دي فسحة الغلابة... عن كوبري قصر النيل الحاضن للثورات والعشّاق

الأربعاء 6 مايو 202005:05 م

إذا زرتم القاهرة يوماً ما، فمن المؤكد أنكم ستمرّون من هنا، حيث ستقودكم أقدامكم رغماً عنكم إلى وسط المدينة، حيث أغلب المزارات السياحية، وأغلب الفنادق وأغلب المتنزهات والمحلات.

في منطقة التحرير تقف أسودٌ أربعة لتستقبل المارّة على كوبري (جسر) قصر النيل، كانت عظمتها سابقاً كفيلة بأن تجعل الجميع يقفون مدهوشين وهم يتأملون تفاصيل تلك التماثيل الشهيرة من بعيد، قبل أن يتغير الحال ويشعر المارّة بأن الزّمن قد ترك آثاره عليهم، ويصبح كلٌّ منها فريسة في يد الشباب الذين يتسلّقونها لالتقاط صورة "سيلفي" جديدة.

لكوبري قصر النيل قصص وحكايات لا تنتهي منذ بداية التفكير في إقامته وحتى اللحظة التي تقرأون فيها هذه السطور. يحكي رامي الشافعي، مؤسس مبادرة "اعرف تاريخ بلدك"،  لرصيف22 حكايةَ إنشاء هذا الجسر ويقول: "كان الخديوي إسماعيل مغرماً بفكرة الجسور، وكان يحلم بأن يجعل مصر قطعة من أوروبا، لذلك لجأ إلى بعض التفاصيل التي شاهدها في فرنسا ونقلها إلى هنا، وكان في مقدمتها كوبري قصر النيل، الذي يعدّ أول جسر يُشيد على نيل القاهرة عام 1869 لربط ضفّتي النيل والجيزة والقاهرة ببعضها البعض، ليصبح في ما بعد أحد أشهر معالم القاهرة التاريخية والسياحية".

يواصل رامي: "كان للفكرة كثير من المزايا، فأولاً ستجعل القاهرة مدينة حديثة تواكب مدن أوروبا التي تربط بين أحيائها الكبرى، ومن ناحية أخرى ستدعم الفكرة خطة الخديوى لإحداث نقلة حضارية مهمة في مصر. والأهمّ أنه سيتخلص من أزمة المراكب التي كانت تنقل الناس بين ضفتي النيل، والتي كانت عادة ما تتسبب في حوادث غرق، حتى بعد أن تمّ تعديل طريقة النقل بأن تتراصّ المراكب إلى جوار بعضها البعض، ويتمّ بعدها وضع الكثير من الألواح الخشبية فوقها ليمرَّ عليها الناس. طبعاً كانت طريقة مرهقة للغاية، غير أنها كانت أيضاً تتسبب في الكثير من الخسائر."

يضيف الشافعي لرصيف22: "مع بداية افتتاح الجسر أطلق عليه (كوبري قصر النيل)، نسبة للقصر الذي شَيده محمد علي لابنته على الجانب الآخر من النيل، وهو القصر الذي هدمه سعيد باشا مع توليه الحكم ليحوله إلى ثكنة تابعة للجيش. كما سُمي أيضاً (أبو الأشبال)، نسبة لأربعة من الأسود على الجسر."

 أثناء ثورة يوليو 1952 احتشد الآلاف من المصريين لتأييد موقف الجيش في ثورته على الملك، كما شهد الكوبري في أحداث يناير 2011 مواجهات كثيرة بين المتظاهرين وقوات الأمن في ما عرف بـ"جمعة الغضب"

هلّل الناس كثيراً للخديوى مع افتتاح الكوبري الذي توقعوا أن يوفر لهم الأمان والراحة، لكن مفاجأة كبرى كانت في انتظارهم، وكما يقول الشافعى: "كانوا يعتقدون أنهم سيمرّون عليه مجاناً، لكن الخديوي أصدر مرسوماً بوضع حواجز على مداخل الكوبري لدفع رسوم عبور، مقابل (ربع قرش) للمارّة ، و(قرشين) للعربات المليئة بالبضائع، و(قرش) للعربات الفارغة. طبعاً سيطر الحزن على الجميع وطالب المصريون بأن يكون العبور مجانياً، لكن الخديوى أكد أن فرض تلك الرسوم يضمن سلامتهم. ولم يفهم الناس كيف يمكن أن يكون رسم المرور الضامن لسلامتهم، ليردّ الخديوى بأن تلك الأموال ستُخصَّص لتكاليف الصيانة الدورية حتى لا يتعطل الكوبري لأيّ سبب فني، ويعود الناس للمرور عبر الألواح الخشبية التي كانوا يتساقطون من عليها."

ويحكي أحمد عزت، المهندس المدني وأحد منسقي الحملة عن كواليس الإنشاء، ويقول لرصيف22: "تكلفة الكوبري بلغت 120 ألف جنيه مصري، وعند الإنشاء كان بطول 406 أمتار، وعرض 10.5 متر. وكان عبارة عن 8 أجزاء؛ أحدها متحرك، طوله 66 متراً لعبور المراكب والسّفن، يتمّ فتحه يدوياً من خلال تروس، بالإضافة إلى جزأين نهائيين بطول 45 متراً، و5 أجزاء متوسطة بلغ طول كلٍّ منها 50 متراً. وتمّ تأسيس دعائم الكوبري من الدبش والحجر الجيري الصّلب. كما تمّ تنفيذ الأساسات بطريقة الهواء المضغوط. وصُمّمت فتحات الكوبري لتتحمل 40 طناً. وكان من المقرر أن يكون ارتفاع جسم الكوبري عن سطح النيل 6 أمتار إلا أنه بعد استشارة المتخصصين تمّ تغيير الرسومات ليكون 9 أمتار ونصف المتر، حتى يكون أبعد ما يمكن عن ارتفاع المياه عند الفيضان."

ويكمل: "في الثلاثينيات من القرن الماضي انتبه الملك فؤاد إلى أن الحمولات التي تعبر الكوبرى يومياً أصبحت زائدة عن الحدود المسموح بها، ما يعني أن الكوبري بات في خطر، ومن هنا قرّر الاستعانة بأحد أبرز المهندسين في العالم، السير رالف فريمان، مصمّم جسر ميناء سيدني بأستراليا لحلّ الأزمة. فوضع فريمان خطة تقضي بفكّ أجزاء الكوبري بالكامل، وترقيمها بشكل متسلسل لاستخدامها في ما بعد في بناء الكوبري الجديد، الذي يبلغ طوله 382 متراً، وعرضه 20 متراً، وقُدّرت تكلفته الإجمالية بـحوالى 300 ألف جنيه."

على مداخل الكوبري من الاتجاهين تمّ وضع 4 تماثيل لأسود من البرونز، وتمّ تصنيعها خصيصاً في فرنسا، ونقلت إلى القاهرة. وفي كتابها "قصص شوارع القاهرة" تروي الباحثة ليزلي لبابيدي أن التماثيل صُنعت خصيصاً لغرضٍ غير الكوبري، حيث كان من المقرر أن تزين هذه الأسودُ البوابةَ الخاصة بحديقة الحيوان التي تعدّ الأكبر في المنطقة، غير أن الخديوي توفيق الذي كان قد تولى الحكم للتوّ عند وصول التماثيل من فرنسا، رأى أنه من الأفضل أن تبقى على مداخل الكوبري لتمنحه المزيد من الهيبة.

على مداخل الكوبري من الاتجاهين تمّ وضع 4 تماثيل لأسود من البرونز، وتمّ تصنيعها خصيصاً في فرنسا، ونقلت إلى القاهرة

كان لكوبري قصر النيل حضور سياسي كبير حتى تحول، كما لقبة البعض، إلى "قبلة للغاضبين والساخطين"، وذلك بعدما شهد الكثير من الانتفاضات في العهد الملكي، وكانت البداية من مظاهرة طلاب جامعة فؤاد الأول عام 1935، للمطالبة بعودة العمل بدستور 1923.

ونشرت جريدة الأهرام تفاصيل ما جرى، مؤكدة أن الطلبة عقدوا اجتماعاً بالجامعة في محافظة الجيزة، وقرروا الخروج في مظاهرة سلمية للتنديد بالاحتلال البريطاني، غير أن البوليس تصدى لهم ملحقاً بهم إصابات كثيرة، فيما سقط منهم طالبان، لتتشتعل الأحداث في البلاد، وينظم الطلاب مظاهرة كبيرة في اليوم التالي، محاولين اقتحام كوبري قصر النيل، قبل أن تتدخل قوات الاحتلال وتقمع المظاهرة.

وفي أثناء ثورة يوليو 1952 احتشد الآلاف من المصريين من كافة الفئات على الكوبري لتأييد موقف الجيش في ثورته على الملك، كما شهد الكوبري في أحداث يناير 2011 مواجهات كثيرة بين المتظاهرين وقوات الأمن في ما عرف بـ"جمعة الغضب".

وكما كان للكوبري حضور سياسي، كان له أيضاً حضور رومانسي واجتماعي، حيث تحول إلى مزار وقبلة للعشاق الذين لا يجدون المال الكافي للاستمتاع بمقابلاتهم في المولات أو المقاهي الحديثة.

يقول عم سعد، بائع متجول على الكوبري: "الحبيبة بيجوا هنا كل يوم وخصوصاً في الصيف، بيقفوا ياكلوا ترمس أو يشربوا شاي، ويشتروا ورد، ويتصوروا مع بعض ويمشوا. ده حتى في ناس منهم حفرت أساميها على جسم الكوبري، وفيهم ناس بتيجي عشان تركب المراكب اللي المرسى بتاعها موجود تحت الكوبري، وبرضه بسعر قليل. ماهي دي فسحة الغلابة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard