خمسة أسباب لانهيار أسعار النفط الأمريكي... التداعيات على المنطقة وسيناريوهات ما بعد كورونا

الثلاثاء 21 أبريل 202006:47 م

للمرة الأولى لم يجد الذهب الأسود في الولايات المتحدة الأمريكية من يقتنيه، بل وصل الأمر إلى أن البائعين عرضوا على العملاء المال مقابل الموافقة على تسلمه.

هكذا تهاوى سعر برميل النفط الأمريكي في عقود أيار/مايو إلى أسعار سالبة، إذ أراد البائعون التخلص منه كيفما اتفق كي لا يتحملوا تكلفة تخزينه.

لماذا تهاوت أسعار النفط الأمريكي؟

في البداية، لا بد من التوضيح أن سوق النفط هو أولاً سوق مادي يتم فيه بيع النفط المادي بالتسليم والتسلم، ويستفيد منه المنتجون. ثانياً هو سوق العقود الآجلة الذي يتم فيه تسليم النفط بعد أَجَل، ويعتبره الخبراء مقياساً لأسواق المال عامة، ويستفيد منه المُنتجون والتجار والمضاربون والمصارف والسماسرة.

ومعروف أن اليوم الـ20 من كل شهر هو آخر مهلة لبيع عقود النفط للشهر الذي يليه، وإلا فسيضطر الذين يملكون هذه العقود إلى تسلم النفط، وأغلبهم مضاربون لا يملكون خزّانات.

وإذا أراد هؤلاء التعاقد على حجز خزانات، فلن يفلحوا بعدما باتت مرتفعة التكلفة، لأن غالبيتها في جميع أنحاء العالم ممتلئة نتيجة تراجع الاستهلاك بسبب أزمة كورونا.

لذا عرض هؤلاء العقود التي يحملونها بأثمان بخسة أو مجاناً أو بدفع مال لمن يأخذها من أجل التخلص من كميات النفط.

في هذا الإطار، يلخص الكاتب المتخصص في صناعة النفط في السعودية عبد العزيز المقبل أسباب انهيار النفط في خمسة عوامل.

أولاً، هناك تخمة في الإنتاج وركود في الاستهلاك. وثانياً، امتلاء خزانات الوقود نتيجة التخمة والركود، وثالثاً، لم تعد هناك جدوى تجارية في الإنتاج. والعامل الرابع مرتبط بوجود خلل في منظومة التسويق بعدما تم إنتاج كميات كبيرة من دون أن تُبرم الشركات المنتجة عقود بيع مع المستهلكين وليس مع المضاربين قبل استخراجه من الأرض ونقله إلى الخزانات. والعامل الخامس هو الأزمة القائمة بين المصارف والمنتجين.

هل خفض الإنتاج يحل الأزمة؟

في الشهر المقبل، يدخل قرار منظمة "أوبك+" المتعلق بخفض الإنتاج حيّز التنفيذ من أجل إحداث نقص في السوق يليه ارتفاع في الأسعار.

غير أن العديد من الخبراء يرون أن الأزمة ستستمر إلى ما بعد نهاية أزمة كورونا التي أدت إلى شلل في الاستهلاك.

وبحسب الخبير الاقتصادي المتخصص في مجال الطاقة أنس بن فيصل الحجي، فإن الاتفاق الذي توصلت إليه منظمة أوبك+ وقضى بتخفيض الإنتاج، لن يحل الأزمة "لأنهم سيخفضون النفط الذي لم يشتره أحد"، بحسب قوله.

واعتبر الحجي، في مقال في مجلة "فوربس" الأمريكية، أن "كل التخفيضات المحتملة للإنتاج لن تناسب تأثير أزمة كورونا الكامنة وراء خفض الطلب على النفط، ولن ترفع الأسعار ارتفاعاً كافياً لإنقاذ النفط الأمريكي".

وأضاف: "الأمر لا يتعلق بالتحكم في الإنتاج بل بفيروس كورونا".

ومع ذلك توقع الحجي أن تشهد أسعار النفط تحسناً في التداول على عقود حزيران/ يونيو المقبل، مع نهاية أجل عقود أيار/مايو.

بعد الانهيار الجنوني لأسعار النفط الأمريكي وسط توقعات باستمرار الأزمة… ما هي آثار هبوط أسعار الذهب الأسود على دول الخليج؟

في سياق آخر، رأى كريستيان مالك، رئيس قسم أبحاث الأسهم والنفط والغاز في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في مؤسسة " جيه بي مورغان"، أن "المخرج الوحيد" لأسواق النفط هو أن تتفاوض "أوبك +" على خفض أكبر للإنتاج، مشيراً إلى ضرورة خفض السعودية انتاجها إلى ستة ملايين برميل يومياً.

ومن المقرر أن يعقد أعضاء "أوبك +" اجتماعاً في العاشر من الشهر المقبل.

ما هو تأثير انهيار أسعار النفط؟

على الرغم من أن الانهيار التاريخي الذي شهده سوق النفط اقتصر على الخام الأمريكي المعروف باسم الزيت الصخري، فإن خام برنت تعرض أيضاً لانتكاسة خطيرة لأسباب عدة.

وانخفض خام برنت الذي تنتجه دول المنطقة، في 21 نيسان/أبريل، إلى 18.10 دولار أمريكي للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2001.

وإذا وصل سعر النفط إلى 20 دولاراً في أمريكا فستعلن 533 شركة إفلاسها آخر عام 2021. أما إذا انخفض إلى 10 دولارات فستعلن 1100 شركة الإفلاس.

في الشرق الأوسط، فإن موازنات الدول المنتجة للنفط ستشهد عجزاً غير مسبوق قد يحول دون دفع المرتبات للموظفين.

ويشهد العراق، حالياً، جدلاً بشأن قدرة الحكومة على دفع الرواتب للموظفين خلال الشهور المقبلة في ظل انخفاض أسعار النفط. ويبلغ عجز موازنته 50 مليار دولار، علماً أن 90 في المئة من موازنة حكومته من مبيعات النفط.

ومن المتوقع أن تنخفض الإيرادات المالية للمملكة العربية السعودية بنسبة تراوح بين 25 و30% أو حوالى 8% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، إذا راوح سعر النفط بين 40 و 45 دولاراً.

تعود جذور الأزمة ترجع إلى رفض روسيا خفض إنتاج النفط في الشهر الماضي من أجل الانتقام من العقوبات الأمريكية... 

وتوقع تقرير صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة سالبة 2.3 % عام 2020.

كذلك من المتوقع أن ينكمش اقتصاد الإمارات بنسبة 3.5 %، في حين يتراجع اقتصاد قطر، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في الخليج، بنسبة 4.3 %.

وينكمش الاقتصاد الإيراني، ثاني أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، بنسبة 6.0 %.

وتعتبر الكويت أقل انكماشاً اقتصادياً بين دول الخليج بنسبة 1.1%، أما الاقتصادان العماني والبحريني فسيتراجعان بنسبة 2.8 و 4.3% على التوالي.

ووفقاً لصندوق النقد، فإن الخسائر قد تكون أكبر من ذلك بكثير وتُضاعف عجز موازنات الدول المنتجة للنفط إذا تهاوت أسعاره إلى ما دون الـ40 دولاراً.

هل هناك حرب على النفط الأمريكي؟

في آذار/مارس الماضي، رفضت روسيا طلباً سعودياً لتقليل نسبة إنتاج النفط، وهذا ما دفع بسائر الدول المنتجة للذهب الأسود إلى رفع إنتاجها على نحو هدد بإغراق الأسواق وجعل الأسعار تتهاوى إلى مستويات غير مسبوقة.

وأعلنت السعودية رفع حصتها من 10 ملايين برميل يومياً إلى 13 مليوناً، وهذا ما أدى إلى انهيار الأسعار.

علماً أن تكلفة استخراج النفط الصخري الأمريكي مرتفعة مقارنة بتكلفة النفط الذي تستخرجه السعودية وروسيا.

وعليه، إذا تهاوت أسعار النفط فسيؤدي ذلك إلى إفلاس مئات الشركات الأمريكية، متسبباً بضربة قوية لاقتصاد الولايات المتحدة.

وبحسب وكالة "بلومبيرغ"، فإن موسكو تريد أن تتراجع أسعار النفط من أجل الضغط على الأمريكيين الذين زادوا إنتاج النفط الصخري، فيما أبقت الشركات الروسية نفطها في الآبار امتثالاً لاتفاق خفض الإنتاج مع أوبك.

ورأت كارولين كيسان، أستاذة مركز الشؤون العالمية في جامعة نيويورك في مقال نشرته في صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، أن روسيا تنتقم من الولايات المتحدة بسبب فرض عقوبات جديدة عليها، لا سيما تلك التي فرضتها على شركة "روسنفت" الروسية التي تستثمر في النفط الفنزويلي.

في سياق متصل، تدرس الإدارة الأمريكية وقف استيراد النفط السعودي والروسي أو فرض تعرفة عليه رداً على خفض الأسعار، لكن خبراء كثراً يشككون في جدوى هذه الخطوة، لأنها ستؤدي إلى ارتفاع أسعار البنزين الذي يستهلكه المواطنون الأمريكيون.

وكانت روسيا ومنظمة "أوبك" قد اتفقتا على خفض الإنتاج لدى حدوث تراجع في الأسعار من دون أن يشمل الاتفاق الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت أكبر منتج للنفط (13 مليون برميل يومياً).

ويرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن خفض الإنتاج إلى أقل من 11 مليون برميل يرفع الأسعار، لكن المستفيد الأكبر هو أمريكا التي تبيع نحو 13 مليون برميل، ومن الممكن أن تزيد الكمية، مستغلةً تراجع إنتاج موسكو حتى تستحوذ على الأسواق وتُبرم عقوداً جديدة وتحقق مزيداً من الأرباح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard