يكثر فيه الحبّ والعناق ولا يتوقّف الغناء... عن مقهى مالاكوف في الجزائر

الجمعة 24 أبريل 202004:19 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ الذي أُطلق منذ شهر مارس/أذار 2020, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "داوِ الهمومَ بقهوةٍ سوداءِ... المقاهي العربية".


لم يكن الوصول إلى مقهى مالاكوف صعباً, فكلّ الطرق في الجزائر العاصمة تؤدي إلى هناك! ولعلّ أبرز شيء ساعدنا على ذلك بمجرد وصولنا إلى مسجد "كتشاوة" العتيق, أشهر المساجد التاريخية بالعاصمة الجزائرية, كان رائحة القهوة التي تفوح من دروب القصبة الضيقة, والتي تمتزج برائحة عبق الياسمين وماء الزهر الذي يرشّه الباعة على المارين لإكرامهم والترحيب بهم.

يقع مقهى مالاكوف أسفل فندق وأروقة تحمل الاسم نفسه, نسبة إلى "إيمايل جان جاك بليسه"، أول دوق مالاكوف، الذي كان مارشال فرنسا والحاكم العام للجزائر خلال الفترة الممتدة بين 1860 و 1864.

من هنا مرّ عمالقة الأغنية الشعبية

يُعتبر مالاكوف من أقدم المقاهي الشعبية في العاصمة الجزائرية, يحتفظ بذاكرة قرن من الزمن؛ فالذين لا يعرفون المكان يتخيل لهم وكأن المقهى من أشهر وأفخم المقاهي التي تشتهر بها العاصمة، إلا أننا بمجرّد وصولنا إلى الأزقة الملتفّة, ينتابنا شعور لا يُوصف؛ يرحل بنا المكان إلى زمان غابر وتُثيرنا رائحة التاريخ, فنشعر بأن الأنسجة العمرانية المحيطة بـمالاكوف تحتضننا وتجذبنا وتعود بنا إلى زمن لم نعشه من قبل, لا تظهر عليه مظاهر الترف والفخامة والتصاميم الاستثنائية والعالمية الراقية.

تتزين جدران المقهى بصور وبورتريهات لأشهر مطربي الموسيقى الشعبية في الجزائر على غرار مطرب الأغنية الشعبية الجزائرية، عمر العشاب, صاحب أغنية "مال الحبيب طال غيابو مال الحبيب مالو"، وصور أخرى لأيقونة الفن الشعبي، عمر الزاهي، وتتوسط هؤلاء صورةٌ كبيرة لرائد الأغنية الشعبية، الحاج أمحمد العنقى, يضع فوق رأسه "شاشية" إسطنبولية، ويحمل بين يديه "ماندولا".

يقول مُحمد، شاب في حدود الأربعين سنة, وُلد وترعرع في إحدى "دويرات" قصبة الجزائر, لـرصيف22: "من هنا مر ّعمالقة الفنّ الشعبي وعشاقه والمتعطشون لكلماته ونصوصه وفلسفته وحكَمه. ومن يريدون فهم الأغاني الشعبية فعليهم أن يتمتعوا بمستوى تعليمي في الأدب العربي لأن الموسيقى الشعبية ليست موسيقى وغناءً ورقصاً، بل هي أسلوبُ تحاور اجتماعي".

يزدحم مالاكوف بزوّاره في السّهرات الرمضانية, حيث يتحوّل إلى بورصة لأيقونات الأغنية الشعبية الجزائرية، فكانوا يأتون إليه من كلّ مناطق الجزائر العاصمة على غرار بئر خادم وبوزريعة والأبيار

ويؤكد محمد أن مالاكوف كان يجمع ما بين المتناقضات؛ يكثر فيه الحبّ والعناق والسّلام ويجد الكثيرون ضالتّهم فيه, فنجدهم صباحاً يتعايشون مع سجائرهم وفناجين القهوة, يتلذذون بحرارة الشمس ونسمات البحر المتوسط. ويتابع: "يزدحم مالاكوف بزوّاره في السّهرات الرمضانية, حيث يتحوّل إلى بورصة لأيقونات الأغنية الشعبية الجزائرية، فكانوا يأتون إليه من كلّ مناطق الجزائر العاصمة على غرار بئر خادم وبوزريعة والأبيار، وحتى من محافظات أخرى مثل وهران وعَنّابة وقسنطنية".

الغناء فيه لا يتوقّف

ويضيف: "المقهى نجح في استقطاب الأجانب, حيث يأتي إليه، بصفة دائمة، الكثيرُ من السيّاح القادمين من مختلف الدول. وما يُضفي المزيد من الجاذبية عليه هو طبيعة الموقع, حيث يتوسط حيّ القصبة، أشهر الأحياء الشعبية في الجزائر, وهو الحيّ الذي يحمل طابعاً تاريخياً, ويشتهر بكنوز معمارية وطبيعية عديدة مثل المساجد والعيون التي كان عددها يُقدّر بـ150 عيناً، وقد تقلّص اليوم إلى سبع عيون, إضافة إلى الزوايا والقصور التي صُنّفت ضمن معالم اليونيسكو عام 1992".

ويروى مُحمد: "أصبح المقهى معروفاً بمقهى العنقى, نسبة إلى الفنان الحاج امْحمّد العنقى الذي قام بشرائه من مالكه الأصلي الحاج مريزق, وأصبح المقهى في عهده قبلةً لهواة الموسيقى الشعبية والراغبين في تعلمها". ويُواصل: "جدّي ووالدي كانا من بين الذين لا يتخلفون عن (قعدات) الحاج امْحمد في المقهى, حيث كان يغني على امتداد خمس أو ست ساعات كاملة دون توقف".

ما يُضفي المزيد من الجاذبية على المقهى هو طبيعة الموقع, حيث يتوسط حيّ القصبة، أشهر الأحياء الشعبية في الجزائر, والذي يحمل طابعاً تاريخياً, ويشتهر بكنوز معمارية وطبيعية عديدة مثل المساجد والعيون

للقهوة طعم آخر

السرّ الذي جعل مالاكوفَ من أشهر المقاهي في الجزائر, وذلك على الرغم من انتشار العديد من المقاهي في وسط المدنية, وبعضها تنتمي للسلاسل الفخمة, وتقدّم أفخر أنواع القهوة, هو تقديم هذا المقهى للقهوة الشعبية المصنوعة بطريقة تقليدية, حيث يتم شرائها في شكل حُبيبات, ثمّ طحنها في البيت، فشيّها على النار، ورائحتها وهي تُطحن قد تكون أشهى من تذوّقها، وهي تعبق في شوارع القصبة كلّ صباح.

يقول محمد: "يتحوّل المقهى كلّ صباح إلى ملاذ للكتاب والشعراء, حيث نراهم يرتشفون القهوة في تمهّل وتلذذ، بينما سجائرهم وأقلامهم لا تفارقهم".

ويُحكى أن المقهى كان خلال حرب التحرير الجزائرية (1954 _ 1962), يُمثلُ مكاناً يلتقي فيه المجاهدون (قدماء المحاربين الجزائريين). وفي أربعينيات القرن الماضي, بعدما قام الفنان الجزائري الحاج امْحمد العنقى، بشراء المقهى من مالكه الحاج مريزق، أصبحت تقام فيه الأعراس والحفلات بشكل يومي, وكانت هذه الفترة بمثابة العصر الذهبي التي اشتهر فيها مالاكوف.

وبعد أن فارق الفنان امْحمد العنقى الحياة عام 1978, عادت ملكية المقهى إلى مواطن جزائري آخر حاول الحفاظ على هويته كفضاء يلجأ إليه لكسر الروتين اليومي والخلوة مع النفس. وبرحيله حاول أبناؤه الحفاظ على هذا الإرث الذي يعتبر من أبرز معالم حيّ القصبة.

قام الأبناءُ بترميم جدرانه التي تآكلت بفعل الرطوبة وتزيينها بصور لأشهر عمالقة الفنّ الشعبي في الجزائر، فأصبح المقهى عبارة عن متحف صغير بالنظر إلى الصورة النادرة التي يحتفظ بها. كما استعانوا بإحدى الفرق الموسيقية لإنعاش المقهى، وتنشيط سهرات شهر رمضان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard