هل يمكن أن يحرّر السحر خوفنا من المرض؟

السبت 25 أبريل 202005:22 م

تجارب مظلمة عديدة نختبرها في حياتنا: المرض، العوز وفقدان الأحبة، ونفضّل، إذا ما تجاوزناها، ألّا نتذكرها، وإن لم نختبرها، أن ننكر وجودها من الأساس.

أخاف كثيراً من المرض، بل أحياناً أتخيل في أحلام يقظتي أني أخاطب الإلهة إيزيس قائلاً: ماذا لو جمعت ساعات وأيام مرضي وأنقصتها من حياتي، وعشت عمراً أقل لكن بصحّة أفضل، كل ذلك، حتى عشت في شهر شباط/ فبراير الماضي تجربة مرض من إنفلونزا خبيثة، أفقدتني الكثير من اتزاني النفسي في البداية، ولكنها غيّرت الكثير من إحساسي بنفسي في النهاية.

"كيف تكون مريضاً؟"

"عندما تمارس التأمل على آلامك فإنك تتعلم التخلص من الألم أو العيش معه"، هكذا تحدثت توني برنهارد عن طريقة تعايشها نفسياً مع السرطان.

أرجعت برنهارد فكرتها تلك إلى بوذا. أحبت بوذا كثيراً، ورأت في تأكيده على الألم والمعاناة، كجزء أساسي من طبيعة الحياة، "طريقة لاستكشاف الآلام الجسدية، والنفسية بدلاً من الهروب منها"، بحسب ما كتبته في كتاب "كيف تكون مريضاً: دليل مستوحى من البوذية للمرضى المزمنين ومقدمي الرعاية".

وأتساءل بخوف شديد: هل خوفنا من فيروس كورونا يمكن أن يشكل أو يساهم في تشكيل نظام سياسي واقتصادي واجتماعي جديد؟

تكتب برنهارد أنّ بوذا لم يكن متشائماً عندما تحدث عن المعاناة، ولكنه كان واقعياً. هناك الكثير من الجمال في حياتنا، ولكن في المقابل هناك الكثير من اللحظات غير السارة، اللحظات القاسية هي طبيعية أيضاً، أن تكون مريضاً هو أمر طبيعي تماماً، وكلما قلّت مقاومتنا لـ"طبيعة الحياة"، كلما تمكنّا من الاسترخاء أكثر والتألم أقل.

تقول برنهارد: "عندما تتجنب الأحاسيس غير السارة، وتركز فقط على ما يبدو لطيفاً، فأنت تمارس مقاومة الجانب الطبيعي من الحياة، الجانب الذي لا يمكن أن تتجنّبه".

كثير من أصدقائي وأقاربي فكروا في الزواج في تلك اللحظة، أو كما قال أحدهم لي: "من المرعب أن تكون وحيداً، وأنت في حالة عجز، أو قريب من الموت".

المصابون بأمراض مزمنة، مثل السرطان، يختبرون أيضاً الآلام مدى الحياة، كثيراً ما يتساءلون: لماذا نحن؟ ماذا فعلنا في حياتنا لنجني كل هذا الألم؟

الإحساس بالمرض كسحر

بالنسبة لي، فيما يتعلق بالمرض، تربيت على ثقافتين، إحداهما دينية ترى في الأمراض نوعاً من العقوبة الإلهية أو الابتلاء، تذكرنا أن الدنيا دار تجربة وامتحان، "لا تساوي عند الله جناح بعوضة"، وأحدها غربية استهلاكية تركز كثيراً على الجانب الصحي والمشرق في الحياة، حتى في الروحانيات، هناك التأمل المرتبط بتعزيز الإنتاجية والاستمتاع العميق بمباهج الحياة، وكأن المرض شيء عارض، غير حقيقي، ولا وجود له.

عشت فترة طويلة من حياتي في حالة إنكار للمرض، ورغم إن الإنفلونزا تصيبني كل موسم خريف بطريقة حادة، أعيش فيها الرعب كاملاً من الموت، وأفكار شريرة في رأسي تطاردني، إلا أنني أتناساها بمجرد أن أستعيد عافيتي.

في تجربتي الأخيرة، كنت قد قرأت كتباً تتعلق بالأساطير والوعي السحري البدائي، أمارس التأمل وبعض "السحر" المرتبط بتلك الثقافات، لذا قررت أن أواجه رعبي من الموت، الذي ينكشف أثناء تجربة المرض.

في الوعي السحري، يتم التعامل مع الكون مثلما يتعامل الطفل مع أشيائه، أو العاشق مع حبيبته، تعكس ملامح وجهها وصوتها ورائحتها مشاعر عميقة جداً بداخلنا، مبهجة ومخيفة، أكثر مما تعكس "الواقع"، هكذا تتحول شروق الشمس وغروبها، فترات الدورة الشهرية، المرض، الجنس والولادة، إلى ملامح تعكس أشياء روحانية، ويتم اختبار الحياة كتجربة لذيذة، مؤلمة، كئيبة ومفرحة.

وهي رؤية لا تتعارض بالضرورة مع العلم، فذهابك للطبيب لا علاقة له بمشاعر الصحة والمرض، بالتجربة الذاتية.

بالنسبة لي، لا أميل إلى التأمل البوذي، أفضّل تلك الخيالات التي تزخر بها الحضارات القديمة، والتي يسميها عالم النفس التحليلي كارل يونغ "النماذج البدئية"، لكل إحساس جميل إله، السكر، النشوة الجنسية والرحمة، وللمشاعر المخيفة آلهتها، الأمراض، الموت والحزن.

أخاف كثيراً من المرض، بل أحياناً أتخيل في أحلام يقظتي أني أخاطب الإلهة إيزيس قائلاً: ماذا لو جمعت ساعات وأيام مرضي وأنقصتها من حياتي، وعشت عمراً أقل لكن بصحّة أفضل، كل ذلك، حتى عشت في شهر شباط/ فبراير الماضي تجربة مرض من إنفلونزا خبيثة، أفقدتني الكثير من اتزاني النفسي في البداية، ولكنها غيّرت الكثير من إحساسي بنفسي في النهاية

جنيات الإله إنكي

في الأساطير البابلية، بحسب كتاب "بخور الآلهة" للباحث العراقي خزعل الماجدي، آيا هو رب السحر والطب الأعلى، والمرض هو يد الإله إنكي، ويرمز له أحيانا بالذبابة ناقلة الأمراض، لقد كان إنكي صديقاً للبشر قبل الطوفان العظيم، وبعدها رحل إلى السماء وترك الجن، ينقلون للناس الأمراض الجسدية والنفسية، وكان يُعتقد في قدرة الماء على الشفاء، حتى أن الطبيب كان يقال له "العارف بالماء".

شربتُ كميات كبيرة من الماء بين الحين والآخر، وكنت أحافظ على وعيي منتبهاً، أريد أن أعي كل صغيرة وكبيرة في مشاعري المتعلقة بالمرض والخوف من الموت، وصوت أزيز ذبابة كأنها بعوضة تئز في سماء الغرفة، ذبابة واحدة، إنها يد الإله إنكي.

كنت أحلم، وأفتح عينيّ محاولاً تذكر كل شيء، حتى فقدت الحد الفاصل بين الحلم واليقظة، رأيت فتاة تشبه مصاصات الدماء في الأفلام الأمريكية، أظافرها طويلة، عيونها بيضاء بشكل مخيف وتصدر صوتاً مرعباً، إنها إحدى بنات الإله إنكي، أهرب منها إلى أماكن تشبه الترع الصغيرة في مزارع كبيرة بقريتي التي تربيت فيها، ووجدت شخصاً، إنه صاحب الدكان الذي كان يبيع لي السجائر عندما كنت صغيراً، ومات بمرض السرطان، يا للآلهة، هل مت؟

أستيقظ على أزيز الذبابة أو يد الإله إنكي.

آلام هائلة في كل جسدي، تناولت إحدى عقاقير المشتقة من المشروم، كان الساحر في مرحلة ما قبل نشوء الحضارة يتناول المهلوسات وهو يختبر عزلته، ليحول الكون إلى تجربة ذاتية داخلية، الجانب المشرق والمظلم منه.

زاد وعيي بكل خلية في جسدي، يا للآلهة كل تلك الخلايا تعمل، لم أكن أشعر بها في صحتي، كأنني كنت مسجوناً في عقلي وتفكيري، وكأن المرض يحررنا من سجن العقل، ويجعلنا نشعر بكياننا كله، جسدنا كله، خلية خلية.

كانت الخلايا تقاتل الأعداء "البكتيريا والفيروسات" في جسدي، بينما روحي تقاوم تلك الجنية، بنت الإله إنكي، وأذني تسمع طنين الذبابة، كأنها علامة على انتصار الإله إنكي.

حتى فتحت عيني بعد اليوم الثالث، اختفت الآلام، استرددت شهيتي وغاب الطنين.

لقد انتصرت، أنا وجسدي.

يعود الفضل لدور التأمل والسحر في الحياة النفسية والاجتماعية والسياسية لفرويد، الذي أحدثت تجاربه في التحليل النفسي زلزالاً في النزعة العقلانية الديكارتية، بإشارته لأهمية اللاوعي في تشكيل حياتنا، ما دفع الجيل الأول من تلامذته إلى تسخير مجهودهم لفهم أعمق لعالم الأحلام والأساطير.

ويثمّن تلميذه كارل يونغ اختبار الحياة كتجربة أسطورية، ويرى أن كبت تلك الرؤى والأفكار هي منبع الاضطرابات النفسية، التي بات كثير من الناس في العصر الحديث يعانون منها، يقول منتقداً النزعة الغربية في التنكر لتلك الأحلام: "لأجل أن يعزز الإنسان عقيدته يدفع ثمن ذلك في افتقار استثنائي للاستبطان، ويظل ممسوساً بقوى مجهولة".

كل من يختبر تجربة التأمل لفترة طويلة يعرف أن الخوف لا مكان له في جسد وعقل الإنسان الفيزيائي، إلا التهديد الجسدي المباشر، هو حالة ثقافية وسياسية، ويمكن أن تخلق من خلال التأمل فجوة واسعة بين تعاملك مع تحديات الحياة، وبين استجابتك النابعة من الخوف

الخوف من الله

تنتمي تجربتي تلك إلى السحر البدائي، بحسب كتاب "بخور الآلهة" و"الساحر" لفيليب كوبر، الذي يرى، بل ويشرح، تقنيات ذلك السحر، أن الإنسان ما قبل الحضارة كان يختبر حالات روحانية بشكل مباشر، دون الرجوع إلى رجل الدين، ولكن المصريين القدماء ونظراءهم أرادوا أن يؤسسوا حضارة مركزية، ولم يكونوا يمتلكون جهازاً بوليسياً قادراً على ضبط الناس، فاستثمروا خوف الإنسان من المرض والموت، إذا أصاب الناس وباء، أو ابتليت بمرض، فهو بسبب عصيانك للإله الذي لا تعرفه إلا عن طريق الكاهن الذي يعينه الفرعون، أو القس الذي يعينه الملك، أو الشيخ الذي يعينه الخليفة.

كل من يختبر تجربة التأمل لفترة طويلة يعرف أن الخوف لا مكان له في جسد وعقل الإنسان الفيزيائي، إلا التهديد الجسدي المباشر، هو حالة ثقافية وسياسية، ويمكن أن تخلق من خلال التأمل فجوة واسعة بين تعاملك مع تحديات الحياة، وبين استجابتك النابعة من الخوف.

أفكر في كل تلك الكلمات، وأتساءل: هل هناك علاقة بين اختيارات أصدقائي وزملائي، واختياراتي أنا أيضاً النابعة من الخوف، خافوا من الوحدة فتزوجوا، خافوا من الفشل فتمسكوا بوظائفهم الحكومية، خافوا من الخيانة فتجنبوا الحب، وبين الأنظمة الاستبدادية التي نعيش في كنفها.

وأتساءل بخوف شديد: هل خوفنا من فيروس كورونا يمكن أن يشكل أو يساهم في تشكيل نظام سياسي واقتصادي واجتماعي جديد؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard