تحالفٌ ممتدٌ منذ عام 1945... أزمة النفط الحالية تُهدّد ما أسّسه روزفلت مع الملك عبد العزيز

الجمعة 24 أبريل 202007:33 م

يمر التحالف السعودي الأمريكي الذي يوصف بأنه "زواج كاثوليكي"، ممتد منذ أكثر من 75 عاماً، بمنعطف هو الأخطر في تاريخه، بعدما اتهم أعضاء في الكونغرس المملكة بالمشاركة في حرب اقتصادية ضد الولايات المتحدة.

في آذار/مارس الماضي، قرّرت السعودية رفع إنتاجها من النفط إلى 13 مليون برميل، ما أدى إلى انهيار الأسعار في ظل تراجع الاستهلاك وحدوث فائض كبير في السوق، نتيجة الشلل الاقتصادي الذي ضرب العالم بسبب أزمة كورونا.

أصاب هبوط الأسعار القطاع النفطي في الولايات المتحدة بأكبر انتكاسة في تاريخه، إذ باتت مئات الشركات غير قادرة على الإنتاج لأن تكلفة استخراج النفط الأمريكي عالية للغاية مقارنة بنظيره السعودي.

وعليه، بدأت ملايين الوظائف التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتفاخر بتوفيرها تتلاشى بوتيرة غير مسبوقة، حتى تناقلت وسائل الإعلام أن مئات الشركات العاملة في قطاع النفط على وشك الإعلان عن إفلاس جماعي لها.

يُحمّل الأمريكيون السعودية المسؤولية عن انهيار أسعار النفط، بعدما أغرقت الرياض السوق بملايين براميل النفط في ظل تراجع الاستهلاك في العالم إثر أزمة كورونا.

في 17 نيسان/أبريل، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن 50 مليون برميل من النفط السعودي، في طريقها للولايات المتحدة، في أسوأ إغراق للسوق الأمريكي.

وحذر كايل باس، مدير ومؤسس شركة Hayman للاستثمارات، من أن "السعوديين والروس يشنون حرباً ضد شركات الطاقة الأمريكية".

وقال باس: "الخزانات ممتلئة… لدينا أكبر وفرة من النفط في التاريخ، ولا يزال السعوديون يرسلون لنا قنبلة نفطية قوامها خمسين مليون برميل. فما مدى سلبية ذلك على أسعار النفط في حزيران/ يونيو المقبل؟".

وقال السيناتور الأمريكي تيد كروز، في تغريدة 22 نيسان/أبريل، "رسالتي إلى السعوديين، أديروا ناقلاتكم إلى الوراء بحق الجحيم".

وأشار كروز إلى أن كميات النفط السعودية القادمة إلى أمريكا تعادل سبعة أضعاف كميات النفط الذي يتدفق شهرياً إلى الولايات المتحدة، مضيفاً أن "ملايين الوظائف في الولايات المتحدة باتت في خطر".

لذلك، تدرس الإدارة الأمريكية منع النفط السعودي من التدفق إلى الولايات المتحدة أو فرض تعرفة جمركية عليه، في تصعيد قوي ضد قطاع الطاقة السعودي.

الكونغرس توحد ضد السعودية

في الشهر الماضي، أبلغ عدد من أقوى حلفاء المملكة التاريخيين في الكونغرس، سفيرة السعودية في واشنطن ريما بنت بندر أن العلاقات بين البلدين ستتغير وسوف يتخذون إجراءات عقابية ضد الرياض بسبب إغراقها سوق النفط.

وكشف تيد كروز أن" السفيرة دافعت عن بلادها بالقول إن روسيا هي من تقوم بذلك"، وأضاف أن "ردي كان أن روسيا ليست صديقتنا ونتعامل معهم وفق ذلك ونعرف أن نواياهم تجاهنا خبيثة ومن المفترض أن السعودية صديقتنا. نحن حلفاء عسكريون ودبلوماسيون، بينما لا تتصرفون كأصدقاء، لأنكم تحاولون تدمير آلاف المشاريع الصغيرة في تكساس والبلاد".

يعتقد كثير من المحللين الأمريكيين أن التحالف التاريخي الذي أبرمه الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت مع مؤسس الدولة السعودية الملك عبد العزيز آل سعود عام 1945 بات على وشك الانهيار

تتركز معظم صناعة النفط الأمريكي في ولايات تكساس ونورث داكوتا ولويزيانا، والتي يمثلها أعضاء من الحزب الجمهوري، منهم تيد كروز أحد أكبر حلفاء ترامب.

وباتت الآن علاقة المملكة بالحزب الجمهوري، المسيطر على مجلس الشيوخ، في وضع حرج، بسبب ما يسمونه بـ"الحرب السعودية" على الاقتصاد الأمريكي.

وكانت علاقة السعودية مع الحزب الديمقراطي الذي يهمين على مجلس النواب، قد مرّت بمرحلة سيئة بسبب قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي وتقارب ولي العهد محمد بن سلمان مع ترامب.

وحاول الحزب الديمقراطي معاقبة السعودية مراراً على خلفية انتهاك حقوق الإنسان واستمرار حربها في اليمن، لكن هذه المحاولات اصطدمت دائماً بالحزب الجمهوري المعروف بدعمه التاريخي للمملكة.

في 23 نيسان/أبريل، قال السيناتور الجمهوري عن ولاية نورث داكوتا كيفين كرامر: "لقد واجهت صعوبة في شرحي للناخبين لماذا ننفق المال ونخاطر بحياتنا للدفاع عن بلد (السعودية) يتصرف معنا هكذا الآن... لقد أصبح من الصعب للغاية الدفاع عنهم".

هل يسقط التحالف السعودي الأمريكي؟

يعتقد كثير من المحللين الأمريكيين أن التحالف التاريخي الذي أبرمه الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت مع مؤسس الدولة السعودية الملك عبد العزيز آل سعود عام 1945 بات على وشك الانهيار.

وفقاً لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، كانت أساسيات هذا التحالف تقوم على ضمان تدفق النفط إلى الولايات المتحدة مقابل دفاع واشنطن عن المملكة.

إلا أن هذه المعادلة تبدلت، فلم تعد واشنطن تعتمد، كما في الماضي، على النفط السعودي، بل تريده منعه حالياً أو فرض تعرفة عليه، حتى تحافظ على شركاتها، وبالتالي ليس هناك حاجة للالتزام بالدفاع عن المملكة.

في تصريحات للمجلة، قال المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لمدة 30 عاماً بروس ريدل: "الشيء الوحيد الذي يربط السعودية بالولايات المتحدة الآن هو ترامب".

وترى المجلة أن ترامب يمكن أن يغادر البيت الأبيض نهاية هذا العام، في حال فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

هل يمكن تجاوز هذه الأزمة؟

سبق للسعودية أن أشهرت سلاحها النفطي في وجه الولايات المتحدة، خصوصاً في عام 1973، حين فرض الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز حظراً على تصدير النفط تضامناً مع مصر في حربها لتحرير سيناء من إسرائيل.

في ذلك الوقت، ناقش هنري كيسنجر، وكان يشغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، فكرة القيام بعمل عسكري ضد السعودية، لكن تمكن البلدين في نهاية الأمر من حل هذا الخلاف لأن واشنطن كانت في حاجة للنفط القادم من المملكة.

ومع ذلك، تقول "فورين بوليسي" إن هذه الأزمة زرعت في عقول الأمريكيين فكرة أن السعودية ليست شريكاً يمكن الوثوق به.

في عام 1979، أطاحت الثورة الإسلامية بالشاه الإيراني رضا بهلوي، وباتت طهران على عداوة مع واشنطن، فعادت السعودية لتعزّز مكانتها الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة كشريك في مواجهة إيران.

حينذاك، أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أن حماية إمدادات النفط في الخليج العربي- وعلى الأخص إمدادات السعودية- محور السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.

كما أدى تعطل صناعة النفط في إيران، بفعل العقوبات الأمريكية، إلى جعل السعودية لاعباً أكثر أهمية في سوق النفط العالمية.

في 11 أيلول/سبتمبر2001، وبعد الاعتداء الذي شارك فيه سعوديون على مركز التجارة العالمي، انقلب الرأي العام في الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق ضد المملكة، ما أدى إلى استياء القيادة السعودية من رد الفعل الأمريكي.

ولا تزال تداعيات هذه الأزمة مستمرة حتى الوقت الحالي، بعدما أقر الكونغرس بالإجماع تشريعاً سمح برفع دعاوى قضائية تُلزم المملكة بدفع تعويضات لعائلات ضحايا هجمات 11 أيلول/سبتمبر.

وعندما بدأت الثورات العربية، أثار موقف الإدارة الأمريكية من الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك استياءاً عميقاً لدى السعودية.

والأسوأ من ذلك، بالنسبة للرياض، كان ترحيب الولايات المتحدة بتولي محمد مرسي- عضو جماعة "الإخوان المسلمين" التي تعتبرها السعودية تنظيماً إرهابياً - رئاسة مصر.

وحين تطورت الأمور في سوريا، دعت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إلى إنهاء العنف وتنحي الرئيس بشار الأسد، لكنها بالنسبة للمملكة، لم تفعل شيئاً كبيراً في هذا الصراع الذي اعتبره السعوديون نواة قلقهم الأمني، وفقاً لـ"فورين بوليسي".

في ذات الوقت، كان السعوديون يشعرون بغضب كبير أيضاً من موافقة الإدارة الأمريكية على تولي نوري المالكي، أحد حلفاء إيران، رئاسة حكومة العراقية.

التحالف الأمريكي السعودي تعرض لعدد من الانتكاسات، منذ حظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة عام 1973، وفي كل مرة كانت الأمور تعود لتتحسن لدواعٍ أمنية واقتصادية… هل تنجح واشنطن والرياض في تخطي الخلاف هذه المرة؟

شعر السعوديون بإحباط أكبر حين وقّعت إدارة أوباما على الاتفاق النووي مع إيران، ما سمح لطهران بالحصول على مليارات الدولارات المجمدة في البنوك الأمريكية، والتي حسب السعودية وظفتها لخدمة سياستها المعادية في المنطقة.

وتنقل "فورين بوليسي" عن مسؤول أمريكي سابق في إدارة أوباما قوله إن القلق السعودي لم يكن يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، لكنهم كانوا يريدون الضغط على طهران لتعديل سياستها في العراق وسوريا واليمن، ولم تفعل واشنطن ذلك.

مع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد الحكم عام 2017، تعهد بانتهاج سياسة متشددة ضد إيران، فألغى الاتفاق النووي، وأعاد فرض العقوبات بشكل أكثرة صرامة على طهران.

بدأت السعودية، مع تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد، في بناء جسور قوية مع إدارة ترامب، وخاصة عبر صهر الرئيس جاريد كوشنر، على حد قول المجلة الأمريكية.

ومع ذلك، حين تعرضت ناقلات النفط بالقرب من الخليج العربي في صيف 2019، لهجمات إيرانية، كان رد ترامب أن طالب اليابان وكوريا الجنوبية بحماية سفنهم.

في خريف العام نفسه، تعرضت منشآت نفط سعودية رئيسية لهجوم، قيل إن إيران قامت به، ما أوقف ما يقرب من 5 % من إنتاج النفط العالمي. وكان رد الولايات المتحدة أن غرّد ترامب مستهجناً الهجوم، ثم طالب السعودية بدفع الكثير من الأموال لواشنطن مقابل الحماية.

في نهاية المطاف، يعتقد خبراء أن العلاقات الأمريكية السعودية، ستتغلب على العاصفة الحالية، كما فعلت دائماً، بسبب حاجة واشنطن لدولة كبيرة وغنية ومعادية لإيران، وتخدم مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، قال بلال صعب، المحلل في معهد الشرق الأوسط والمستشار السابق لقضايا الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأمريكية، لـ"فورين بوليسي": "من الصعب حقاً، وغير متصور، أن يتم التفكير في انهيار العلاقات بين البلدين أو أن يحدث طلاق بينهما".

في المقابل، قال ريدل: "هذه المرة لسنا بحاجة بعد الآن للسعوديين، هذه الأزمة تأتي في بيئة جيوسياسية مختلفة تماماً عن الأزمات السابقة". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard