بدأها العثمانيون وكرّسها القذافي ثم استغلها حفتر... قصة قبيلة التبو الطويلة مع التمييز العرقي

السبت 25 أبريل 202010:37 ص

ندّدت رابطة أهالي الضحايا والمختفين قسرياً من أقلية التبو العرقية غير العربية في ليبيا، في 23 نيسان/أبريل، بالانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية بحق أفرادها في مدينة مُرزق (أقصى جنوب ليبيا)، داعيةً المنظمات الحقوقية إلى الاهتمام بقضيتهم ومساعدتهم على تحقيق العدالة.

والتبو أقلية عرقية تعيش في مناطق عدة من السودان والنيجر وتشاد وجنوب ليبيا. وكثيراً ما شكوا حرمانهم من الوثائق التي تثبت جنسيتهم الليبية خلال فترة حكم معمر القذافي، وكذلك التعرض لعمليات إخلاء قسري واعتقال تعسفي.

وعقب سقوط القذافي، تحديداً منذ عام 2012، اندلعت نزاعات مسلحة بين التبو وقبائل عربية في بعض المدن الجنوبية.

"لا تسوية على الدم"

في بيانها، أفادت رابطة أُسر ضحايا مُرزق من التبو بأنه "استجابة لنداء أولياء الدم والجرحى والمفقودين والمتضررين نفسياً ومادياً خلال العدوان العنصري الممنهج على مدينة مرزق، خلال الفترة الممتدة من شباط/فبراير حتى آب/أغسطس من العام 2019، تؤكد الرابطة أن دماء أبنائنا وأهلنا ليست محل متاجرة".

قصد البيانُ الهجومَ الصاروخي الذي أسفر عن مقتل 43 من التبو وتبناه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لاحقاً، زاعماً أنه استهدف "تجمعاً للمرتزقة المناوئين له"، فيما ترتبت على الهجوم أعمال عنف في المدينة أسفرت عن مقتل نحو 20 شخصاً وجرح العشرات.

ورفض بيان الرابطة التيباوية "أي تسوية قادمة من الشرق بقيادة قوات الكرامة المدعومة من بعض قبائل الجنوب والقبائل المرتزقة" في ما يتعلق بـ"جرائم القتل وحرق البيوت وسرقة الممتلكات واستهداف مباشر لمكون بعينه وهو التبو"، واعتبر جميع الذين يغامرون بذلك "عباد مال ومتاجرين بكرامة القبيلة وسعاة إلى تسويات مشبوهة ومبهمة".

وطالب البيان بالكشف عن مصير 30 من أبناء التبو تعرضوا للاختفاء القسري قبل عام، كما حثّ المنظمات الحقوقية على مساعدتهم في "كشف النقاب عن حقيقة ما جرى في مرزق وما تعرض له مكون التبو أمام الرأي العام المحلي والدولي وأمام القضاء، ورد الاعتبار، وتوثيق تلك الجرائم والانتهاكات ضد الإنسانية وتحديد المسؤولية الأخلاقية والقانونية".

"فظائع وانتهاكات برعاية حفتر"

تواصل رصيف22 مع الناشط الحقوقي التيباوي حسن كدنو الذي أوضح أن الوضع في مُرزق "ليس مستقراً منذ قصف العام الماضي"، لافتاً إلى أن المدينة التي تسكنها غالبية عربية ونحو 35% من التبو، تمثل أهمية إستراتيجية كبيرة لقبيلته.

"بعد حوادث القتل والإخفاء القسري"... التبو يشكون التمييز العرقي وينشدون الدعم الحقوقي ضد حفتر ويرفضون تسوية مع الإمارات إثر "ثبوت تورط طائرة إماراتية في قصف مدينة مرزق"

وأضاف: "في كانون الثاني/ يناير 2019، أعلن حفتر تحرير الجنوب بدءاً من مدينة سبها. كان موقف التبو واضحاً منذ وصول قوات حفتر إلى المدينة، فيما وَقَف خصوم التبو التقليديون (قبائل أولاد سليمان) معه. وقتها، وتحاشياً لأي صدام مع قوات حفتر أو أولاد سليمان، قال تبو سبها إن لا مشكلة لديهم مع حفتر وسلموا أسلحة بسيطة كانت لديهم".

"لكن حفتر أعلن في شباط/فبراير من العام الماضي عملية عسكرية ضد مرزق، معقل التبو، بعدما رفضوا في بيان تدخّله في الجنوب ودعموا الدولة المدنية ضد العسكرة. ونجح بالفعل خلال أيام في دخول المدينة وفرض سيطرته عليها"، حسب ما ذكّر كدنو.

وأضاف: "ارتُكبت حينذاك فظائع بحق التبو، شاركت فيها كتائب مسلحة عدة من خصومهم التقليديين، مثل كتيبة 128 وكتيبة مسعود جدي. وكان حفتر قد استغل هذه الخصومة في هجومه ضد مرزق، فتم حرق 93 منزلاً، وسرقة نحو 300 حوش، فيما بلغت الخسائر نحو 300 مليون دينار ليبي".

بعد انسحاب قوات حفتر وترك قوة قليلة في المدينة، اندلعت المناوشات بين الأهالي والتبو حتى آب/أغسطس، بحسب كدنو.

غير أن تطوراً أسوأ وقع بعد قصف "طائرة إماراتية مسيرة داعمة لحفتر منزلاً يضم تجمعاً ضمن احتفالات زفاف (تستمر سبع ليالٍ لدى التبو)، على خلفية معطيات مخطئة لقوات حفتر بأن ذلك التجمع مناوئ لقوات الكرامة يخطط للهجوم ضدها"، والحديث لكدنو.

"حاول القذافي استخدامهم أثناء حرب تشاد. وبعد انتهاء الحرب جرّد الكثيرين منهم من جنسياتهم ومارس عليهم التمييز العرقي والتهجير القسري بشكل ممنهج".

وتابع: "الطائرة عاودت القصف ثلاث مرات، في الأولى أصابت موقع الزفاف (خلّف 22 ضحية) وفي الثانية أصابت مدرسة قرآنية قريبة راح ضحية الغارة ثلاثة أطفال (بينهم نجل شقيقة كدنو)، وفي الثالثة استهدفت مستشفى مرزق (راح ضحية الغارة ثلاثة ممرضين)... بلغ إجمالي الضحايا 43 وكان وقع الحادث صعباً على التبو إذ لم يشهدوا مثيلاً له منذ 130 عاماً".

ويعترف الناشط الحقوقي بأن رد فعل التبو على الهجوم كان عنيفاً واستمر أسبوعين، وأسفر عن قتلى وجرحى ونزوح في صفوف الجانبين.

الإمارات تتدخل

قال كدنو إن الإمارات تدخلت على خط الأزمة في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، باستدعاء عدد من قيادات التبو للتفاوض معهم في الإمارات وإنهاء الأزمة، موضحاً أن ذلك جاء بعد "صدور تقرير من مجلس الأمن يؤكد فيه ثبوت تورط طائرة إماراتية من دون طيار في قصف مرزق".

ولفت إلى أن وجهاء من التبو زاروا الإمارات برغم رفض فريق واسع منهم هذا الأمر، لتنتهي المفاوضات قبل أسبوعين برفض التبو الشروط والمطالب الإماراتية.

وكان العرض الإماراتي للتسوية، بحسب كدنو، قد تضمن: "أولاً، إيقاف التحريض الإعلامي على التبو ووصفهم بأنهم مرتزقة تشاديون (كما جرى تصويرهم في وسائل إعلام إماراتية وليبية مدعومة من الإمارات). ثانياً، إيقاف العمليات العسكرية في المدينة. ثالثاً، إرسال وفد من شرق ليبيا يضمّ شيوخ قبائل وأعياناً لترسيخ الاتفاق. رابعاً، تكليف كتائب موالية لحفتر تأمين مرزق لمدة ستة أشهر (كتيبة خالد بن الوليد، كتيبة طارق بن زياد، كتيبة التمركزات الأمنية، وكتيبة درع الصحراء. وهي متورطة في الجرائم)، على أن تُستحدث لاحقاً كتيبة لتعويضها يقودها تباوي. خامساً، تولي الإمارات صرف تعويضات للمتضررين".

وكانت قيادة عمليات الكرامة قد أوفدت لجنة عسكرية تابعة لها إلى المدينة لتقصي حقائق الأحداث، ومعها مبالغ مالية كبيرة لمنح المصابين وذوي القتلى التعويضات (25 ألف دينار ليبي لكل قتيل). وهو الأمر الذي رفضه بيان الرابطة.

"التمييز العرقي الممنهج ضد التبو بدأ مع تجنب ذكر المجازر التي حصلت لهم أثناء فترة الاستعمار العثماني بالتعاون مع بعض قبائل العرب في الجنوب الليبي"

يوضح كدنو أن سبب غضب أهالي الضحايا هو ادعاء اللجنة التابعة لحفتر "الحياد" برغم اعتراف قوات حفتر بتبني الهجوم، لافتاً إلى أن الأهالي يسعون إلى تجهيز ملف للقضية بمساعدة الجماعات الحقوقية مثل منظمة "الأمان لمناهضة التمييز العنصري" التي تبنّت القضية منذ البداية.

تمييز منذ العهد العثماني

في سياق متصل، قال الباحث الاجتماعي الليبي عبد الرحمن زايد لرصيف22 إن "‘الجنوب المُهمّش‘ من أكثر الجمل تداولاً في ليبيا. لكن لا يدرك معظم سكان الشمال معناها وخلفيتها التاريخية"، لافتاً إلى أن "التمييز العرقي الممنهج ضد التبو بدأ مع تجنب ذكر المجازر التي حصلت لهم أثناء فترة الاستعمار العثماني بالتعاون مع بعض قبائل العرب في الجنوب الليبي".

وأضاف: "في الوقت الذي تجد فيه عرباً ليبيين ينفون وجود مشاكل عرقية في الجنوب، تجد ذلك الأب التباوي الذي يلقن أبناءه أن اسم المدينة الحقيقي هو ‘تازر‘ وليس ‘الكفرة‘ كما سُمّيت لاحقاً".

وتابع زايد: "من حقبة المملكة الليبية مروراً بجماهيرية القذافي وصولاً إلى ثورة فبراير (شباط عام 2011 التي أطاحته)، لم يتم اعتبار التبو عرقاً مساوياً للعرق العربي، بل حاول الجميع استخدامه وقت الحاجة، وشيطنته ومحاربته كلما طالب بحقوقه، كما حصل في عهد القذافي".

وزاد: "حاول القذافي استخدامهم أثناء حرب تشاد. وبعد انتهاء الحرب جرّد الكثيرين منهم من جنسياتهم ومارس عليهم التمييز العرقي والتهجير القسري بشكل ممنهج".

وتابع: "بعد اندلاع ثورة فبراير ومشاركة التبو فيها، بدأ النزاع المسلح داخل المدن التي شارك فيها التبو مع العرب. وعقب ظهور خليفة حفتر في المشهد الليبي وإنشاء ما يسمى بالجيش العربي الليبي بدأ صراع آخر في الأزمة العرقية".

يشير الباحث الاجتماعي الليبي بذلك إلى "انقسام التبو بين مؤيد لحفتر ومعارض له، وهذا ما جعل التبو المعارضين مستهدفين من قوات حفتر، وأدى إلى الكثير من المجازر قضى خلالها العشرات منهم في مرزق وأم الأرانب (جنوب غربي البلاد). وزاد الإخفاء القسري لعدد منهم في مرزق من اشتعال فتيل الحرب الأهلية بين التبو وبقية الأعراق المستقرة في المدن التي يسيطر عليها الجيش العربي الليبي".

يقدّر زايد محاولات حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دولياً، إعطاء التبو بعضاً من حقوقهم المسلوبة، مثل حق تعلم اللغة التباوية في المدارس التي تقع في المدن ذات الأغلبية التباوية، لكنه لا يستبعد احتمال إلغاء هذه القرارات مستقبلاً لا سيما أنها لم تَرد في مسودة الدستور الأخيرة.

ولا تزال الأقليات العرقية في ليبيا، مثل الأمازيغ والتيباوية، محرومة في بعض المناطق من إطلاق أسماء غير عربية على أبنائهم برغم وجود تعميم رسمي يسمح بذلك.

أخطاء التبو بين الانقسام والتصعيد

حسب زايد، يتحمّل التبو جزءاً من المسؤولية في تدهور أوضاعهم، كـ"أولئك الذين فقدوا الأمل في إنقاذ هويتهم أو في أن الشمال قد ينصفهم ويسمح بقيام دولة عادلة تحترم التعددية العرقية، فاتجهوا إلى الخيار العربي ونصرة الجيش العربي الليبي (بقيادة حفتر) ليحجزوا مكاناً في دولته".

"التيباوية المنضوون تحت لواء حفتر أصبحوا حلقة وصل بين حفتر من جهة، والمرتزقة التشاديين والمعارضة التشادية من جهة أخرى".

وأضاف: "التيباوية المنضوون تحت لواء حفتر أصبحوا حلقة وصل بين حفتر من جهة، والمرتزقة التشاديين والمعارضة التشادية من جهة أخرى، وهذا ما جعل ‘الوفاق‘ تتهم التبو الموالين لحفتر بتأجيج الصراع عبر إمداده بالمرتزقة".

ولفت زايد إلى الاختلاف الأيدولوجي الذي نشأ بين التبو الموالين لحفتر والموالين للوفاق الذين وصفوهم بـ"المستعربة".

بموازاة ذلك، دلّ زايد على خطأ ثانٍ هو تصعيد التبو الصراع داخل مُرزق بعد الضربة الجوية التي قتلت عدداً منهم، مبيّناً أن المدينة تحولت بعد الهجوم ساحة حرب حقيقية بين الأهالي (من العرق العربي) والتبو، قتل خلالها أطفال ونساء من الطرفين، ونجم عنها تهجير عائلات عدة من الجانبين.

الجدير ذكره أن "منظمة العفو الدولية" كانت قد حذّرت، في 20 نيسان/أبريل الجاري، من "التمييز التاريخي المجحف بحق الأقليات العرقية في الجنوب الليبي مثل التبو والطوارق لأنه يهدد الحق في الصحة وحصول أفراد هذه الأقليات على الرعاية الصحية الضرورية في ظل أزمة تفشي فيروس كورونا".

ونقلت المنظمة عن التبو في سبها، أكبر مدن جنوبي غربي ليبيا، أنهم تجنبوا الذهاب إلى المستشفى الرئيسي في المدينة لوقوعه تحت سيطرة القبيلة العربية المنافسة (أولاد سليمان). وسبق أن أبلغ رجال من التبو عن تعرضهم في السنوات السابقة لاعتداءات بدنية وعمليات اختطاف وحتى محاولات قتل لدى ذهابهم إلى المستشفى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard