بعد وقف التمويل الأمريكي… ما هي الخسائر المحتملة لـ"الصحة العالمية"؟

الأربعاء 15 أبريل 202005:05 م

في أحدث تطور على خطابه الهجومي ضد منظمة الصحة العالمية، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 14 نيسان/أبريل، تنفيذ تهديده بتعليق تمويل بلاده للمنظمة، متهماً إياها بـ"سوء الإدارة الشديد" لملف أزمة تفشي فيروس كورونا و"التغطية" على انتشاره في الصين.

وتأتي خطوة ترامب في وقت يتعرض لانتقادات في إدارة ملف أزمة كورونا محلياً، إذ تُدرس إعادة النشاط الاقتصادي في البلاد. في حين تأجّل صرف مبالغ معونات لعشرات ملايين المتضررين عدة أيام بسبب طبع اسم الرئيس الأمريكي على الأوراق النقدية.

وهذا ما جعل عدداً من المشترعين الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي يقولون إن ترامب يصر على إلقاء اللوم على المنظمة العالمية للتنصل من أخطائه في إدارة الأزمة محلياً.

واعتبر ترامب، المتهم بـ"البطء الشديد" في التحرك لمواجهة كورونا داخل بلاده، أنه كان بالإمكان تقليل انتشار الفيروس وحماية المزيد من الأرواح لو استجابت المنظمة مطالبته إياها بوضع قيود على السفر إلى الصين أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، بدلاً من "انتقاده".

وبعد مدة تراوح بين 60 و90 يوماً، سيعاد النظر في قرار تعليق التمويل الأمريكي الذي بدأ تنفيذه "على الفور"، وفق وسائل إعلام أمريكية.

إلى أي مدى ستتأثر المنظمة؟

ومن المتوقع أن يؤدي قرار ترامب إلى تبعات خطيرة وآنية على أنشطة "الصحة العالمية"، لا سيما أن الولايات المتحدة هي أكبر مانح فردي لها، إذ تبلغ مساعدتها المالية نحو 15% من إجمالي موازنة المنظمة. ولم تعلق المنظمة رسمياً على القرار الأمريكي إلى الآن.

وكان تمويل واشنطن للمنظمة عام 2019 نحو 400 مليون دولار أمريكي. ويعادل هذا الرقم ضعفَيْ التمويل الممنوح من الصين للمنظمة عن العام نفسه، ويصل إلى 10 أضعاف التمويل الصيني بإضافة تمويل المنظمات الأمريكية الخاصة الأخرى.

وكانت "الصحة العالمية" قد أطلقت، في آذار/مارس الماضي، نداءً لجمع 675 مليون دولار للمساعدة في مكافحة الفيروس التاجي وفق إستراتيجية جديدة تتطلب مليار دولار على الأقل.

لعل هذا ما دفع بيل غيتس، صاحب مؤسسة بيل وميليندا غيتس الخيرية، ثاني أكبر ممول للمنظمة، للقول عبر تويتر: "وقف تمويل منظمة الصحة العالمية أثناء أزمة صحية عالمية، أمر خطير على ما يبدو. يساعد عملها في إبطاء انتشار الفيروس، وهو عمل لا يمكن أن تقوم به أي منظمة أخرى".

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قال أيضاً إن الوقت ليس ملائماً لخفض الموارد المخصصة للمنظمة، لافتاً في بيان إلى أن "هذا الوقت هو وقت الوحدة، وعلى المجتمع الدولي العمل معاً لوقف الفيروس وتبعاته المدمرة".

"الإدارات الأمريكية المتعاقبة، المنشغلة بالسياسة وأجندات مختلفة مع الصين، سلّمت بكين إدارة منظمة الصحة العالمية على طبق من فضة"... قرار ترامب بوقف تمويل "الصحة العالمية" يفتح النقاش حول التعامل الأمريكي مع المنظمة منذ عهد بوش

وفيما اعتُبر رداً غير مباشر على قرار ترامب، قال مدير "الصحة العالمية" تيدروس أدهانوم غيبريسوس على حسابه عبر تويتر: "لا وقت نضيعه. الشاغل الوحيد لمنظمة الصحة العالمية مساعدة كل الشعوب لإنقاذ الأرواح ووضع حد لتفشي فيروس كورونا المستجد".

وللمرة الأولى، حثت الصين الولايات المتحدة، في 15 نيسان/أبريل، على الوفاء بالتزاماتها تجاه منظمة الصحة العالمية، موضحةً عبر المتحدث باسم وزارة خارجيتها، تشاو ليجيان، أن تفشي كورونا بلغ مرحلة حرجة، وأن قرار الولايات المتحدة سيؤثر في جميع دول العالم.

"أمريكا سلمت المنظمة للصين"

بالتزامن مع اتهامات ترامب المتلاحقة للمنظمة بمحاباة الصين والتغطية على "تقاريرها الملفقة"، قالت مجلة "نيوزويك" الأمريكية إن الحكومات الأمريكية المتتالية، بدءاً من إدارة الرئيس جورج بوش مروراً بباراك أوباما وصولاً إلى ترامب، سلمت منظمة الصحة العالمية إلى الصين على طبق من فضة بـ"عدم الاكتراث لمن يشغل المناصب القيادية فيها".

بحسب المجلة الأمريكية، كانت المرة الأولى التي سُمّي فيها مرشح مدعوم من الصين لمنصب مدير عام "الصحة العالمية"، في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2006. وقد احتلت المنصب وقتذاك الطبيبة الصينية الكندية مارغريت تشان التي حصلت على دعم الأغلبية في جمعية الصحة العالمية، وهي الهيئة المعنية بالتصويت على أرفع المناصب في المنظمة.

كان ذلك عقب سنوات قليلة من انتقاد الصين لمحاولتها التعتيم على ظهور فيروس سارس وانتشاره عام 2003، إذ تأخرت في الإعلان عن ظهوره أولاً ثم في تقديم تقارير كافية عن معدلات انتشاره لاحقاً.

في ذلك الحين، كان حزب الرئيس جورج بوش الجمهوري قد تعرض للمرة الأولى منذ عام 1992 لخسارة مجلسي الكونغرس إثر انتخابات التجديد النصفي، في ظل تطور الحرب في العراق واتجاهها جنوباً على نحو متسارع، متحولةً إلى "كارثة" للقوات الأمريكية.

ولم يكترث أحد في الإدارة الأمريكية حينذاك لانتخابات منظمة الصحة العالمية، وهذا ما تكرر عقب خمس سنوات، حين دعمت إدارة أوباما إعادة انتخاب تشان لولاية ثانية برغم تعيينها عدداً كبيراً من البيروقراطيين الموالين للصين خلال ولايتها الأولى، وفق "نيوزويك".

وفي ربيع عام 2017، حين طرح اسم المدير العام الحالي للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، لتولي المنصب، لم تهتم إدارة ترامب بالبحث في خلفيات أول مدير عام غير طبيب في تاريخ المنظمة.

كان جل تركيز ترامب منصباً على علاقة بلاده بالصين تجارياً، وفق ما أعلنه تكراراً خلال حملته الانتخابية عام 2016 .

"أكبر مانح فردي على الإطلاق"… تحذيرات واسعة من تفاقم أزمة تفشي فيروس كورونا بعد تعليق الدعم الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية، ورصد الخسائر المحتملة للمنظمة بعد قرار ترامب

ونقلت المجلة الأمريكية عن موظف في مجلس الأمن القومي، أمسك عن ذكر اسمه لأنه غير مصرح له بالتحدث عن الأمر، قوله: "لم يكن أحد يركز على منظمة الصحة العالمية في ذلك الوقت".

لذلك، تفوق غيبريسوس، الإثيوبي المدعوم بقوة من بكين، على الطبيب والدبلوماسي البريطاني البارز ديفيد نابارو الذي كان مدعوماً من واشنطن، بـ133 صوتاً مقابل 50 لخصمه في الاقتراع النهائي.

وأشارت المجلة إلى أن سماح الولايات المتحدة وحلفائها للممثلين الصينيين، أو المدعومين من بكين، بتولي منظمات مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الطيران المدني الدولي والاتحاد الدولي للاتصالات ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، كان وليد الاعتقاد بأن "القليل من الضرر يمكن أن ينجم عن ذلك".

في إعلانه عن تعليق تمويل "الصحة العالمية"، أوضح ترامب أن حقبة عدم اكتراث واشنطن للمنظمة قد انتهت، مبيّناً أن فترة التعليق ستُجرى خلالها "مراجعة لدور المنظمة في سوء الإدارة والتغطية على انتشار الفيروس التاجي".

وكانت عدة دعوات إلى إقالة المدير العام الحالي لمنظمة الصحة العالمية عقب اتهامه بتلميع الإجراءات الصينية خلال مكافحة كورونا، قد انطلقت في شباط/فبراير الماضي عبر وثيقة شعبية وقعها نحو 950 ألف شخص في جميع أنحاء العالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard