من العمل على عقلنة الفكر الإسلامي إلى الدعوة للذوبان في الخميني... ماذا أورثنا محمد باقر الصدر؟

الخميس 16 أبريل 202011:59 ص

في بلد كالعراق، وفي قضية معقّدة مثل الإسلام السياسي، وفي ملفات شائكة كتلك المتصلة بالفكر الديني، بكل أطيافه ومذاهبه، توجد مجموعة من الأمور التي سيبقى تأثيرها قائماً، كالعلاقة الجدلية بين المفكر الديني محمد باقر الصدر والعراق، وبينه والإسلامات السياسية، خصوصا الشيعية.

قبل أيام، في التاسع من نيسان/ أبريل، مرّت ذكرى إعدام الصدر الأربعين على يد النظام العراقي السابق، وهو حادث يُعَدّ واحداً من أهم الأحداث في تاريخ العراق الحديث والمعاصر.

الصدر، محمد باقر، المولود في أواسط العقد الرابع من القرن العشرين، يمثل عند الشيعية السياسية وفي العقل "الإصلاحي" للفقه والعقيدة الجعفرية، حجر زاوية مهماً.

بين مرحلتي العقيدة والعقل

سعى الصدر مبكراً إلى تقديم إسلام يمتلك مشروعاً اقتصادياً متكاملاً لكي يستطيع مواجهة المدّ الشيوعي. فكتب في بداية ستينيات القرن الماضي كتاب "اقتصادنا"، مفترضاً أنّ لدى الدين الإسلامي مشروعاً اقتصادياً متكاملاً ونظرية شاملة في الإنتاج والتوزيع، وكان قد سبقه في نهاية الخمسينيات بكتاب "فلسفتنا" المُصنّف كنسخة تقليدية عن محاججة الفلسفة الإسلامية للفلسفات الغربية.

هذه كانت مرحلة الأيديولوجيا المغلّفة بالمعرفة الحرّة والعقل المفتوح. ولاحقاً انتقل إلى نمط من العقلانية بحث عن إجابات أوفر توسعت إلى محاولة فهم آخر، فألّف كتاب "الأسس المنطقية للاستقراء"، مقراً فيه بأن الفلسفة التقليدية الأرسطية، وتبعاً لها الإسلامية، لم تعد قادرة على فعل المزيد، ومعترفاً بحاجة الأخيرة للتغيير.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الرجل لم يطلع بشكل كافٍ على ما يفي بالغرض من المراجع الحديثة والمعاصرة، وكانت قراءاته مستعجلة.

وفي النصف الثاني من السبعينيات، ألقى الصدر محاضرات عُرفتْ بـ"التفسير الموضوعي للقرآن"، وهي سعي لم يخفِ كونه تعبيراً عن الحرج الناجم عن عجز الدين السائد عن مجارات الواقع. وذهب إلى القول إنّ العلوم الإنسانية لا تُقرأ بموجب القرآن، بل يجب أنْ يُقرأ هو باستحقاقاتها.

هنا، لجأ إلى التأويل والتوفيق لكسب تفسير يضع حداً لتناقض لا أشك أنه عانى منه وقتئذ. غير أنّ المساعي لم تُخفِ في طياتها شعوراً عند شخص حريص على الإسلام وحارس من حرّاس العقيدة حاول التفاعل مع ما يفرضه الواقع وتطوره الفكري من استحقاقات.

الانهيار العاطفي

بعد ذلك،  جاءت المرحلة الثالثة، مرحلة تغلّب الأيديولوجيا على العقلانية. ففي لحظة مفاجئة من عام 1978، انتفض الإيرانيون، واستطاع آية الله الخميني أنْ يصير الرمز، وتحوّلت صورته إلى مصدر إلهام، وانتصر.

عام 1979 بالنسبة إلى محمد باقر الصدر كان نهاية فعلية للمحاولة المعرفية ولإعلاء العقل، وبداية العاطفة المحرِّكة للفكر والأيديولوجيا. انهار بسرعة، اندفع، هجر النقد أحياناً، وأحياناً أخرى وظّفه ليصبح ممراً للدفاع عن الدولة الدينية دون أنْ يمنح فسحة تفكير لنفسه.

قيام الجمهورية الإسلامية حقق ما كان يبحث عنه، وأنهى الحاجة إلى البحث إلا في ما يجب أن يحمي الجمهورية الوليدة، فكتب وقتها كراريس "الإسلام يقود الحياة".

انتصار الديني أظهر ما خفي من عاطفة عقائدية. كيف لا، ودولة الحق التي يقودها فقيه قد قامت. أصبح داعية إلى أخطر عبارة تصدر عن رجل يوصف بأنه مفكر: "ذوبوا في الإمام (الخميني) كما ذاب هو في الإسلام". لا عبارة أبلغ منها في الدلالة على أن كل ما امتلكه الرجل الموصوف بالعبقرية الإسلامية، كل شيء، تخلى عنه ببساطة في لحظة انهيار عاطفي.

"سعى محمد باقر الصدر مبكراً إلى تقديم إسلام يمتلك مشروعاً اقتصادياً متكاملاً لكي يستطيع مواجهة المدّ الشيوعي، فكتب في بداية ستينيات القرن الماضي كتاب "اقتصادنا"، مفترضاً أنّ لدى الإسلام نظرية شاملة في الإنتاج والتوزيع"

وربما يصح القول إنه لم يتخلَّ عن كل شيء، لأنّ ذلك الـ"كل شيء" في رؤيته ليس أكثر من الإسلام. مشروعه العقلاني، النقدي، الفلسفي والفكري، مجرد مسعى لحماية هذا "الشيء". وظّف ما استطاع لخدمة عقائده الدينية وتفضيلاته الفكرية والسياسية والاجتماعية.

الاستخدام السياسي الإيراني

هنا يطرح موضوع، أظنه بات مطروقاً على نطاق واسع، وهو أنّ الجمهورية الإسلامية في إيران ضحّت بالصدر للحصول على مكسب أكبر، عبر تحوله إلى "شهيد".

هي فرضية أظنها محاولة تصدٍّ لتصويره بالشخص المندفع، وإعطائه صفة ضحية من جانبين: جانب النظام العراقي وجانب النظام الإيراني. المؤشرات المتوفرة تفيد بأنه من الصعب الحديث عنه كضحية لغيره بقدر ما أراد أن يكون الضحية. أراد دور الفداء، فداء شخص سيطرت عليه اللحظة العاطفية العقائدية ولم تترك له فرصة.

حين تُرك يواجه مصيره، والإذاعة الإيرانية تذيع البيانات عنه باعتباره قائد "الثورة الإسلامية" في العراق، وحين أعدم وهو يعمل على تكرار اللحظة الخمينية في بلاده، لم يكن ذلك لأن الآخرين ضحوا به، بل لأنه اختار أن يكون كبش المحرقة.

أراد دور "حسين العصر" الذي يزلزل حزب البعث. تماهى مع إرادة النظام الثوري المجاور. إنه تفكير معتاد في وعي المنتمين إلى المدرسة الدينو-سياسية الشيعية، وإيمان بضرورة التضحية التي تروج اعتماد الحسين بن علي رمزاً.

أياً يكن، كانت الثورية الإيرانية وقتها مستعدة للتضحية بمَن لا يريد التضحية، فكيف بمَن ذاب فيها وطالب الجميع بالاقتداء به في الذوبان؟

بالتأكيد، كشف الصدر عن أنه لم يكن سياسياً بل رجل أيديولوجي بامتياز، لكنه حاول أن يتحرك كزعيم بأدوات غير أدوات السياسة، فانتهى به المطاف ضحية. وهذه ليست النهايات فقط، بل هي امتداد مرتبط بالنشأة.

توظيف العقل للإسلام

بدايات الصدر كانت مزيجاً غير منسجم بين السياسة والمعرفة والأيديولوجيا. إنها البدايات يوم ساهم في تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، لتقديم نموذج شيعي عراقي وسط سيادة نموذج الإخوان المسلمين السنّي، وفي الوقت نفسه تقديم نموذج إسلامي في مواجهة الشيوعية المتصاعدة التأثير آنذاك. وفي ذات الزمن ألّف كتاباً مبنياً على رؤية أيديولوجية "فلسفتنا". وبالتزامن مع ذلك عمل على كسب معرفة تؤهله لفهم العالم.

"أطلق محمد باقر الصدر أخطر عبارة تصدر عن رجل يوصَف بأنه مفكر: "ذوبوا في الإمام (الخميني) كما ذاب هو في الإسلام". لا عبارة أبلغ منها في الدلالة على أن الرجل الموصوف بالعبقرية الإسلامية تخلى عن مشروعه النقدي في لحظة انهيار عاطفي"

غير أن تداعيات توظيف العقل لصالح الدين كانت حصيلة طبيعية لمفكر ديني أراد المعرفة خدمة للأيديولوجيا، ولم يكن رجل سياسة لأن عقيدته الدينية جعلته عقائدياً رافضاً لإدراك المصالح وما تستدعي اللعبة من تغييرات ومواقف لا تنسجم أحياناً مع الضرورات العقدية.

صحيح أن زمناً مثل عام 1979 كان لحظة هياج وثورة ومشاعر أمل أصابت أهم المفكرين، وبعضهم ليس إسلامياً بل ليس مسلماً، بعطب وقصر نظر، بحكم عدائهم للمنظومة المسيطرة على العالم وللهيمنة الأمريكية. غير أنّ مَن اندفع حالماً بالإسلام يختلف عمن فعل ذلك للخلاص من "الاستكبار".

انتظر محمد باقر الصدر إقامة حكم إسلامي وليس إقامة حكم عادل، والأدق كان يرى حكم الإسلام هو العادل حصراً. هو نفسه الذي امتلك رأياً طالما نقله تلامذته عنه: لا شيء في الإسلام لا يقبله العقل. إنها الأيديولوجيا.

ومن المفارقات أننا أمام رجل اقتنع لسنوات بما أسماه ولاية الأمة على نفسها، لكنه لم يجد غضاضة من أنْ يذوب في ولاية الفقيه على الأمة. في المقابل، تحفّظ المرجع الديني أبو القاسم الخوئي، وهو أهم فقهاء الشيعة وقتها، على ولاية الفقيه، وسبّب ذلك عداء واسعاً له في أوساط الموالين للنظام الإيراني، ومِن بينهم عدد من تلاميذ الصدر نفسه.

ومن المفارقات أن مَن قيل إنه ليس قائلاً بولاية الفقيه، أصبح أهم تلاميذه مؤمنين فيها. كاظم الحائري ومحمود الهاشمي (محمود هاشمي شاهرودي) ومحمد محمد صادق الصدر، وهم أهم تلامذته، قالوا بولاية الفقيه، ونظّروا لها. الأولان تمسكا بالنموذج الإيراني منها تمسكاً عضوياً، فأصبح الهاشمي رئيساً للسلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية في إيران، بينما ما يزال كاظم الحائري من أشد المدافعين عن زعامة المرشد الإيراني علي خامنئي والمنظرين لولايته. أما الثالث، الصدر الثاني، فادعى ولاية الفقيه لنفسه.

التلاميذ وَرَثة الأيديولوجيا

من المهم الإشارة إلى التشابه بين نهاية مشروع الصدر ونتائج مشروع الإصلاحيين، المصري محمد عبده وأستاذه الأفغاني-الإيراني جمال الدين الأفغاني، والذي انتهى إلى أن يكون وريثهما، محمد رشيد رضا، سلفياً متخماً بخطاب متشدد.

ما أنْ رحل الصدر، لم يبقَ أي صدى من مشروعه الموسوم بالنقدي. تلاميذه باعتبارهم امتداده لم يقدّموا سوى أفكار غير منسجمة بأي شكل مع مشروع النقد أو الانتصار للمعرفة على حساب الأيديولوجيا.

وكمثال صغير، وأظنه معبّراً، ظهر في أواسط ثمانينيات القرن الماضي كاتب عراقي شاب، كان يعيش وقتها في إيران، ولاحقاً أصبح أحد المشتغلين بمشاريع نقد التراث الإسلامي، هو يحيى محمد. في أول مؤلفاته، ناقش كتاب الصدر "الأسس المنطقية للاستقراء"، فواجه استخفافاً ورفضاً ومقاطعة جعلته وحيداً داخل الأوساط التي صنفت نفسها منتمية إلى "مفكرها النقدي"، إلى درجة أن يحيى محمد اضطر للذهاب إلى مدارس محمد الشيرازي، رجل الدين المعروف بإعلائه الخرافات والطقوس الغريبة، كي يبقى قادراً على العيش ويحصّل رزقه.

قد لا يعبّر هذا عن الكثير إنْ نظرنا إلى الأمر من زاوية أن كل بيئة ستنظر بعين التقديس لزعيمها، خصوصاً إذا كان شخصاً أُعدم علانية فتحوّل رمزاً مقدساً. لكنه بالتأكيد يعبّر عن كثير إذا ما سألنا عن مشروع النقد والمراجعة وإعادة قراءة التراث التي يقال إن محمد باقر الصدر آمن فيها.

مشروع الصدر النقدي لم يجد الطريق إلى تلامذته، ليس لأنهم خانوا أستاذهم، على العكس، هم التزموا بالمعلّم الذي أخفق في أن يجعل مشروعه أعلى وأكثر نفوذاً ونفاذاً وتأثيراً من مشروعه العقائدي الحي إلى هذه اللحظة. لقد ورّث الأيديولوجيا، وليس النقد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard