"هل سيشرب طفلي الحليب غداً؟"

الاثنين 27 أبريل 202005:57 م

"في البداية توقفت الزبونات عن زيارة الصالون مخافة من الإصابة بالعدوى، حالياً توقّف كلّي بعد فرض حظر التجول، اضطررت إلى إغلاق الصالون ليصبح مدخولي متدنيا جدا" تقول غزلان (36 عاماً) أم لطفلين.

تمتلك غزلان صالون الحلاقة و التجميل، في حي البرنوصي في الدار البيضاء، الذي يعتبر مورد دخلها الوحيد، إلا أنها أجبرت على إغلاقه شأنه شأن المطاعم ودور السينما والأماكن الرياضية والترفيهية إلى أجل غير مسمى، في إطار تدابير التصدي لخطر تفشي فيروس كورونا المستجد في المغرب.

غزلان هي المعيل الوحيد لأطفالها بعد طلاقها من زوجها، وتشعر بالخوف على مستقبل أبناءها، مشيرة في حديث لرصيف22 إلى أن جائحة كورونا أثّرت على حياتها بشكل كبير مادّياً، ومعنوياً.

تقول غزلان: "هناك خوف كبير مما قد يحدث في المستقبل، الذي بت أراه بصورة ضبابية غير واضحة، هذا بالإضافة إلى نفسيتنا المحطمة، ونخاف من أن ينتقل حالنا من سيء لأسوأ".

"ماذا يخبئ لنا المستقبل؟"

بالنسبة لغزلان، المشكلات والأسئلة التي لا إجابة لها تصيبها بالفزع، كانت هناك مبادرة من الدولة بإعفاء مستأجري المحلات من دفع مستحقات الكراء لأصحاب العقارات حتى إشعار آخر، ولكنها تتساءل: ماذا عن الوضع المعيشي لأبنائنا، ماذا لو استمر هذا الوضع، وماذا لو زادت أعباؤه علينا، وآثاره الاقتصادية الوخيمة؟

أصدرت الحكومة المغربية أواخر مارس الماضي إجراءات تهدف إلى دعم العاملين في القطاع غير النظامي، قسمتها إلى مرحلتين، الأولى تهم الأسر التي تستفيد من خدمة المساعدة الطبية المعروفة بـ"راميد"، وفقدت مدخولها اليومي بسبب إجراءات الحجر الصحي، وتعمل في القطاع غير النظامي.

تتساءل أمهات عازبات ووحيدات في المغرب: ماذا عن الوضع المعيشي لأبنائنا، ماذا لو استمر هذا الوضع، وماذا لو زادت أعباؤه علينا وآثاره الاقتصادية الوخيمة؟

أما المرحلة الثانية، فتخصّ الأسر التي لا تستفيد من خدمة التغطية الصحية "راميد"، والتي تعمل في القطاع غير النظامي أو المهيكل، وتوقفت عن العمل بسبب الحظر، إذ ستُمنح لها المبالغ المذكورة نفسها سابقاً.

وحدّدت الحكومة المغربية هذه المساعدات المالية، بـ 800 درهم (80دولار) للأسرة المكونة من فردين أو أقل، و1000 درهم (100دولار) للأسرة المكونة من ثلاثة إلى أربعة أفراد، و1200 درهم (120) للأسرة التي يتعدى عدد أفرادها أربعة أشخاص.

"مررت بفترات سيئة في حياتي"، تقول غزلان، "وأخشى أن تكون هذه هي الأسوأ، بسبب ما آلت إليه ظروفي المادية في فترة الحجر الصحي، خصوصاً لسيدة في وضعي، دفعتها الظروف بعد طلاقها من زوجها، أن تكون مسؤولة عن إعالة ابنيها".

تتذكر غزلان الوضع قبل إجراءات الحظر متحسّرة، تقول: "على الأقل قبل الحجر الصحي كنت أبذل مجهوداً كبيراً حتى أستطيع أن أؤمن حاجياتي وحاجيات أبنائي، اليوم أوكد أن السيدات اللواتي يعشن بدون معيل هن الأكثر تأثراً بقوانين الطوارئ الصحية التي فرضتها الحكومة في شتى مناحي الحياة، ولا نعرف ماذا يخبئ المستقبل لنا".

"درهم واحد لحليب ابني"

تشاطر فاطمة (اسم مستعار) ذات السابعة والعشرين ربيعاً، غزلان قلقها الكبير مما قد يخبئه لها المستقبل، إذا استمر الحجر الصحي لفترة أطول، وتقول لرصيف22: "أخاف من أيام لا أجد فيها درهماً واحداً أشتري به علبة حليب لابني".

تعتبر فاطمة واحدة من الأمهات العازبات اللواتي تخلت عنهن عائلاتهن، ليجدن أنفسهن مضطرات لتدبّر أمورهنّ، وحيدات مع أبنائهن دون أي سند، داخل مجتمع يرفض الأم العازبة، ويعتبر أمومتها "خطيئة"، ما يعرضهنّ للتهميش والإقصاء.

"لا مصانع تَعمل، ولا مطاعم تُفتح، ولا حتَّى خدمة في البيوت".

فاطمة واحدة من النساء، أو بالأحرى الأمهات العازبات، اللاتي يعشن على مهن بسيطة، كالحلاقة، الخدمة في البيوت، العمل في مصانع النسيج أو المطاعم.

تحكي فاطمة لرصيف22: "في فترة الطوارئ الصحية التي تمر بها البلاد، توقفت عن عملي كخادمة في البيوت، حيث اعتذر أصحاب البيوت الذين كنت أعمل عندهم عن خدمتي، على اعتبار أن عملي عندهم لم يعد قانونياً في هذه الفترة، لأجد نفسي دون عمل، ودون أي تأمين اجتماعي يمكنه أن يضمن لي مدخولاً أعتمد عليه".

تضيف فاطمة أنها كانت تكسب في اليوم الواحد قبل فترة الحجر الصحي، ما يقارب 150 درهماً، هذا بالإضافة إلى بعض الفواكه والأطعمة والخضروات التي يجود عليها بهم صاحب/ة البيت الذي تذهب لتنظيفه، على عكس ما يحدث لها الآن، فلم يعد هناك أجر أو أطعمة.

"لا عمل ولا تأمين اجتماعي"

في غرفة داخل أحد المنازل القديمة المتواجدة في حي البرنوصي في الدار البيضاء، تعيش ريم، اسم مستعار (35 سنة)، وحيدة مع طفلتها ذات الأربع سنوات، دون معيل، وتصف ظروفها المادية بالعصيبة، لما آلت إليه أوضاعها المادية في ظل الحجر الصحي قائلة: "بات يرهقني التفكير في كيفية الحصول على قوتي اليومي، وعن لقمة عيش أسد بها رمقي ورمق طفلتي".

تظلّ ريم مع طفلتها في الغرفة طوال اليوم بلا عمل، ومر شهر على ذلك، تقول لرصيف22: "ما زاد من قساوة الحياة، خصوصاً لامرأة مثلي، شاءت الظروف أن تختبر الأمومة في الوقت غير المناسب، لأجد نفسي ضمن فئة اجتماعية تتوحد تحت يافطة (الأمهات العازبات)، من أين آتي بالطعام لطفلتي، كيف سأعيش إذا استمر الوضع هكذا؟ ليس لدي أموال لأشتري ما يسد رمقي، من سيقدم الدعم للسيدات في مثل وضعي؟".

شرعت مؤخراً جمعية إنصاف، وهي جمعية تعنى بدعم الأمهات العازبات في المغرب، بتوزيع مؤن غذائية على أمهات عازبات فقدن مورد دخلهن، بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحجر الصحي الذي فرضه التصدي لانتشار وباء كورونا، ويتمثل ذلك بتوزيع أكياس محملة بمواد غذائية، تتضمن الدقيق، العدس، المعجنات، الرز، الزيت، الشاي، الصابون ومواد النظافة.

"ماذا تفعل امرأة مثلي؟ شاءت الظروف أن تختبر الأمومة في الوقت غير المناسب، وتجد نفسها ضمن فئة اجتماعية تتوحد تحت يافطة الأمهات العازبات"

تقول مريم العثماني، رئيسة الجمعية، لرصيف22، بأن الجمعية كثَّفت جهودها، وباتت تركز أكثر على توفير الدعم الكافي للأمهات العازبات، في ظل تداعيات الأزمة الصحية بعد فرض الحجر الصحي.

وتضيف العثماني أنّ بعض الأمهات لا يملكن حتى ثمن شراء الحليب لرضعهن، لذلك "تسعى الجمعية لتعبئة المتبرعين واستقطاب آخرين، على الأقل من أجل توفير المواد الغذائية الأساسية لهؤلاء الأمهات".

وتحذر العثماني من تفاقم الوضع لبعض الأمهات في المغرب: "هناك الكثير من الأمهات العازبات، يمارسن مهناً ذات دخل محدود وغير منظم، مثل مصانع النسيج، خدمة البيوت، المطاعم، المقاهي، وغيرها من المهن التي توقفت عن العمل بسب حالة الطوارئ الصحية، وهذا التوقف سرعان ما جعل هذه الفئة من النساء يواجهن أزمة اجتماعية، إذ أصبحن دون عمل ودون تأمين اجتماعي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard