"يد تسللت واقتحمت الأمان في فراشي"... عندما استمعت إلى قصص قاسية عاشتها نساء

الخميس 23 أبريل 202010:27 ص

شاء القدر وخلقنا إناثاً، وزاد في الأمر تعقيداً أن نكون في بلاد تكثر فيها المواضيع الحساسة المركونة تحت بند الصمت والكتمان لأننا كذلك.

في تلك الغرفة الصغيرة جداً، ببلدة صغيرة في الشمال الشرقي من سوريا، والتي تتبع إدارياً لمحافظة الحسكة، كنت هناك بحكم مهنتي، أتشارك مع زميلتي المكان، بالإضافة لكوني واحدة من النساء التي ولدن وعشنَ في ذاك المجتمع الذي تسوده السلطة الذكورية.

وجاءت فكرة مشروعنا بتقديم المشورة والدعم النفسي للفتيات والنساء، ضمن الممكن والمسموح لنا في ذاك المكان، نظراً لإمكانية أفضل بالوصول الآمن، حيث كانت النساء يترددن في طلب الرعاية الصحية.

من الذي جعل من كل المواضيع التي تمسنا، نحن معشر النساء، بمستوى تلك الحساسية التي تعيقنا عن التحدث بها علانية، بذريعة العيب والحرام، ونعت المتحدثات والضحايا بقليلات الأدب والحياء؟

لكن لا حرارة الصيف، لا برد الشتاء ولا ضيق المكان، كان ليمنع الكثيرات من النساء عن زيارتنا وطلب الدعم والخدمة، ولو بدافع الفضول، بما أن فكرة دعم وتمكين النساء كان حديثة جداً في منطقتنا الجغرافية، المجتمع الذي تحكمه عادات وتقاليد، ليست فقط صارمة، بل ومعادية للنساء ببساطة.

ومن تلك المشاريع، تجربة البوح تلك، ذاك كان مشروعي في العمل ببرنامج المرأة بالمنظمة، كان مجرد الإصغاء لأحاديثهن والاهتمام بتفاصيل خاصة جداً في حياتهن، بمثابة فسحة أمل، أو ربما فرصة لتنزع من نفوسهن يأساً، ولربما تمكنهن من اتخاذ قرار قد يغير شيئاً ما في حياتهن.

غالبية النساء، وأنا واحدة منهن، لديهن ما يؤرقهن من قصص وحكايا مكنونة في صدورهن، لكننا كنا نفتقد لذة البوح، نفتقد الثقة بمن حولنا، "الفضفضة" كما نطلق عليها بلهجتنا العامية، والتي غالباً ما يعتبرها المعالجون النفسيون جزءاً مهماً يساهم في تخفيف مشكلاتنا اليومية وبدايات الحلول.

تلك القصص والأحاديث تمسنا وتسبب لنا مشاعر مؤلمة، وأحياناً تترافق بالوصم، العار وتجاوز حد الحياء، حتى وإن لم يكن لنا ذنب في حدوثها، كما اعتدناها في مجتمعاتنا.

بلدة صغيرة، غالبيتها من الكرد والعرب المسلمين، ويقطنها أيضاً السريان والإيزيديون، تحكمها أنظمة عشائرية، عادات وأعراف وثقافة ذكورية سائدة ومسيطرة.

شدتني كل المواضيع والقصص والبرامج المتاحة عبر وسائل الإعلام، والتي غيّرت من نظرتي لما يسمى "مواضيع حساسة"، وبحكم أن العالم تحول إلى قرية صغيرة بسبب التطور الهائل للتكنولوجيا، تلاشت الحساسية وتم الخوض في مضمارها بجرأة وبصوت مسموع، الصوت الذي كان مخنوقاً لوقت طويل.

لكن لا حرارة الصيف، لا برد الشتاء ولا ضيق المكان، كان ليمنع الكثيرات من النساء عن زيارتنا وطلب الدعم والخدمة، ولو بدافع الفضول، بما أن فكرة دعم وتمكين النساء كان حديثة جداً في منطقتي، ببلدة صغيرة تقع في الشمال الشرقي من سوريا، المجتمع الذي تحكمه عادات وتقاليد، ليست فقط صارمة، بل ومعادية للنساء ببساطة

ليلى من النساء اللواتي أحببن المشاركة في جلسة البوح، امرأة في العقد الثالث من عمرها، تقول: "حين كنت في مقتبل العمر، كانت أول تجربة لي هي حكاية الدورة الشهرية، عندما كنت في المدرسة الإعدادية، وأدركتني الدورة الشهرية وتلوث بنطالي بالدم، وكذلك المقعد الدراسي، تجمعت الفتيات من حولي وكأني ارتكبت إثماً كبيراً، حتى أنهن اشتكوا لمدير المدرسة. كل ما توجب عليهن فعله حينها هو إرسالي للبيت، دون أن يقدموا لي أي إرشاد أو معلومة تُسكت زعيق القهر بداخلي، ولم تكن أمي أكثر وعياً من مدرساتي ومدير المدرسة، لإخبار وتوعية ابنتها لاستقبال ذاك الحدث المتوقع لأي فتاة في عمري".

أما سلوى البالغة من عمرها عشرين سنة، فقالت: "ذات مرة، حين كنت في طريق العودة لمنزلي من المدرسة، لم أكن أتصور بأنه ممكن لأحد ما أي كان، أن يقتحم تلك المسافة الخاصة ويلامس جسدي، متجاوزاً أقصى درجات الأمان بداخلي، ويلمس كالوحش المناطق الحساسة التي كنت أخشى بيني وبين نفسي ملامستها، ولكن ذاك الأحمق راكب الدراجة فعلها، بيديه المقززتين"، تحدثت وهي تتذكر الحادثة باشمئزاز، والتوتر والاحمرار صبغ وجهها. وما أزعجها أنها لم تتجرّأ بالشكوى لإخوتها أو حتى لأمها، كان ذاك أكثر ألماً من التجربة أيضاً، شيء مروّع ألا نجد من يمكننا الوثوق بهم والتحدث إليهم عما يحدث لنا ويزعجنا، كمٌّ هائل من المشاعر المؤلمة لا أستطيع تخيلها.

وتبقى تلك القصص محفورة في ذاكرتنا الأنثوية بكثير من القهر، وكانت لبعضها مشاعر لا تطاق، كما في الحكاية التالية للفتاة اليافعة "ريشان"، وهو اسم مستعار.

شابة صغيرة لم يتجاوز عمرها ثمانية عشر عاماً، أدهشتني بجرأتها وهي تسرد تلك الحادثة: "القصة مؤلمة ومفزعة حقاً! حين تكون الواحدة منا نائمة في بيتها، أي المكان الذي نعتبره المساحة الأكثر أمناً وطمأنينة. كما جرت العادة، كنا ننام صيفاً على أسرّة كبيرة فوق سطح المنزل، لأتفاجأ في ليلة ما بيد تتسلل خلسة وتقتحم ذاك الأمان في فراش نومي، وتداعب منطقتي الحساسة، تجربة فظيعة وغير محتملة لا يمكن حتى مسحها من شريط الذاكرة أبداً".

قصص وأحاديث كثيرة وبوح مؤلم، لنساء وفتيات عشن تجارب قاسية، والألم فيها ليس كونها موحشة وغريبة فقط، بل الأكثر قسوة أن يكون التحدث بها من ممنوعات الأمور على النساء، لأنها "تجلب العار والفضيحة"، واعتبار إبقائها طي الكتمان أفضل الحلول بالنسبة لنساء كثيرات

قصص وأحاديث كثيرة وبوح مؤلم، لنساء وفتيات عشن تجارب قاسية، والألم فيها ليس كونها موحشة وغريبة فقط، بل الأكثر قسوة أن يكون التحدث بها من ممنوعات الأمور على النساء، لأنها "تجلب العار والفضيحة"، واعتبار إبقائها طي الكتمان أفضل الحلول بالنسبة لنساء كثيرات.

من الذي جعل من كل المواضيع التي تمسنا، نحن معشر النساء، بمستوى تلك الحساسية التي تعيقنا عن التحدث بها علانية، بذريعة العيب والحرام، ونعت المتحدثات والضحايا بقليلات الأدب والحياء؟

وما الذي يدفعنا حتى نصدق ذاك الشيء، لنضع أنفسنا تحت رحمة الخطوط الحمراء؟ الدورة الشهرية، الليلة الأولى للزواج أو ليلة الدخلة، غشاء البكارة، الحب والرغبة، الحديث عن الجنس وعوالمه، الارتباط بعلاقة مع شريك أي كان، المناطق الحساسة للجسم الأنثوي، الحاجة لاستقلالية الحياة عن العائلة وأمور كثيرة.

ما دفعني لكتابة هذه المادة، دهشتي، وربما شعوري بالفخر، حين تفاجأت بابنتي ذات الخمسة عشر عاماً، حين جاءت من المدرسة ودخلت غرفتها تبكي، وحين استفسرت عن السبب، قالتها بشجاعة: "اليوم، وعلى طريق عودتنا من المدرسة، قام أحد الزعران وهو يقود دراجته وتجرأ بمدّ يده على صدري ولاذ بالفرار، ظناً منه أنني سأسكت، ورميته بحقيبتي، ودفعت به وبدراجته أرضاً وانهلتُ عليه بالضرب والشتائم".

لن أخفيكم بأن شعوراً بالفخر والسعادة انتابني، لأن ابنتي لم تترك حقها ولم تستسلم لأنها فتاة، وكانت قوية لتدافع عن نفسها دون أن تصنع لنفسها قيداً من مفردات هي أقفال لسجون المجتمع: "عيب، لا يجوز، خجل، الضعف الأنثوي…".

لنعترف هنا، أية حرية وأية حقوق يدّعون بأنها ملك للنساء؟ ونحن في عالم كل فضاءاته رمادية، وكل المساحات فيه غير آمنة ومليئة بالقيود والمحرمات، حتى مجرد البوح بها والحديث عنها يحتاج إلى قوة هائلة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard