"لا شيء يشبه الماضي"... ماذا فعل كورونا بـ"مدينة الورود" في الجزائر؟

الخميس 30 أبريل 202004:14 م
مدينة أحياؤها مقطّعة، ومرافقها معزولة عن بعضها البعض، في كل زاوية وشارع تصطفّ حواجز الشرطة لمنع مرور السيارات، والاستفسار: من أين أتيت وإلى أين أنت متجه؟ ليتم الفصل في قرار الدخول من عدمه.

هذا هو وضع شوارع البليدة أو مدينة الورود كما يسميها الجزائريون، تبعد عن العاصمة الجزائر 45 كيلومتر غرباً، في أيام الحجر الذي أقرّته السلطات في البلاد عشية حلول شهر رمضان المبارك، بعد أن سجَّلت المحافظة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الإصابات بالفيروس في الأيام الأولى من الجائحة.

شوارع البليدة غارقة اليوم في الصمت بعد أن كانت منبع أفراح الجزائريين، خصوصاً مع انتصارات المنتخب الجزائري، الذي يلعب أغلب مبارياته الدولية في ملعب شهيد الثورة الجزائرية، مصطفى تشاكر، كما أن المدينة تُعتبر قبلة للسياح المحليين والأجانب بعد أن خطفت قلوبهم وأبصارهم بالياسمين، الحبق، رائحة الزهر والورد المقطر.

"الكابوس الذي عشناه في الأيام الأولى من انتشار الوباء مخيف، فالكآبة سكنت في الأزقة، وأصبح البشر يخافون الاقتراب من بعضهم، وعمرت الطرقات بمواكب سيارات الإسعاف والأمن والدرك"

يتذكر الطاهر، شاب جزائري في العقد الثالث من العمر، يسكن مدينة بوفاريك في محافظة البليدة، كيف كانت ساحات بلدته تحتفل بحلول شهر رمضان، يقول لرصيف22: "الوضع هذا العام مختلف كثيراً عن قبل، فالشوارع عادة عشية حلول الشهر الفضيل تزدحم بالمارة، والكل يركض في جميع الاتجاهات كي يقتني ما يريد، خاصة محلات بيع الحلوى الشعبية الزلابية، التي تتربع على عرش الحلويات الرمضانية في عديد من محافظات البلاد، وكذلك محلات بيع الشربات أو عصير الليمون، بيع هذه العصائر تعتبر مصدر رزق الكثير من العائلات في بوفاريك، ومحافظة البليدة".

يتنهد الطاهر آسفاً على ما آلت إليه الأمور: " اليوم نحن مساجين في بيوتنا، بعضنا يتابع الأفلام والبعض الآخر يطالع السوشيال ميديا، بينما ينشغل آخرون باللعب على ألعاب الفيديو، وكأننا في قلعة محصنة نترقب في كل لحظة ما سيداهمنا، فالساعات تمضي وكأنها أيام، وتمضي الأيام وكأنها عمر، لكن لا خيار اليوم أمامنا سوى الالتزام بالحجر الصحي الشامل حتى تعود البلدة إلى سابق عهدها".

وتعرف مدينة البليدة بأبوابها العتيقة، أشهرها "باب الجزائر" وهو الباب الذي يدخله كل من يقصد المدينة قادماً من الجزائر العاصمة، و "باب السبت" وهو مدخل كل من يقصد المدنية من جهة المحافظات الغربية، مثل محافظة وهران، الشلف وتيبازة، وكل يوم سبت يُقام في ساحته سوق أسبوعي يستقطب التجار من كل ولاية.

أما ثالث الأبواب فهو "باب القصبة"، نسبة إلى نبات القصب الحر الذي ينمو بكثرة في المنطقة، أما الباب الرابع فيسمى "باب الخويجة"، نسبة إلى تسمية تركية، وهناك باب خامس يُسمى "باب القبور" نسبة إلى المقبرة المُحاذية له، وآخر يُسمى بـ "باب الزاوية"، نسبة إلى زاوية الولي الصالح "سيدي مجبر"، أما الباب السابع والأخير فيُسمى بـ"باب الرحبة"، وهو وجهة كل من يريد الاستمتاع بما تملكه هذه المدنية من مساحات خضراء، مواقع سياحية، محميات طبيعية وجبال، فهي تضم أعلى سلسلة جبلية في البلاد، وهي جبال "الشريعة" على علو 1600 متر عن سطح البحر، كما أنها تضمّ المحمية الوطنية التي تعتبر إحدى المحميات العشر في البلاد، وتضم 380 نوعاً من النباتات، بالإضافة إلى 800 فصيلة من الحيوانات.

"وباء الكوليرا تلاشى سريعا"

تراود الطاهر ذكريات الطفولة في هذه الأيام، يقول بحنين: "عندما كنت صغيراً، كانت والدتي عشية حلول هذه الأيام المباركة تصرُّ على طلاء البيت، تنظيف الأواني وتقطير ماء الورد لاستعماله في الحلويات التقليدية التي تحضّر في هذا الشهر، مثل قلب اللوز أو الشامية".

رجال ونساء هذه المدينة يبكون اليوم الظروف التي يعيشونها، خاصة وأنها تتزامن مع حلول رمضان، فقد كانت تتحول إلى قبلة للجزائريين لاقتناء "سلطانة" السهرة في رمضان، وهي "زلابية بوفاريك" نسبة إلى مدينة بوفاريك في محافظة البليدة.

أما بالنسبة إلى باتول، جزائرية في العقد الرابع من عُمرها، من سكان البليدة، فيذكّرها ما تراه بأزمة انتشار الكوليرا قبل عامين، تقول لرصيف22 : "اسم مدينتي ارتبط كثيرا بالكوارث والأزمات الصحية، فقبل كورونا طرقت الكوليرا أبوابنا في صيف 2018، وكان مصدره وادي بني، الذي يتدفق من جبال البليدة حتى شواطئ غرب الجزائر، مروراً بجزء من منطقة تيبازة، ورُغم القلق الذي سيطر على سكان المدنية في البداية، وإعلان حالة الطوارئ في المستشفيات، وخصوصاً مستشفى بوفاريك، الذي خُصّص فيه جناح كامل لاستقبال المرضى, غير أنّ الوباء تلاشى بسرعة، وعادت الحياة إلى طبيعتها ".

"لم نستوعب الصدمة بعد في مدينة الورود، كل يوم نستيقظ على خبر فقدان أشخاص، وعائلات، واتسعت رقعة الأيتام, وكل واحد منا ينتظر الموت العشوائي"

"الكوليرا كان زائرا عابراً، لم يُعمَّر طويلا مُقارنة بكورونا، ولم تُغلق المدينة أبوابها، وعاد السكان إلى الشرب من مياه المنابع الطبيعية، ولم نكن محبوسين خلف أبواب المنزل، ولم تُهجر المساجد، ولم ندفن ضحاينا دون توديعهم حتى"، تضيف باتول.

وتتفق معها فطيمة، في العقد الثالث من عمرها، وتسكن مدينة البليدة، تقول لرصيف22: "لا شيء يشبه الماضي، فالشوارع صارت خالية، سكن ضجيج المارة، وهدأت صيحات الأطفال التي تملأ أزقة المدينة كل صباح، حتى أننا لم نعد نسمع نعال المصلين، وهم يهرعون في كل صلاة لبيوت الله".

"لم نستوعب الصدمة"

"الكابوس الذي عشناه في الأيام الأولى من انتشار الوباء مخيف، فالكآبة سكنت في الأزقة، وأصبح البشر يخافون الاقتراب من بعضهم، وعمّرت الطرقات بمواكب سيارات الإسعاف، والأمن، والدرك"، تقول فطيمة.

ويعلق النائب البرلماني السابق، ويسكن مدينة بوفاريك، محمد حديبي: "المواطنون يعيشون اليوم ظروفاً عصيبة، بسبب الأخبار التي تنزل على آذانهم كالصاعقة يومياً حول تطورات وباء كورونا".

ويضيف حديبي لرصيف22: "الجو حزين في البلدة الصغيرة، حيث غابت الفرحة لدى سكانها بحلول شهر رمضان، ورغم ذلك يسعى الكثيرون جاهدين للتمسك بعاداتهم وتقاليدهم، حتى يخففوا من ثقل معاناتهم اليومية والتخلص من الحزن الذي عم في أرجاء المدينة، بعد أن دفعت الثمن غالياً، حيث فقدت المدينة خيرة أبنائها بسبب هذا الفيروس القاتل".

.

ولكسر الكآبة التي تعمّ في شوارع المدينة، لجأ شباب بعض الأحياء القديمة في المدينة لتزيين البيوت، وطلاء الجدران الخارجية بألوان زاهية، لبعث الأمل من جديد في الحي، وتمسكت نساء من جهة أخرى بطقوسهنّ، حيث شرعن بتقطير ماء الورد الذي يعبأ في مرش نحاسي، ويُضاف إلى القهوة، كما يحضّر به أنواع عديدة من الحلويات التقليدية الخاصة بسهرات شهر رمضان.

ولازالت أغلب الإصابات بكورونا تتركز في محافظة البليدة،  وتم فرض حجر صحي كامل عليها منذ 24 مارس الماضي، وبلغ عدد المصابين حتى الآن 749 إصابة مؤكدة, و 133 حالة تماثلت للشفاء، إضافة إلى 107 وفيات.

وترى باتول أن مدينتها لم تستوعب الصدمة بعد، رغم مرور أكثر من شهر على فرض الحجر الصحي الكامل، تنهي حديثها قائلة: "كل يوم نستيقظ على خبر فقدان أشخاص، وعائلات بسبب هذا الوباء القاتل، واتسعت رقعة الأيتام, وكل واحد منا ينتظر الموت العشوائي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard