"عروس الثورة" اللبنانية تنتفض... إحراق مصارف والجيش يردّ برصاص حيّ قَتَل متظاهراً

الثلاثاء 28 أبريل 202002:16 م

انهيارٌ متسارع للعملة الوطنية، ارتفاعٌ قياسي في سعر صرف الدولار، أوضاع معيشية واقتصادية صعبة، غلاءٌ فاحش وأسعار غير مضبوطة، تعنّت المصارف ومن خلفها في التعامل مع المودعين اللبنانيين... ظروفٌ لبنانية شائكة فاقم حدّتها حجر كورونا، لا سيما في ظل بطء الحكومة في الاستجابة لتداعيات الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت قد مهدت لانتفاضة 17 تشرين/ أكتوبر العام الماضي.

بات لبنان يعيش على وقع الانهيار الاقتصادي، ولم تكن "حالة الجَزَع" التي كرسها المسؤولون بضرورة عدم خرق الحجر الصحي ومعهم وسائل الإعلام التقليدية التي وصل بعضها حدّ شتم من يخالف تعاليم التعبئة العامة، كافيةً لوقف ما كان متوقعاً خلال الأيام الأخيرة: انفجار اجتماعي يكون أساسه فقراء مهددون بلقمة عيشهم.

ما كان منتظراً عاشته مدينة طرابلس، شمالي لبنان، ليل الاثنين في 27 نيسان/ أبريل، بشكله الأكثر وضوحاً، إذ بدأ الأمر بتظاهر عدد من الطرابلسيين في ساحة عبد الحميد كرامي (النور)، واستخدموا للتعبير عن غضبهم الأحجار والزجاجات الحارقة التي وجهت إلى واجهات مصارف عدة في المدينة.


لم يكتف الجيش بالرصاص المطاطي، فواجه عناصره المتظاهرين الغاضبين برصاص حي أسقط عدداً من الجرحى، توفي شاب من بينهم بسبب إصابته.


فواز فؤاد السمان (26 عاماً) كان الشاب الذي سقط، وقد نَعَته شقيقته فاطمة على وسائل التواصل الاجتماعي.


أثار مقتل فواز الذي صُلي على جثمانه في الساحة نفسها التي شهدت سقوطه غضب كثيرين، فنددوا بدخول الجيش أو إقحامه في مواجهة مماثلة مع المتظاهرين، وتبادلوا صورة فواز "شهيد ثورة الجوع"، مع وعد بـ"الثأر" له ولشهداء الانتفاضة السابقين، وللكادحين والفقراء، من "قلوب المتسببين بقتلهم ومصارفهم".





الأسبوع الماضي، كتبت فاطمة شقيقة فواز، وهي ناشطة منذ بداية الانتفاضة، على موقع "أوان" الإلكتروني: "القلق فينا خوفٌ مستدام، نراه يتخّذ هيئة أرقام كلّ يوم: كأسعار الوقود والطحين والأدوية والمواد الاستهلاكية، وانخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار بأكثر من 100% في الأشهر الستة الأخيرة، ونسب الفقر التي حذّر "البنك الدولي" من احتمال تجاوزها 50% من اللبنانيين مع نهاية 2020، ومعدلات البطالة... وملايين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التي ثار بشأنها جدل إعلامي وقضائي في الآونة الأخيرة، والـ 94 مليار دولار التي قبضتها المصارف فوائد خلال الأعوام العشرة الأخيرة، نحو ثلثيها من المال العام ونحو ربعها أرباح…".

أثار مقتل فواز في طرابلس غضب كثيرين، فنددوا بدخول الجيش أو إقحامه في مواجهة مع المتظاهرين، وتبادلوا صور "شهيد ثورة الجوع"، مع وعد بـ"الثأر" له ولشهداء الانتفاضة السابقين، وللكادحين والفقراء

وأضافت: "للقلق هذا وجهٌ طبقي أيضاً تطبَعُ ملامحه نفوس الفقراء المهددين بلقمة عيشهم، وهُم يخوضون معركة البقاء يومياً ضد النظام الرأسمالي لتأمين تكاليف السكن والدراسة والطبابة بأحقر مستوياتها".


ولطرابلس، أكثر المدن فقراً في لبنان، حصة كبيرة من هذا القلق. من يبحث عن حال هذه المدينة يجد الكثير من التقارير التي تؤكد ذلك، منها على سبيل المثال بحث ميداني وتحليلي أجرته "الإسكوا" خلال شهر تشرين الأول عام 2011 على عينة عشوائية شملت 1500 عائلة من طرابلس ومنطقة الميناء. تبيّن في البحث أن نسبة العائلات "المحرومة" 57%، و"المحرومة جداً" 26%، و"المحرومة نسبياً" 28%، و"غير المحرومين" 15%. لم يتغيّر الأمر كثيراً منذ ذلك الوقت. ما تغيّر كان للأسوأ.

خلال الانتفاضة حملت طرابلس اسم "عروس الثورة"، وخلال الفترة الماضية بعدما دخل لبنان في نفق كورونا والحجر الصحي، كانت المدينة سبّاقة إلى إطلاق تحركات شعبية.

في الأول من نيسان/ أبريل، بعد بدء سريان منع التجوّل، الساعة السابعة مساءً، تظاهر عشرات الشباب في أحياء عدة من المدينة، وخرج آخرون في مسيرات على دراجات نارية، احتجاجاً على تردّي الوضع الاقتصادي، ورددوا شعارات ضد الفساد والحكومة، وتدخَّل الجيش لتفرقتهم.

وفي 16 من الشهر نفسه، تظاهر العشرات من أبناء المدينة في ساحة عبد الحميد كرامي (النور)، فعمدت فرقة من الجيش اللبناني إلى تفرقتهم، مستخدمة القنابل المسيّلة للدموع.


وليلة أمس، في ظلّ تراجع وسائل الإعلام التقليدية التي يُشكّك المتظاهرون في حساباتها واعتباراتها السياسية والمصرفية، كانت أخبار طرابلس تتدفق على وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت هاشتاغات عدة، منها "ليلة سقوط المصارف" و" طرابلس تنتفض"، كما استعاد هاشتاغ "لبنان ينتفض" الذي نشط بعد 17 تشرين/ أكتوبر زخمه.

عبر فيديوهات مختلفة من المدينة، اشتكى مواطنون كثر الفقر والجوع والذل، وشاهد اللبنانيون العنف الذي قوبل به المتظاهرون، وواجهات مصرفية متهمة بإذلال المودعين تحترق. جمعية المصارف ردّت بإعلان إقفال البنوك في المدينة حتى "عودة الهدوء".

أما الجيش فدعا المتظاهرين إلى مغادرة الساحات، مصدراً بياناً اتهم فيه "عدداً من المندسين" بالقيام بـ"أعمال شغب والتعرض للممتلكات العامة والخاصة، وإحراق عدد من الفروع المصرفية والتعرض لوحدات الجيش المنتشرة، إذ استهدفت آلية عسكرية بزجاجة حارقة (مولوتوف) ودورية أخرى برمانة يدوية تسببت بإصابة عسكريَين بجروح طفيفة".

ردُّ الجيش بهذه الطريقة أثار نقاشاً واسعاً، بين من استنكر إقحام هذه المؤسسة وعناصرها (الذين يعانون هم أيضاً من تداعيات الانهيار الاقتصادي) في العنف المُمارَس ضد المنتفضين، محذرين من مغبّة ذلك القرار السياسي على المؤسسة العسكرية.

في المقابل، اعترض معلقون على كلام المؤسسة العسكرية عن "مندسين" لوصف متظاهرين غاضبين، ورفضوا استخدام مصطلح "مواجهات" لوصف ما جرى في طرابلس. ما جرى، برأيهم، كان صرخة قهر وذل وجوع محقة، وقد قوبلت بعنف "حيّ".

"عروس الثورة" التي زفّت شهيداً بالأمس، كرّر أبناؤها مع بداية انتفاضة تشرين/ أكتوبر رفض وصمهم بالتطرف وكرروا بالأمس رفض اتهامهم بتنفيذ أجندات سياسية لزعماء المنطقة الذين يتحملون جزءاً من مسؤولية ما آلت إليه أوضاعها. "عروس الثورة" لم تكن وحدها في غضبها، فما عاشته ليل أمس أتى بعد يوم احتجاجي شهدته مناطق كثيرة على الطريق الساحلي من بيروت إلى الشمال، مروراً بصيدا، وعلى ساحل كسروان والمتن. 

في غمرة ذلك كله، تخيّم حالة من عدم الثقة وغياب الوضوح لدى اللبنانيين تجاه طرفي الأزمة، السياسي والمالي، فيما يحذّر المتابعون من أن لبنان على شفا "ثورة جياع" فعليّة سيكون العنف عنوانها الأبرز

وفي الأشهر الأخيرة تراجعت قيمة الليرة اللبنانية التي رُبطت بالدولار منذ عام 1997، لتتخطى 4000 مقابل الدولار الأمريكي في السوق الموازية، فيما يستمر السياسيون في تبادل الاتهامات، ويحضر في المشهد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المتهم بإيصال الوضع بدعم من الطبقة الحاكمة إلى هذه الحال بفعل سياسات الهندسة المالية.

ويعقد مجلس الوزراء اليوم، 28 نيسان/ أبريل، جلسة وصفها الإعلام بأنها "بالغة الأهمية"، على جدولها "إجراء تحقيقات لتحديد الحسابات التي أجريت منها تحويلات مالية واتخاذ إجراءات بحق أصحابها، واتخاذ تدابير آنية وفورية لمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، ومشروع قانون معجل يتعلق باسترداد تحاويل الى الخارج اجرت بعد 17 تشرين 2019، واستكمال البحث في الصيغة النهائية للخطة الاصلاحية للحكومة توصلاً لإقرارها".

وكان رئيس الحكومة حسان دياب ألمح إلى خروج 5.7 مليارات دولار أمريكي من لبنان منذ بداية السنة حتى منتصف نيسان/ أبريل، مهاجماً حاكم مصرف في وقت أعلن الأخير أنه "سيصارح" غداً، الأربعاء، اللبنانيين، كاشفاً عن الحقائق والأرقام.

في غمرة ذلك كله، تُخيّم حالة من عدم الثقة وغياب الوضوح لدى اللبنانيين تجاه طرفي الأزمة، السياسي والمالي، فيما يحذّر المتابعون من أن لبنان على شفا "ثورة جياع" فعليّة في غياب خطة طريق واضحة تخفّف من حدة الانهيار وتبدأ بمحاسبة المتسبّبين به. هؤلاء يقولون إن المرحلة المقبلة لن تشبه الحالة "الاحتفالية" التي شهدتها انتفاضة تشرين/ أكتوبر، بل سيكون العنف عنوانها الأبرز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard