطينيين والإسرائيليين، لا سيما أولئك العاملين في القطاع الطبي بقطاع غزة الذي تقوده حكومة حركة المقاومة الفلسطينية (حماس).

ففي 11 نيسان/أبريل، أفادت هيئة البث العام الإسرائيلية (كان) بأن طواقم إسرائيلية درّبت عشرات الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الطبي في غزة على تقنيات علاج المصابين بفيروس كورونا وسط المخاوف من انتشار المرض في القطاع المحاصر انتشاراً يثقل كاهل نظامه الصحي الهش أصلاً.

ونقلت "تايمز أوف إسرائيل" أن فريقاً من مركز "شيبا" الطبي في رمات غان (شرق تل أبيب) أجرى دورة تدريبية استمرت بضعة ساعات لـ20 عاملاً في القطاع الطبي في غزة عند معبر بيت حانون، مع السماح لهم بمغادرة القطاع للحصول على تدريب إضافي في مركز "برزيلاي" الطبي في عسقلان، حيث أجرت طواقم طبية من الجانبين مكالمات جماعية في ما يعرف بـ"كونفرنس كول".

ولفت المصدر الإسرائيلي إلى أن المبادرة نُفذت بإشراف وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة المسؤولة عن التواصل مع الفلسطينيين في وزارة الدفاع، من دون توضيح توقيت هذه الاجتماعات.

وأثارت هذه الأنباء شكوكاً وتساؤلات في فلسطين بشأن إمكان منح حماس موافقة على مثل هذه التدريبات.

تقارير إسرائيلية وأمريكية تزعم دخول فرق طبية من غزة إلى إسرائيل للتدرب سراً دون علم أو تنسيق مع السلطة الفلسطينية، وتشير إلى إخفاء حماس الأمر كي لا يُستغّل ضدها

وتابع موقع "المونيتور" الأمريكي القصة نفسها في تقرير نشره، الاثنين، في 27 نيسان/ أبريل، وتواصل مع مستشار وزارة الصحة في رام الله فتحي أبو وردة لاستيضاح الأمر، فقال الأخير إن وزارته "نسّقت اجتماعاً لـ10 أطباء من غزة و10 من أريحا مع أطباء إسرائيليين لمعالجة كورونا ودرس الإجراءات الطبية اللازمة لمنع انتشاره في 23 آذار/مارس الماضي على الجانب الإسرائيلي من معبر بيت حانون.

لكن أبو وردة أشار إلى استغراب السلطة الفلسطينية من أن مجموعة أخرى من الأطباء والممرضات من حكومة غزة تلقت تدريبات في وقت لاحق داخل إسرائيل من دون تنسيق مع وزارة الصحة في رام الله.

وأضاف: "تلقى أربعة أطباء تابعون لحكومة غزة، بمن فيهم مدير التعاون الدولي في وزارة الصحة، عبد اللطيف الحاج ، تدريباً داخل إسرائيل. وخضعت ست ممرضات وفني مختبر لدورة تدريبية داخل إسرائيل من دون علمنا".

وأوضح أبو وردة أن السلطة الفلسطينية علمت بالتدريب عندما غادر الفريق غزة عبر المعبر الإسرائيلي مروراً بحاجز السلطة الفلسطينية. وكثيراً ما تقوم السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، وليس مع حكومة حماس.

وفيما نبّه أبو وردة إلى أنه تواصل مع وزارة الصحة في غزة لاستبيان الأمر من دون أن يحصل على إجابة، أشار إلى أن حكومة غزة رفضت أيضاً إرسال عينات من المصابين بكورونا إلى رام الله لفحصها وفضلت إرسالها إلى إسرائيل.

كذلك لم تُبلّغ وزارة الصحة في رام الله بشأن المختبر المزعوم إنشاؤه في غزة وبتبرعات من شركات صينية وإسرائيلية.

وقال أبو وردة: "سمعنا عنه في وسائل الإعلام فقط. يبدو أن غزة كانت قادرة على إيجاد منفذ مباشر للتواصل مع الجانب الإسرائيلي من دون علمنا ".

وأخبر مصدر حكومي مطلع في غزة "المونيتور"، شريطة عدم الكشف عن هويته، أن حكومة حماس لا تريد التحدث إلى وسائل الإعلام عن هذه المسألة. وأضاف: "بموجب الاتفاقيات الدولية، فإن إسرائيل ملزمة بتوفير الحاجات الطبية والإنسانية في غزة".

وقال "المونيتور" إن مصادر حقوقية أبلغته أن تنسيق التدريب الطبي في إسرائيل تم عبر منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" الإسرائيلية التي تتواصل مباشرة مع حكومة غزة لتقديم المساعدة والدعم.

وقالت المصادر الحقوقية إن حماس فضلت إخفاء الأمر تجنباً لـ"الاتهامات بالتطبيع مع إسرائيل".

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة تيسير محسن للموقع: "يبدو أن حكومة غزة استخدمت أزمة الفيروس التاجي لمصلحتها، في علاقتها مع الجانب الإسرائيلي، لفحص مدى قبول إسرائيل مساراً إنسانياً مباشراً بين غزة وإسرائيل، حيث يفضل كلا الجانبين التعامل بشكل غير مباشر عندما يتعلق الأمر بالقضايا السياسية".

وأعرب عن اعتقاده بأن إخفاء التدريب مبعثه الرغبة في تفادي الانتقادات الشعبية، ولتجنب استغلال الأخبار من قبل معارضة حماس. ولم يستبعد في الوقت نفسه أن يكون هدف حكومة غزة عدم إظهار الجانب الإنساني لإسرائيل، حتى لا يؤثر ذلك على الجمهور الفلسطيني.

على الجانب الآخر، قال الكاتب والمحلل السياسي المقرب من حماس إبراهيم المدهون لـ"المونيتور": "الأطباء في غزة تحت الحصار ولا يمكنهم السفر لتلقي التدريب وحضور المؤتمرات حول كيفية مواجهة هذا الوباء، كان عليهم أن يتدربوا مع الإسرائيليين".

وشدّد على أن "التدريب يندرج في إطار العمل الإنساني والخدمي وليس له أبعاد سياسية أو أمنية"، مؤكداً أنه يُظهر في الوقت نفسه قدرة حماس على التمييز بين الأمور السياسية والأمنية والحاجات الإنسانية العاجلة لأهل غزة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard