هل ستشكل الاضطرابات النفسية "الموجة الثانية" من فيروس كورونا؟

الجمعة 17 أبريل 202006:36 م

تبدو الأعياد الدينية، مثل عيدي الفصح ورمضان، وغيرهما من المناسبات التي تجمع في العادة العائلات معاً للصلاة والاحتفال، مختلفة هذه السنة، بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، والذي فرض حالة من التباعد الاجتماعي، وبالتالي الخروج عن الروتين اليومي والعادات الاجتماعية.

واللافت أن اسم كورونا لوحده أصبح يضرم نار الرعب والهلع في قلوب العديد من الناس لأسباب كثيرة، أهمها أن هذا الفيروس بالتحديد غير مرئي، سريع الانتشار ولا يوجد له لقاح حتى هذه اللحظة.

وفي حين أن الخوف من الوباء أمر فطري وضروري من أجل أخذ الحيطة والحذر، إلا أن معدلات القلق والتوتر من فيروس كورونا مرتفعة جداً، الأمر الذي ينذر بحدوث "كوارث" على الصحة النفسية.

الصحة النفسية على المحك

يشير العديد من خبراء الصحة إلى أن الأشهر القليلة المقبلة قد تؤثر سلباً على صحتنا العقلية، بخاصة أن أحداً لا يعرف متى ستنتهي أزمة كورونا، مرجحين أن يصطحب معه هذا الوباء الذي هزّ الحياة والعالم بأسره، مشاعر الغضب، الاكتئاب، القلق والحزن، بسبب الخوف من انتقال العدوى والضغط النفسي الناجم عن الحجر المنزلي.

هذا الوضع الاستثنائي الذي تعيشه الدول كافة، دفع بمنظمة الصحة العالمية إلى نشر سلسلة توصيات للصحة العقلية، سواء للأشخاص المعزولين، المسنين أو العاملين في القطاع الطبي، كتجنّب قراءة ومتابعة الأخبار التي تسبب القلق والتوتر، التصدي للأخبار الكاذبة بسبب تأثيرها السلبي على المواطنين وتشجيع الحوار في حالات الضغط النفسي.

يشير العديد من خبراء الصحة إلى أن الأشهر القليلة المقبلة قد تؤثر سلباً على صحتنا العقلية، بخاصة أن أحداً لا يعرف متى ستنتهي أزمة كورونا

لكن من المهم التنويه بأنه في الحالات غير المسبوقة تنشأ ردود أفعال غير مسبوقة، فتدابير الحجر المنزلي الجماعي المعتمدة في بلدان كثيرة حول العالم قد تضع الصحة النفسية للبعض على المحك، بحيث أن الانغلاق القسري في البيت لعدة أسابيع، نتيجة للحجر الصحي المفروض، هو أمر غير اعتيادي بالنسبة لغالبية الناس، وقد يترك وراءه آثاراً نفسية وخيمة.

وفي هذا الصدد، كشف أحد علماء الأوبئة أن العزلة الاجتماعية يمكن أن تؤدي إلى مجموعة من مشاكل الصحة العقلية، بحيث يواجه الناس احتمال العيش تحت القيود التي فرضها كوفيد 19 لأشهر.

فقد أوضح ساندرو غاليا، عميد كلية الصحة العامة في جامعة بوسطن، أن العزلة، وكذلك عدم اليقين بشأن المدة التي سيستمر بها الوباء، يسهمان في زيادة معدلات القلق لدى الناس: "نحن البشر اجتماعيون. نحن مخلوقات اجتماعية ونحتاج إلى التفاعل -المادي والاجتماعي- مع الآخرين".

وقال غاليا، الذي درس آثار الحجر الصحي خلال وباء سارس (متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد) في تورنتو، لموقع CBC، إن العزلة يمكن أن تساهم في حدوث مجموعة من الاضطرابات النفسية، مثل القلق والاكتئاب وحتى اضطراب ما بعد الصدمةPost-traumatic stress disorder ، كما يمكن أن تؤدي أيضاً إلى زيادة استهلاك الأدوية والكحول.

واعتبر ساندرو أن أولئك الذين لديهم تاريخ مع المرض العقلي وغيرهم من الأشخاص المهمشين، هم أكثر عرضة لخطر التخبط النفسي مع الوضع الراهن، مشيراً إلى أن الضغوطات المرتبطة بالوباء، مثل فقدان الوظائف ورعاية الأطفال والآباء المعرضين للخطر، يمكن أن تعرض المزيد من الأشخاص لخطر الإصابة بالاضطرابات النفسية.

هذا وشدد ساندرو غاليا على أهمية تثقيف الناس حول خطر المرض النفسي: "أعتقد أنه من المهم للغاية أن ندرك أن المرض العقلي سيكون الموجة التالية لهذا الوباء، وأعتقد أنه من المهم جداً أن نزيل وصمة المرض النفسي"، وهي نقطة كانت قد شددت عليها منظمة الصحة العالمية بالقول: "كونوا على علم وتفهم بأن فيروس كورونا (كوفيد 19)، يطال الأفراد في كل مكان في العالم، بمعزل عن القومية والجنسية أو المنطقة الجغرافية، وأن الأفراد الذين هاجمهم الفيروس في أي مكان كان، هم أشخاص أبرياء لم يقوموا بارتكاب أي فعل خاطئ".

هذا وشددت المنظمة على ضرورة عدم الإشارة للأفراد الذين هاجمهم الفيروس، بأنهم "ضحايا" أو "عائلة" فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) أو تصنيفهم على أنهم فئة معيوبة، بل "استخدموا مصطلح أنهم أفراد يواجهون حالياً الفيروس، وكونوا على علم بأنهم أشخاص طبيعيون، وأنهم حين يتعافون من الفيروس سيعودون الى حياتهم اليومية الطبيعية والى أعمالهم، أسوة بكل أفراد المجتمع".

صدمة كورونا

مع تفشي فيروس كورونا وما يتبعه من تداعيات اقتصادية واجتماعية على ملايين البشر حول العالم، واضطرارهم للبقاء في المنازل لأجل غير مسمى، زادت حدة المشاكل النفسية، خاصة بالنسبة لمن يعانون بالفعل منها، أو الذين يرزحون تحت أعباء اقتصادية ومالية.

واللافت أنه من بين كل السيناريوهات الكارثية المتداولة، كانت نظرية انتشار وباء قادر على شلّ الحركة في العالم، الأقل ترجيحاً لكثيرين، بعد سنوات من الأزمات المالية والاعتداءات والطوارئ المناخية.

ويفسر ذلك حال الصدمة السائدة في العالم أجمع، بحسب المحلل النفسي رولان غوري، شارحاً ذلك بالقول: "تحدث الصدمة عندما يكون المرء غير مستعد لحدث ما، وعندما نواجه أمراً مفاجئاً على الصعيد النفسي، إذا كنتم تعلمون أن الخطر سيحدث فعلى الأرجح ستستعدون له"، مؤكداً أن الصدمة النفسية ليست متكافئة بأي حال من الأحوال مع الجروح اللاحقة للأشخاص.

وأوضح غوري لموقع le point الفرنسي، أن ذلك تُرجم مؤخراً من خلال إنكار الخطر الذي لازم البعض أخيراً ممن دأبوا على مد اليد للمصافحة، أو الذعر لدى مرضى آخرين الذين شعروا بأن أمراً ما "ينهار في أسلوب حياتنا".

بدوره أشار الأخصائي في علم النفس سيرج إيفيز، إلى أن رد الفعل هذا كلاسيكي في حالات الأوبئة، وهو راسخ بشكل خاص في المخيلة الجماعية منذ الطاعون الأسود في القرون الوسطى، والإنفلونزا الإسبانية في مطلع القرن العشرين.

واوضح إيفيز أن "ما ينشأ في المقام الأول هو اللامعيارية (مصطلح كان قد أطلقه عالم الاجتماع دوركايم)، القلق من انهيار الروابط الاجتماعية، غياب المعايير، الهلع المتصل بعمليات النهب، بالإضافة للخوف من انتقال العدوى، والذي يعززه الطابع غير المرئي للفيروس".

أما القلق الآخر فهو مرتبط بالخوف من الموت جوعاً، وهو "دليل على وجود رد فعل حيوي، وأيضاً الشهية الجنسية، وهي الشهية على الحياة عندما نخاف من الموت أو من العيش في الوحدة أو من الخسارة"، وفق ما يؤكده رولان غوري.

حالات مأساوية

كشفت دراسة نشرت في مجلة The Lancet، أن "الحجر الصحي عموماً هو تجربة غير مرضية بالنسبة لمن يخضعون لها، كما أن العزل عن الأهل والأحباب، فقدان الحرية، الارتياب من تطورات المرض والملل، كلها عوامل يمكنها أن تتسبب في حالات مأساوية".

وفي سياق متصل، كشفت دراسة أجريت مؤخراً من قبل باحثين في مستشفى هولندي، أن غالبية المرضى الذين مكثوا فترة طويلة في العناية المركزة بسبب إصابتهم بفيروس كورونا، قد اشتكوا من إصابتهم بمشاكل في الصحة الجسدية والعقلية.

وبحسب صحيفة الديلي ميل البريطانية، فقد وجد الباحثون، أن 7 من كل 10 ناجين من وحدة العناية المشددة، كانوا يعانون من مشاكل في الصحة النفسية، والتي يمكن أن تشمل التعب، الضعف، القلق أو صعوبة إجراء محادثة مع الآخرين.

واللافت أن هذه الدراسة جمعت بيانات حوالي 1300 شخص، واستمرت حوالي 5 سنوات، حيث أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين قضوا فترة طويلة داخل العناية المشددة عانوا من أعراض الاكتئاب ومشاكل أخرى نفسية خطيرة.

وعليه، رجّح الباحثون أن تنطبق نتائج الدراسة على مرضى فيروس كورونا الذين مكثوا لفترة طويلة في العناية المشددة، والذين ظهرت عليهم أعراض الاكتئاب ومشاكل صحية أخرى، كضعف الحركة، بالإضافة إلى صعوبة في التركيز والخوف والقلق وصعوبة في حل المشكلات.

ومما لا شك فيه أن العالم كله اليوم يغرق في بحر من الحزن بسبب التباعد الاجتماعي الذي فرضه فيروس كورونا.

تعليقاً على هذه النقطة، قال د.فايلي رايت، وهو أخصائي علم النفس ومدير الأبحاث والجودة السريرية في جمعية علم النفس الأميركية: "هناك شعور بالحزن كالذي نختبره عند فقدان الأحبة. حزن على التجارب التي نخسرها. يمكن أن نشعر بفقدان الحرية وبخسارة الكثير من الأشياء التي اعتبرناها من المسلمات".

واعتبر رايت أنه لا يمكن تصنيف هذه الحمى كاضطراب نفسي: "لذلك لن أقول إنه يوجد تعريف رسمي لها"، أما بالنسبة للأعراض التي يشعر بها الشخص بسبب تقييد الحركة، فهي الملل، اليأس، الأرق وصعوبة التركيز، بحسب ما كشفه لموقع سي ان ان.

وبدورها، أشارت طبيبة الصحة النفسية الدكتورة دانا غارفين، إلى أن تجربة العزل المنزلي يمكن أن تشكل ما أسمتها "الصدمة الجماعية"، على غرار تأثير الأعاصير والهجمات الإرهابية والزلازل، وهي صدمات تبدأ من نقطة تأثير ما، ثم تنتقل إلى الأحبة المنكوبين والذين كانوا شاهدين على الدمار، وأولئك الذين تعطلت حياتهم.

وأكدت غارفين أن المدة الزمنية التي سيبقى فيها الناس معزولين هي ما سيحدد مدى خطورة وتأثير ذلك على صحتهم العقلية، كاشفة أن التعرض لمدة طويلة لصدمة فيروس كورونا يمكن أن تنشط الاستجابة للقتال أو الهروب، والتي يمكن أن تتسبب، مع مرور الوقت، بمشاكل في القلب والأوعية الدموية، بالإضافة إلى القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة.

كيف يمكننا تخطي المشاكل النفسية والعقلية؟

تحدث الأخصائي في علم النفس هاني رستم عن ما أسماهاPre-Traumatic Period أي الفترة ما قبل الصدمة، والتي يمر بها حالياً الكثير من الأشخاص من حول العالم.

واعتبر رستم في حديثه مع موقع رصيف22 أن هذه الحالة من الإجهاد والتوتر تعود إلى مجموعة من العوامل، يمكن تلخيصها على الشكل التالي:

عدم القدرة على التنبؤ: في ظل هذا الوضع الصعب، هناك العديد من الأسئلة التي يطرحها الناس من دون أن يتمكنوا من الحصول على أجوبة شافية لها، ولعلّ السؤال الأكثر تداولاً: ماذا سيحصل غداً وبعد غد وبعد شهر..؟

الجمود: غالبية الناس "مسجونة" وراء جدران المنزل من دون القيام بأي نشاط بدني، الأمر الذي يجعل هرمونات التوتر تبقى محصورة داخل المرء من دون أن يوجد مسار لتفريغ الشحنات السلبية.

فقدان الاتصال: بسبب إجراءات وتدابير الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي، انقطع التواصل الملموس بين الأهل، الأصدقاء، الأحبة... وتعليقاً على هذه النقطة، أشار هاني رستم إلى أنه في المجتمعات العربية نحب الصبحيات، جلسات النرجيلة، الدردشة... وبالتالي في هذه الفترة، الكثيرون منا يشعر بالوحدة وفقدان التواصل مع الآخرين.

الانفصال عن الواقع: هذه النقطة اعتبرها رستم خطيرة، لكونها تدل على فقدان الأمل، بحيث يشعر المرء بأنه عاجز عن تغيير الواقع الأليم، فيعيش يومه من دون هدف ويقول لنفسه: "مش طالع شي بإيدي".

فقدان الإحساس بالوقت: يأتي فقدان الإحساس بالوقت نتيجة غياب الروتين اليومي، الأمر الذي يهدد الاستقرار الداخلي: "الليل صار موصول بالنهار، بطلنا نعرف أيام الأعياد والويك أند...".

فقدان الاحساس بالأمان: مع تفشي فيروس كورونا، يعاني الكثير من الأشخاص من هاجس الأمان، فيشعرون بالبارانويا (جنون الارتياب) في حال لمسوا شيئاً خشية من انتقال العدوى إليهم أو إلى أحبائهم، بخاصة وأنه ما من أحد بمأمن من هذا الوباء.

فقدان الهدف: خلال هذه الأوقات الصعبة والظروف الاستثنائية، يشعر البعض بأنه لم يعد لديه هدف أو غاية للعيش من أجلها.

من هنا نصح رستم بضرورة كسر هذه الحلقة المفرغة من الحزن والقلق والاكتئاب عبر القيام بخطوات بسيطة، كوضع جدول زمني بهدف تنظيم الوقت، بالإضافة إلى القيام بأنشطة تجعلنا نحرك أجسادنا، كمتابعة التمارين الرياضية عبر الإنترنت أو صفوف اليوغا المجانية، أو ببساطة المشي في الحيّ الذي نسكن فيه.

هذا وشدد هاني رستم على ضرورة وضع هدف معيّن خلال هذه الفترة الصعبة، بالإضافة إلى الاهتمام بصحتنا النفسية والجسدية، وبنظامنا الغذائي، "بخاصة وأن المأكولات العربية غنية بالفيتامينات"، على حدّ قوله.

التجربة التي نعيشها جميعاً استثنائية، ومن المهم الاعتراف بذلك وعدم التحسر على ما كان يمكن فعله من قبل، أو ما يمكن القيام به الآن، فصحيح أن الوضع صعب إلا أنه لن يبقى كذلك لمدى العمر

لا شك أننا نجهل جميعاً ما يخبئه المستقبل، لكننا نعلم أن الحياة ستكون مختلفة في الأشهر المقبلة على الأقل، وهذا الاستعداد النفسي يمكن أن يشكل الخطوة الأولى لجعل الواقع أفضل.

وبعدها يجب خلق روتين جديد يتضمن الاستحمام، ارتداء الملابس بدلاً من البقاء طوال اليوم "بالبيجاما"، الحفاظ على الوجبات العائلية وعدم التعامل مع الوقت كفترة سجن إلزامية.

خلال الأزمة، هناك فرصة لتطوير عادات جديدة من شأنها التخفيف من الشعور بالضغط، كما أنه من المهم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتكون اجتماعية فعلاً، وليس بهدف تغذية القلق وتضارب المعلومات والشائعات حول الفيروس.

في الختام ان هذه التجربة التي نعيشها جميعاً استثنائية، ومن المهم الاعتراف بذلك وعدم التحسر على ما كان يمكن فعله من قبل، أو ما يمكن القيام به الآن، فصحيح أن الوضع صعب إلا أنه لن يبقى كذلك لمدى العمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard