"سلطة الجمال مثل سلطة رجال الدين"... صاحبات الشعر المجعّد ينتفضن ضد التنميط

الخميس 23 أبريل 202010:53 ص

يتتبّع فيلم "السود في ألمانيا" حياة مقدّمة البرامج يانا بارايغز، وهي ألمانية من أصول إفريقية. تبدأ يانا بالحديث عن تعرّض السود في ألمانيا للعنصرية والتمييز، وكيف أن البعض تصيبه الدهشة عندما يعرف أن شخصاً أسود يمكن أن يكون ألمانياً.

تذهب يانا في معرض لقائها شخصيات ألمانية من أصول إفريقية إلى صالون تجميل للحديث عن التنمّر الذي يتعرّض له الأفارقة بسبب طبيعة شعرهم المجعّدة، وهو يساوي التنمّر الذي يتعرّضون له بسبب لون بشرتهم، وتتساءل: "هل صحيح أن شعر السود مسيّس، وهو يشبه انتماءً سياسياً؟ وأن شعر السود خشنٌ وبلا عناية ولا يتماشى مع عالم الأعمال؟".

تقول مؤسِّسة "حركة الشعر المجعَّد" إستر دونكور إن الشعر الإفريقي ليس له مكانة في المجتمع الألماني فهو ليس من مقوّمات الجمال، وتضيف: "التقيت بنساء كثيرات في مجال المحاماة والأعمال واجهن عوائق بسبب طبيعة شعرهنّ... تخيّلوا مثلاً ألّا تحصل امرأة أوروبية على وظيفة لأن شعرها مجعّد أو غير مرتّب بحسب وصفهم؟".

وحركة الشعر المجعّد هذه ليست حركة جمالية، بل حركة تدعو إلى أن تكون صاحبات الشعر المجعّد على طبيعتهنّ وحسب بدون أن يسبب ذلك أي إزعاج أو متاعب لهنّ.

تبدّل معايير الجمال

تتبدّل معايير الجمال دائماً، وتختلف حسب الأزمنة، وبالطبع تلعب الأساليب الدعائية التي تقدّمها شركات التجميل دوراً يحدّد هذه المعايير ويكرّسها.

لطالما اعتُبر الشعر الأملس من مقوّمات الجمال، وهو الذي يوصَف بأنه كالحرير، وما أكثر الإعلانات التي تسوّق لمنتجات قادرة على تحويل الشعر المجعّد إلى شعر ناعم، بينما يوصف الشعر المجعّد بأنّه كالـ"سيفة" أي بشع وخشن.

في مراهقتي، واجهت شخصياً هذه التعليقات، وأخرى مثل أن شعري يشكّل ملاذاً آمناً للحشرات لكثافته، وكانت جدّتي دائماً تحثّني على تمشيطه وربطه كي يبدو مرتباً ولائقاً، وكي أخفي تجعّداته وحجمه الكبير.

أطلقت مدربة التربية الإيجابية مايا عز الدين بربر (38 عاماً) منذ سنة مجموعة على فيسبوك (CGM: Curly girls method) تُعنى بطريقة الاهتمام بالشعر المجعّد، وقد ساعدتني هذه المجموعة على استرداد ما تبقّى من شعري المتضرّر بسبب تعرّضه الدائم للحرارة وأدوات التمليس والصبغة.

أسّست مايا هذه المجموعة بعد فترات طويلة من القراءة حول طريقة الاهتمام بشعرها لأنها فقدت تجعداته، ورغبت بمشاركة طريقة العناية به مع فتيات أخريات.

تشارك الفتيات في هذه المجموعة تجاربهنّ مع المنتجات ويشاركن صورهنّ ويقدمنّ نصائح لبعضهنّ البعض للحصول على تموّجات أجمل، وقد لفتني أن أكثر من فتاة شاركت تعرّضها للتنمّر في طفولتها بسبب شعرها المجعّد.

تحجبّت لتخقي شعرها

تقول زينب حدرج، وهي شابة لبنانية خريجة كلية الفنون وتعمل في مجال تصميم الغرافيكس، لرصيف22 إنها تعرّضت في طفولتها للكثير من التنمّر والكلام الجارح، والتعليقات بسبب طبيعة شعرها، وهذا ما دفعها إلى ارتداء الحجاب.

"تحجّبتُ للتخلّص من التعليقات، الأمر الذي خلّصني من تنمّر الآخرين على شعري. أهملت نفسي وشعري علماً أنّه جزء منّي".

"في مراهقتي، واجهت تعليقات مثل أن شعري كـ"السيفة"، أي بشع وخشن، ومثل أنه يشكّل ملاذاً آمناً للحشرات لكثافته. وكانت جدّتي دائماً تحثّني على تمشيطه وربطه كي يبدو مرتباً ولائقاً، وكي أخفي تجعّداته وحجمه الكبير"

قرّرَت زينب بعد مدّة خلع حجابها وقصّ شعرها قصيراً، وقررت أن تحبّ نفسها كما هي، أي على طبيعتها. وبالرغم من هذه الخطوة، إلا أنها حاولت مجدداً التخلّص من تموجات شعرها من خلال "الكيراتين"، وهو عبارة عن مواد تسمح للشعر بأن يبقى ناعماً لأكثر من شهر. احتاجت وقتاً طويلاً لتتصالح تماماً مع تموّجات شعرها، من دون أن تقوم بمحاولات لتغييرة وإخفاء طبيعته.

سنوات من البكاء

تروي أفراح مروّة، وهي طالبة أدب عربي في الجامعة اللبنانية، لرصيف22 أنها كرهت شعرها لفترات طويلة ولم تكن تشعر بأنه جزء منها. عانت منه لعدة أسباب، منها ما يعود إلى نظرة المجتمع لصاحبات الشعر المجعّد على أنهنّ غير مرتبات و"منفوشين"، ومنها الضغط الدائم عليها كي تسرّحه ليبدو ناعماً.

حاولت أفراح معاملة شعرها على أنه أملس، وبعد سنوات من البكاء في طفولتها قبل ذهابها إلى المدرسة وبعد سنوات من معاناتها في مراهقتها في محاولة تمليس شعرها من خلال كل أدوات الكيّ والتمليس، وبعد نفورها منه شيئاً فشيئاً، تعرّفت أخيراً على كيفية الاعتناء به بطريقة صحيحة.

تقول أفراح إن الفتاة تحمل تجربة المعاناة مع شعرها في كل مراحل حياتها، وتتعرّض لكلام مؤذٍ يدفعها لأن تفعل المستحيل كي يطابق شكلها معايير المجتمع، وتنفق أموالاً ومجهوداً، وكل ذلك ينتهي بإتلاف شعرها، بينما هي قادرة على استثمار هذه الطاقة في الاعتناء بشعرها الطبيعي.

وتضيف: "بعد كل هذه المعاناة أقنعتني صديقة باتباع خطوات معيّنة تعيد التموجات للشعر، وكانت واحدة من أهم التجارب. تحسّن شعري يوماً بعد يوم. أعطيته وقتاً أكثر، وأنا اليوم أحبّه وأصبح يمثّل جزءاً من شخصيتي ومستعدة أن أضحّي بأمور كثيرة مقابل الاهتمام به".

الشعر المجعّد محظور

عام 2016، تظاهر طلاب مدرسة بريتوريا الثانوية للبنات في جنوب إفريقيا ضد قرارات المدرسة التي اعتبرت أن الشعر المجعّد علامة على عدم التهذيب، وكانت إدارة المدرسة قد وزّعت على الطالبات ذوات الشعر المجعد أدوات لتمليسه وتصفيفه، على أساس أن شعرهن غير مطابق لقواعد المظهر في المدرسة.

في كتابها "أسطورة الجمال"، شبّهت الكاتبة النسوية الأمريكية نيومي وولف سلطة الجمال بسلطة رجال الدين، واعتبرت أن الجمال "مؤلم" لأنه يستحيل أن تصل النساء إلى الصور المثالية التي تطرحها المجلات والإعلانات

وقّع الطلاب عريضة ضد هذه السياسة، عليها أكثر من ألف توقيع، بعد أن قيل لفتاة ذات شعر مجعد إن شعرها يؤثر على التعليم في الصف. وأكّد الطلاب رفضهم لحظر الشعر المجعّد من قبل الإدارة، ورفعوا شعار "من حقنا أن نُبقي على طبيعة شعرنا". وبعد هذا الاحتجاج شاركت الكثيرات من النساء الإفريقيات تجاربهنّ مع التمييز الذي تعرّضن له في هذه المدرسة وفي أماكن أخرى.

في كتابها "أسطورة الجمال" الصادر عام 1991، تناولت الكاتبة النسوية الأمريكية نيومي وولف الجمال بوصفه أداة للسيطرة على النساء، إلى جانب أدوات أخرى، وتحدثت عن كيف أن معايير الجمال المثالي الموضوعة شكّلت عائقاً جديداً أمام النساء اللواتي تخطّين بعض أشكال السلطة المفروضة عليهنّ، إلا أنّهن وقعن تحت رحمة سلطة الشكل والجمال والنحافة.

وشبّهت وولف سلطة الجمال بسلطة رجال الدين، معتبرة أن هذه العوائق شكل من أشكال العنف، لذلك فالجمال "مؤلم" لأنه يستحيل أن تصل النساء إلى الصور المثالية التي تطرحها المجلات والإعلانات.

واليوم، وبالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي أبرزت نساء مؤثرات يعرضن جمالهنّ "المثالي"، إلا أنّها أيضاً منحت صوتاً لمَن لم يكن لهم صوت، فهي وسائل مفتوحة على كل الاحتمالات والمحتويات، وكل شخص قادر أن يخلق لنفسه منبراً يعبّر من خلاله عن نفسه، لذلك شكّلت منصّة لكثيرات لطالما اعتُبرن غير مطابقات للمواصفات، لصاحبات البشرة السوداء، وذوات الشعر المجعّد، للمحجبات في عالم الجمال، للفتيات المصابات بالبهاق وغيرهنّ كثيرات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard