حتى مع دوره المهم في أزمة كورونا... لم يتوقف البعض عن ازدراء الفن

الجمعة 17 أبريل 202003:56 م

لا أعرف بالتحديد من هو صاحب تقسيم حاجيات الإنسان إلى أساسية وثانوية، وواضع نظرية أن المأكل والمشرب والمسكن ضرورة وباقي الأشياء يمكن الاستغناء عنها، وهو تقسيم أخذت به دساتير بعض الدول، لا أعرف من بالضبط اعتبر الإنسان حيواناً مهمته أن يأكل ويشرب وينام، وإن كانت الحيوانات تحتاج أكثر من ذلك أحياناً لكنها لا تملك حق الشكوى!

وحتى الأمس القريب، كان الإنترنت مجرد "ترفيه" غير ضروري وفقاً للتقسيمة السابقة، حتى تفشى وباء كورونا لنتأكد أن العالم كله يُدار بالإنترنت، وأن هناك صفقات تُعقد وأشغال تنفذ من خلال ضغطة زر، لكن اقتناع الإنسان بذلك استلزم "طوفاناً" يحصد العشرات كل يوم.

الفن هو نظرة على العالم من حولنا، أيضاً هو توثيق لأحوال البلاد والعباد من منظور فنّي.

ورغم الاقتناع بأهمية الإنترنت، لكن كثيرين لم يقتنعوا بعد بأهمية الفن، يبرهن على ذلك الأصوات التي تعالت خلال الأيام الماضية والتي تطالب بوقف تصوير الأعمال الرمضانية، تحت دعوى إنها فرصة لتفشي وباء كورونا المستجد تارة، وتارة أخرى تحت دعوى أن صرف أموال المسلسلات على الفقراء في مثل تلك الأوقات، هو أفضل بكثير.

وقف الأعمال الرمضانية لم يقف عند حدود المطالبات، بل وصل لنسب تصريحات غير صحيحة لشيخ الأزهر، يطالب فيها بوقف أي عمل درامي فيما يشبه حملة ممنهجة، وهو ما دفع أشرف زكي، نقيب الممثلين، للرد بأن هناك تدابير تم اتخاذها بالفعل للحماية قدر الإمكان.

أما الفنانة زينة، فاشتركت هي الأخرى بالرد على تلك الحملة، بالرد على المطالبين بالتوقف بقولها: "إحنا اللي بنسليكم"، وأنهم يؤدون عملهم ككثيرين من فئات المجتمع.

أصعب المعارك تلك التي يدفعك إليها جاهلون، فيستدرجونك إلى الوحل دون أن تدري، والمطالبون بذلك ليس فقط يزدرون الفن ويرونه "دنساً"، فيستغلون كل فرصة كي يتخلصوا منه، بل أيضاً يجهلون الكثير.

لماذا أتهم هؤلاء بالجهل؟ ببساطة لأنهم يظنون أن صناعة السينما هي فقط الممثلون الذين يتقاضون ملايين الجنيهات، والمخرجون وكتّاب السيناريو ومديرو التصوير، وبالتالي هؤلاء لا يضيرهم إن توقفوا عاماً أو اثنين، فمعهم ما يمكّنهم من العيش في ظل الظروف الاستثنائية.

رغم الاقتناع بأهمية الإنترنت، لكن كثيرين لم يقتنعوا بعد بأهمية الفن، يبرهن على ذلك الأصوات التي تعالت خلال الأيام الماضية والتي تطالب بوقف تصوير الأعمال الرمضانية، تحت دعوى إنها فرصة لتفشي وباء كورونا تارة، وتارة أخرى تحت دعوى أن صرف أموال المسلسلات على الفقراء في مثل تلك الأوقات، هو أفضل بكثير

لكن ما يجهله هؤلاء أن صناعة السينما أكبر من ذلك بكثير، بل ويصل العاملون فيها إلى مئات الآلاف، من فنيي إضاءة ومساعدي تصوير ومجموعات "كومبارس" وسائقين وعاملي استوديو ومصممي ديكور وخلافه، وكثير من هؤلاء يعيلون أسراً ويتقاضون رواتب باليوم، وبالنسبة لهم شهر رمضان هو موسم العمل الأكثر زخماً والقادر على تأمين حياتهم في فترات الركود، فإذا كانت الدولة سمحت لهم في أيام كهذه أن يمارسوا عملهم، فهل المُطالب بوقف الأعمال الرمضانية يُدرك أن دعوته تهدد حياة ملايين المواطنين، في وقت العالم كله يمر بأزمة مالية نتيجة تفشي وباء عالمي مثل كورونا؟

بل ولو أضفنا إلى ذلك أن عرض تلك الأعمال الفنية يعني جلب إعلانات للقنوات الفضائية، ما يجعلها قادرة على الصمود ودفع رواتب العاملين فيها، فالأمر لا يتعلق بنجم أو ممثل، بقدر ما هي منظومة كاملة، هذا لو تحدثنا من الناحية الاقتصادية البحتة.

أما الشق الثاني، وفي رأيي هو الأهم، يصب بدور الفن نفسه، ولن أتجنى على نقيب الممثلين حين أقول إن رده لم يكن قوياً بالقدر الكافي، تماماً مثل الفنانة زينة التي اختصرت دور الفن في "التسلية"، وربما هذا رأيها بالفن الذي تقدّمه، لكن الفن بمضمونه الأشمل، بالنسبة لي، لا يقتصر فقط على إخراج ضحكة من قلوبنا في ساعات كئيبة، وبالمناسبة، هذا في حد ذاته دور مهم وأساسي للإنسان، كالمأكل والمشرب.

ولكن الفن أعمق من ذلك بكثير، هو محاكاة أحلامنا وخيباتنا، تفسير عما يحدث وكشف عما لم نكن ندركه، هو إيضاح كيف تدار البلاد وبحث داخل دهاليز السلطة.

الفن هو نظرة على العالم من حولنا، أيضاً هو توثيق لأحوال البلاد والعباد، من منظور فنّي.

الفن أيضاً سلاح قوي للدول، فتستطيع دولة الوصول إلى دول أخرى من خلال الفن وحده، وفي مصر لنا تاريخ في ذلك، فهناك أزمات مع دول لم يساهم في حلها سوى الفنانين والفنانات، لا سفراء وزارة الخارجية، ناهيك عن أن الفن إرث حضاري تساهم فيه كل دولة، وضمن أكثر وسائل التوعية، في وقت نحتاج فيه لذلك.

الفن أيضاً سلاح قوي للدول، فتستطيع دولة الوصول إلى دول أخرى من خلال الفن وحده، وفي مصر لنا تاريخ في ذلك، فهناك أزمات مع دول لم يساهم في حلها سوى الفنانين والفنانات، لا سفراء وزارة الخارجية، ناهيك عن أن الفن إرث حضاري تساهم فيه كل دولة، وضمن أكثر وسائل التوعية، في وقت نحتاج فيه لذلك

بل لن أكون مبالغاً حين أقول إن في أيام كهذه، حيث نجلس معظم أوقاتنا في البيت، ليس هناك من مؤنس سوى الأعمال السينمائية والدرامية التي تهوّن الأيام، بل وتجعلنا أيضاً نفكر في أشياء كثيرة، وربما عمل فني واحد قادر على جعلنا نتخذ قراراً ما يؤثر إيجاباً على حياتنا.

أمام كل هذا لا يمكن اعتبار الفن مجرّد تسلية، ولا يمكن اعتبار دوره ثانوياً في حياتنا، حتى نقف أمام كل أزمة ونطالب بإلغائهن، لأن هناك من يرى أن في حالة توقف إنتاج الأعمال الدرامية سيتم توزيع الأموال علينا وتصبح الحياة جميلة، لن نعرف قيمة الفن الحقيقية إلا لو حدثت كارثة - لا قدر الله - ولم يعد هناك "سينما أو تلفزيون" لنؤكد مقولة منير "لازم طوفان يعني"!

وأخيراً، كان يمكن أن أغض الطرف عن تلك الدعوة لو كانت جديدة، أو على الأقل أفترض حسن نية المطالبين بها، لولا أن تلك الدعوات متكررة، ففي العام الماضي طالب كثيرون بوقف الأعمال الدرامية وتوزيع الأموال على الفقراء، ولذلك لم تكن دعوة هذا العام سوى استغلال لوباء كورونا المستجد وتأكيد أن هناك من يحمل كل هذا الازدراء للفن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard