"هلق بشرفكن هي دراما هي؟!"... المسلسلات السورية تكلفنا فوران أعصابنا

الثلاثاء 28 أبريل 202002:54 م

في الوقت الذي ينتظر فيه نقاد الدراما الحلقة الخامسة ليعبّروا عن آرائهم بموضوعية، تكفينا نحن "الجمهور السوري" حلقة واحدة لتنتشر على فيسبوك منشورات تستهجن الدراما السورية، تنتقدها، تستنكر انحدارها أو تغيّبها عن الحقيقة السورية.

فالأعمال السورية، وعلى الرغم من قلّتها هذا العام، إلا أنها كانت مُبهرة ومكشوفة تماماً بانفصالها التام عن الواقع السوري، الذي فيما سبق ولسنين طويلة، بقي واضحاً جليّاً فيها بكل مأساويته وصعوبته، وبقي عارياً مجرداً في الأعمال التي لاقت استحسان الجمهور، وحصلت على جوائز عدة ولاقت مديح النقّاد، لأنها امتلكت من الصدق ما يكفي لتعبر عن الإنسان السوري أكثر من نشرات الأخبار، وبصورة أكثر نزاهة حتى.

هذا العام شاهدنا العكس تماماً، فيكفيك مثلاً أن تقرأ اسم المخرج أو الجهة المنتجة لتشعر أن المسلسل هو إحدى أساطير الجدّات غير القابلة للتصديق، أو لتعرف أنّ العمل يُحلّق بعيداً عن السماء السورية التي لم تنظف بعد من رائحة البارود، والتي كانت كفيلة بأن تُمطر فناً يسطّر ملاحم خالدة.

وهنا لا نعرف من حال دون ذلك، سلطة رأس المال ورغبة شركات الإنتاج بخلق واقع جديد، أم غياب النص الحقيقي المؤثر؟

 الأعمال السورية، وعلى الرغم من قلّتها هذا العام، إلا أنها كانت مُبهرة تماماً بانفصالها التام عن الواقع، الذي فيما سبق، بقي واضحاً جليّاً فيها بكل مأساويته وصعوبته، وبقي عارياً مجرداً في الأعمال التي لاقت استحسان الجمهور، ولاقت مديح النقّاد، لأنها امتلكت من الصدق ما يكفي لتعبر عن الإنسان السوري أكثر من نشرات الأخبار، وبصورة أكثر نزاهة 

أيديولوجيا شركات الإنتاج تدس السم في العسل

كتبت أنجيلا الدبس، وهي من الشابات الموهوبات اللواتي تخرجن من قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية: "تُدفع اليوم الملايين لتبث شركات الإنتاج أيديولوجيا جديدة تغير شريحة المجتمع السوري، لتجعله يحلم بمعيشة الخليج وهو لا يملك حق ربطة خبز!".

في حين يقول طالب في قسم الدراسات المسرحية، طلب عدم ذكر اسمه، فأمامه مستقبل مهني: "في آخر سنتين، ورشات الإخراج والسيناريو التي تقيمها شركات الإنتاج (على قفا مين يشيل)، فتوحي للمتفرج أنها النهضة الساحرة التي تحاول إنقاذ ما تستطيع إنقاذه، لكن الحقيقة المرّة التي يعرفها كل من اشترك بهذه الورشات أنها قائمة على جهود الشبان والشابات، تصل لأقصى مرحلة من الاستغلال الفكري، وتُرفض النصوص الواقعية بحجة أن المشاهدين سئموا الحرب، وكأن الدراما ملهاة، فتنسلخ عن المجتمع وعن دورها الحقيقي في تقديم فن هادف، وتفشل فيما بعد في تقديم فن ترفيهي أيضاً".

 الجمهور السوري الذي اعتاد على "التشبيح" للدراما التي يمتلكها، اليوم يتبرأ من أغلبها مثلما هي انسلخت عنه.

في الحالات التي يكون فيها رفض العمل غير معقول، بلا ذرائع رقابية أو سياسية، يتحججون بالميزانية العالية، لنشاهد فيما بعد مسلسلات بثلاثة أضعاف التكاليف، وبمبالغ خيالية صُرفت على فساتين الممثلات الخارجة من كتب التاريخ العثماني والفرنسي وغيرها، لنحصل على دراما الأميرات، فنشتري نحن الحلم، ويشتري المشاهد البسيط الخيبة.

هنا، وبالعودة للأعمال الجيدة نسبياً، والتي على الرغم من جودتها، فالمنطقي أن تُعلّب في زجاجات يُكتب عليها غير قابلة لاستهلاك.

وفي سياق آخر، إن أصحاب الأعمال الجيدة نسبياً، في خضم هذا السباق الدرامي والتنافس بين الأعمال، جعلهم يغفلون تماماً عن فكرة هامة، وهي أن العرض سيكون في الشهر الفضيل، ومن البديهي أنه يتوجّب على الفئة المثقفة التي تصنع فناً احترام معتقدات الصائمين والصائمات.

طلاب وطالبات المعهد العالي خرجوا/ن من المولد بلا حمّص

ممثلة سورية، وهي إحدى الخريجات الجديدات من قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية، فضلت عدم ذكر اسمها، تقول: "حين ندخل المعهد العالي نقدم وثيقة تتضمن موافقتنا على الاستغناء عن وقتنا، مُتعنا الصغيرة البسيطة وعن كرامتنا في أغلب الأوقات، فحين يظن أستاذ المادة نفسه أحد قامات الفن، يكون قادراً تماماً على مسح بلاط المعهد بكرامتك إذا تأخرت عن العرض، ويُبرّر لنفسه حرمانك من المادة إذا مرضت في يوم المسرح العالمي، أو إذا جُبرت على التغيّب حتى لو كانت الحجة إصابتك بمرض عضال أو ورم خبيث، فكلامك قابل للتشكيك دون تقرير طبي مصدّق ويثق به الأستاذ والإدارة".

وتتابع: "نصعد على المسرح ونتعلم أن الفن رسالة، ونكتشف فيما بعد أن الشبكة ستنقطع في سوريا خلال سنوات الحرب الطويلة، ستبقى الرسالة معلقة وسيكون من الأسهل الاستعانة بممثلات الدول المجاورة، فنحن دون المستوى المطلوب أحياناً، وخارج التغطية دائماً".

 كل ما نملكه لهذا العام "نتفلكس رخيص" للنخب الثقافية القادرة على تذوق الفن، والذين لم يدركوا بعد أن سوريا ليست طاولة في مقهى الروضة، سوريا حيث يدفع المواطن لكيلو البندورة المفعوسة في دمشق 1200 ليرة سورية، ويكلفه كيلو الدراما فوران أعصابه

مهزلة الكتّاب، تتوارى خلف المكياج

منذ سنوات ليست ببعيدة، عُرف كاتب على الفيسبوك وسُمّي في الأوساط المثقفة "بشاعر الفيسبوك أو شاعر علكة النعنع"، وغير ذلك من الألقاب الذي توصف انعدام الموهبة، اليوم نجد اسمه بعد اسم أحد المخرجين، ككاتب لأحد المسلسلات، ويكاد يكون المثال الأوضح عن الاستخفاف بعقل المشاهد السوري الذي كان ينتظر الحوار والحبكة والتشويق، ليُقابل دماغه البشري بنصوص ساذجة وكوميديا قائمة على التهريج، تُقدم خلف وجوه ممثلين وممثلات يكبلهم العجز ولا يملكون الكثير من الخيارات والنصوص، فإما البطالة أو حجارة النقاد، وأتخيل أن لا حجر أصلب من الجوع.

بالمختصر، هذه الدراما ليست للسوريين/ات، تكاد تكون لروّاد نتفلكس، لكن النسخة الرخيصة منها، الجمهور السوري الذي اعتاد على "التشبيح" للدراما التي يمتلكها، اليوم يتبرأ من أغلبها مثلما هي انسلخت عنه، كل ما نملكه لهذا العام "نتفلكس رخيص" للنخب الثقافية القادرة على تذوق الفن، والذين لم يدركوا بعد أن سوريا ليست طاولة في مقهى الروضة، سوريا حيث يدفع المواطن لكيلو البندورة المفعوسة في دمشق 1200 ليرة سورية، ويكلفه كيلو الدراما فوران أعصابه، نكات عن سذاجة بعض عن النصوص يلقيها لأهله حول سفرة الإفطار، ووقت يكتب فيه على فيسبوك: "هلق بشرفكن هي دراما هي؟!".

لكن هل هذا مفاده أن نصلي صلاة الغائب على درامانا؟ وهل كل الأعمال دون المستوى المطلوب؟!

بالطبع لا، فالمشاهد قادر تماماً على رصد تطور الممثلين والممثلات المُدهش، وتطوير أدواتهم، وقادر أيضاً على ملاحظة غياب كتّاب وكاتبات شرّحوا الواقع السوري، فصّلوا معاناته بأهم الأعمال التي انتشرت ورفعت قيمة العمل السوري، وقادر على التماس غياب نجوم ونجمات تميل كفة الدراما للأسفل في غيابهم.

وبالتأكيد نحن نملك الخبرات والمواهب العظيمة، بقليل من التوظيف الصحيح والكثير من الواقعية، نبتعد عن التجارة المشتركة ويعود المخرج السوري لاستخراج الدراما الخالصة كالذهب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard