"التسريح" من كورونا… هل تنتهي الحروب؟

الجمعة 24 أبريل 202010:13 ص

"في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 انتهت الحرب على الجبهة الغربية، لكن لم تنته بالنسبة للرجال والنساء الذين انقلبت حياتهم من الحرب وحولتهم"، يكتب المؤرخ برونو كابانيس، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة ييل، في كتابه "الحرب الكبرى وأصول الإنسانية"، متى تنتهي الحروب؟ غالباً ما يسأل العسكريون أنفسهم هذا السؤال في جميع النزاعات تقريباً، عندما يتساءلون عما يفسّر هزيمة أو انتصار طرف، لماذا يقبل طرف بالاستسلام؟ وهل تنتهي الحرب فعلاً باستسلام طرف ما؟ يكمل برونو كابانيس تساءله، ويجيب نفسه بأن الحروب، ببساطة، لا تنتهي أبداً.

اليوم، والبشرية تخوض واحداً من أعتى حروبها ضد عدو مجهول، يدعى فيروس، أو وباء، يتفق الكثيرون على أن ما بعده لن يكون أبداً كما قبله.

حروب أخرى

اليوم، والبشرية تخوض واحداً من أعتى حروبها ضد عدو مجهول، يدعى فيروس، أو وباء، يتفق الكثيرون على أن ما بعده لن يكون أبداً كما قبله، سواء أكنا من المؤمنين بنظرية المؤامرة أم لا، لا تغييرات مهمة على صعيد التحالفات السياسية بالتأكيد، والرسائل التي يُراد لها أن تتهم الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن إيطاليا باطنها رومانسي أكثر مما هو حقيقي وواقعي، فالتخلي عن إيطاليا واسبانيا واليونان أيضاً، تم منذ وقت طويل، وبالكاد تستطيع هذه الدول دفع رواتب موظفيها، لكن ما سيتغير هو الطريقة التي تدير بها الحكومات مجتمعاتها، مراقبتها، توجيهها وتحديد الأفضل والأصلح لها، تغييرات، يقول بعض المتشائمين، إنها ستدهش جورج أورويل شخصياً.

هذا التغيير المنتظر والذي قد يسطّر عنواناً جديداً للبشرية من المفترض أن يبدأ بالتأكيد بعد انتهاء الحرب، ولتحديد نقطة البدء بتعيين هذا التغير، سيكون لزاماً علينا تحديد نقطة نهاية الحرب، فإذا شكّلت معاهدة "لوزان" نقطة النهاية بالنسبة للحرب العالمية الأولى، وشكل مؤتمر "بوتسدام" نقطة النهاية بالنسبة للحرب العالمية الثانية، فما الذي سيشكل نهاية الحرب بالنسبة لجائحة مثل كورونا؟

يبدو الأمر بسيطاً، إذ إننا وفي كل الحروب التي اعتدنا خوضها، يشكل الوزن النهائي لعدد الضحايا بالنسبة للأحياء نتيجة الحرب: من يخسر أقل يربح أكثر، هذا كان المقياس الوحيد الذي قد يعني شيئاً في الحروب، نستطيع أن نسأل هابيل عن هذا، ربما كسرى الفرس أيضاً.

عند هذه النقطة بالذات نستطيع تحديد الطرف المنتصر والطرف المهزوم، ولا ينتهي الأمر إلا باعتراف: يجب أن يقرّ المهزوم بهزيمته ويوافق على الشروط التي يضعها الطرف الآخر، المنتصر، ثم تعود الحياة إلى ما كانت عليه قبل نشوب الحرب، لكن الأمر لن ينتهي بمثل هذه السهولة أليس كذلك؟

ضحايا الحروب ليسوا فقط من ماتوا في الحروب وقمنا بدفنهم وأطلقنا رصاص الشرف في مآتمهم، الضحايا متجددون للأسف، إنهم أيضاً ضحايا الصدمات النفسية، ضحايا الانهيارات الاقتصادية الحاصلة، ضحايا تدمير البيوت والمزارع والشركات العائلية، وهو ما سيتبدى أكثر في حرب كورونا الحاصلة هذه الأيام

الموتى في ذاكرة الأحياء

ضحايا الحروب ليسوا فقط من ماتوا في الحروب وقمنا بدفنهم وأطلقنا رصاص الشرف في مآتمهم، الضحايا متجددون للأسف، إنهم أيضاً ضحايا الصدمات النفسية، ضحايا الانهيارات الاقتصادية الحاصلة، ضحايا تدمير البيوت والمزارع والشركات العائلية، (وهو ما سيتبدى أكثر في حرب كورونا الحاصلة هذه الأيام) وأيضاً أولئك أصحاب الذكريات الحية، الذين لن يستطيعوا إخراج هذه المشاهد برمتها من عقولهم: كيف سنخرج صور التوابيت المصفوفة والشوارع الفارغة أو مشهد التصارع على ورق المراحيض من ذاكرتنا البصرية؟ بنفس الطريقة: كيف ستخرج فكرة دموية مثل سبي النساء، اغتصابهن وبيعهن كالماشية، من الذاكرة الجمعية لعدد كبير من النساء، سواء كن إيزيديات أم لا؟ كيف سيتخلص البشر من مشاهد تقطيع الرؤوس، الصلب والحرق، حتى بعد انتهاء كارثة ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية"؟

إذن، لا تنتهي الحروب بالتسريح العسكري كما نظن: حسناً، انتهى كل شيء الآن، لقد حررنا الأرض وهزمنا الملعون هتلر... على سبيل المثال، عودوا إلى بيوتكم، بارك الله بكم... الأمر لا يتم بهذه البساطة، يجب إخراج فكرة الحرب والقتل من رؤوس أولئك الجنود أيضاً، يجب أن يتم ما يسمى بالـ"تسريح الثقافي" أيضاً، والمصطلح للمؤرخ الإيرلندي وأستاذ التاريخ المعاصر في كلية ترينتي، جون هورن، حيث يجب الحذر، كما يقول، من مصطلح "انتهاء الحرب" واستخدام مصطلح "الخروج من الحرب" بدلاً منه، لأن هذه عملية قد تطول، وهي ليست عملية حتمية بمجرد توقف المدافع عن التذخير والإطلاق، بمعنى أنها لا تبدأ بشكل تلقائي، بل يجب الدخول إليها ببطء والعمل عليها، فالتسريح الثقافي عمل ذهني، فردي وجماعي، يجري في كلا المعسكرين، المهزوم والمنتصر، وربما في معسكر المنتصر قبل المهزوم، للتخلص من الآثار الفظيعة التي أنشأتها الحرب.

نحن في حرب حقيقية كما ينبغي لحرب أن تكون، لكن فقط على وسائل الإعلام، حيث يجري اليوم كل شيء: العدو معروف/ مجهول، دوافعه مجهولة كما تخبرنا وسائل الإعلام، لكن قدراته هائلة ولن يستثني تقريباً أحداً من سكان الأرض، شيء أشبه بالشياطين الغامضة التي توسوس للإنسان كما تقول الأديان

والآن، ما علاقة هذا بوباء كورونا؟

ما يجري الآن على وسائل التواصل الاجتماعي هو حرب كاملة، بكل ما يلزم لشنّ حرب، بل لقد صرّح أكثر من رئيس دولة قائلاً إننا في حالة حرب، حرب لا إطلاق نار فيها ولا حاملات طائرات ولا "براميل متفجرة" كما شهد العالم قبلاً، وليست حرباً بيولوجية كما يحلو لمهووسي نظريات المؤامرة القول والشرح، لكنها حرب حقيقية كما ينبغي لحرب أن تكون، لكن فقط على وسائل الإعلام، حيث يجري اليوم كل شيء: العدو معروف/ مجهول، دوافعه مجهولة كما تخبرنا وسائل الإعلام، لكن قدراته هائلة ولن يستثني تقريباً أحداً من سكان الأرض، شيء أشبه بالشياطين الغامضة التي توسوس للإنسان كما تقول الأديان، توسوس بدون أن تستخدم لغة أو معان معروفة أو قابلة للقبض عليها لتحليلها واستقراء دوافعها أو حتى لاستنباط طريقة تحرّك معروفة للأباليس المزعومة، عدو خفي بقدر ما، لكن لديه جنود أشداء كفاية ليخلفوا ضحايا كما تفعل كل الحروب.

هذه الاستعارات من قواميس الحروب التي يستخدمها الإعلام، لغة الحزم والصرامة و"التجنيد" ليست بريئة أبداً، بل هي مقصودة لوضع العالم، كل العالم، في حالة الدفاع تلك، ضد عدو وهمي لا نعرف عنه إلا ما تخبرنا به وسائل الإعلام، والنتيجة النهائية لهذه الحرب واضحة بالتأكيد، بدون استعارات رومانسية، لكن هذا الوباء سيهزم بالتأكيد وستنتصر "الإنسانية"، ولا أعلم إن كان الوصف "إنسانية" سيظل مناسباً للاستخدام، سينتصر من يدير هذه الحرب، الذي لا يعرفه أحد كما لا يعرف أحد العدو، سواء أكان من يديرها طائفة خفية تدعى "الكلت" أم تجمّع الشركات الكبرى أم الشيطان نفسه، سنعرف بعد انتهائها ورؤية ما أسفرت عنه هذه الحرب الوهمية أو الحقيقية، والعالم الجديد الذي سيسفر عن "الهستيريا الجماعية" لما يسمى بكورونا، حينها فقط ندخل في حالة "التسريح الثقافي" الجديدة، التي تقودنا، كقطعان ماشية نحو خط الإنتاج الجديد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard