بئر للعشّاق وبيت لنجومِ جيمس بوند... عن معالمِ شارع الصّليبة في قلب القاهرة

الثلاثاء 21 أبريل 202011:36 ص


يأتي هذا المقال ضمن الملفّ الذي أُطلق منذ شهر ديسمبر 2019, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "فلنتسكّع معاً في الشّوارع".


تغيرت وجوه الناس الذين تعوّدوا المرور من هنا. تغيرت ملابسهم واهتماماتهم، وحلّ الضجيج والزحام محلّ الهدوء والبراح. جاء إلي الدنيا ملايين وغادرت ملايين أخري الحياة، لكن المكان بقي على حالة شاهداً على حكايات وأساطير نُسجت منه وحوله. هنا في قلب القاهرة يفتح التاريخ بابه على مصرعيه، ليروي ويحكي ما جرى في عصور مختلفة عبر متحف مفتوح يعرف باسم شارع الصليبة.

يبدأ شارع الصليبة من بداية شارع مارسينا بالقُرب من ميدان السيدة زينب، وينتهي بميدان القلعة بتقاطع شارع المعزّ مع الجسر الأعظم. وبحسب كتاب د. محمد الششتاوي "متنزهات القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني"، كانت تربط الشارع بركتا "الفيل" و"قارون"، وكانت مساحة الأولى حوالي 140 ألف متر مربع، أما بركة قارون فبلغت مساحتها 60 ألف متر مربع.

يقول الخبير الأثري يوسف معوض لرصيف22: "حدود الشارع بدأت قديماً من تقاطع مدينة العسكر التي اندثرت بالكامل، ومدينة القطائع التي لم يتبقَّ منها إلا جامع ابن طولون فقط."

ويضيف: "قبل 250 عاماً، كان المكان شاهداً على مرور كثير من السّفن والمراكب، وبعد فترة تحولت البركتان إلى شارع يمشي فيه الناس من قلعة الكبش إلى قناطر السباع (ميدان السيدة حالياً)، وفي الفترة من 1312م وحتى نهاية عصر المماليك الشراكسة عام 1517م، ومع تشييد الكثير من القلاع والمنشآت أصبح الشارع بالكامل مقرّاً سكنياً ووظيفياً لكبار رجال الدولة.

يضمّ الشارع أكثر من 100 معلم أثري، كشف معوض أهمَّها وقال: "في بداية الشارع يقع سبيل وكُتّاب السلطان الأشرف قايتباي، ويعدّ أول سبيل مستقلّ عن أي منشأة أخرى في مصر، ويعتبر من أروع الآثار الإسلامية، حيث يجمع بين العظمة والفخامة التي تتجلى في ضخامة حجمه مع الزخارف المتنوعة والمتناغمة وكأنها لوحة فنية رسمها عبقري."

وحسب قول هذا الخبير فقد كان السبيل مخصّصاً لتسبيل ماء الشّرب وكان يجاوره رواق به مطبخ ودورات مياه وحوض للوضوء، وكان يعلو الرواق طابق ثانٍ مخصص لإقامة "المزملاتي" المقيم بالسّبيل، وهو الشخص المسئول عنه، وجرت العادة أن يقف كلّ عابر يشرب من السبيل فترة من الوقت ليدعو لمن شيّد هذا المبنى الذي ينقذ عباد الله من الظمأ والعطش في أيام الصيف الحارة.

ويتابع يوسف: "من المعالم المهمة في الشارع أيضاً مدرسة قاينباي، وتتميز بالبناء المعماري والأسقف الخشبية المعلقة، وقد وُضع أوّل حجر فيها عام 816 هـ، ويعود بناء هذه المدرسة للأمير قاينباي المحمدي الذي عرف بـ (قاني باي) الصغير."

ذاعت شهرة بيت الكريتلية حتى جذبت نجوم سلسلة جيمس بوند الذين صوروا عدداً من المشاهد فيه عام 1977، والمخرج حسن الإمام في فيلمه "بين القصرين"

وتضمّ المدرسة مسجداً تقع مئذنته فوق كتلة المدخل، وهي تبدأ بقاعة مربعة يليها "بدن" مثمن، به أربع دخلات مستطيلة معقودة. وبعد ذلك نجد سبيل الأمير عبد الله كتخده (1719م-1132هـ) الذي كانت له وظيفة أخرى غير توفير المياه للمارّة.

يشرح معوض لرصيف22: "كان للسبيل وظيفة تعليمية، حيث أُلحق به في الطابق الثالث كُتَّاب ليتعلم فيه الأطفالُ مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. هناك أيضاً جامع ومسجد شيخون، للأمير شيخون العمري الناصري، والذي أقام الجامع ليخلّد اسمه. ويضمّ الجامع أماكن دروس للحنفية وللمالكية. وبعد ذلك نجد بشارع الصليبة خانقاه شيخون، وبها ملحق يضمّ حماماً للرّجال، وبعده بحوالي 200 متر حمّاماً للنساء، وإلى جواره ربع شيخون."

يتقاطع شارع الصليبة بعد ذلك مع شارع السيوفية، الذي قد سُمّي بهذا الاسم نسبة لوِرَش السّيوف التي كانت منتشرة به خلال العصر المملوكي، ويزخر بالعديد من الآثار الإسلامية المملوكية والعثمانية.

يقول الخبير الأثري رضا سلامة لرصيف22: "يختصّ شارع السُّيوفية بتنوّع كبير في أنماط العمائر الإسلامية، رغم أن طوله لا يزيد عن 800 متر. ومن أبرز معالمه تكية الدراويش؛ الأثر الذي لا يوجد مثيل له في بلادنا. فيما يضمّ أيضاً مسجد ألماس الحاجب وخانقاه أيديكن البندقداري، وأسبلة وكتاتيب وبقايا من قصور مملوكية، وفي نهاية شارع السيوفية، سنجد سبيل وكُتّاب (أم عباس) الذي أقيم على الطراز العثماني."

ويروي: "أقيم الصرحُ بناءً على نذر أمّ الملك عباس الأول، بعدما حُرمت من الإنجاب سنوات طويلة، فنذرت، إن رزقها الله بمولود، أن تقيم مكاناً ضخماً لأعمال الخير. وبعد أن رُزقت بـعباس، حقّقت النذر، وأنشات نافورة عملاقة لتوفّرَ الماءَ لأهالي الحي. وأطلق عليها (سبيل أم عباس). وبعد فترة من إقامة السّبيل كانت أم عباس تجمع الفقراء والمحتاجين وتمنحهم الهبات والعطايا .وبجوار السبيل وعلى بعد مترين من مسجد أحمد بن طولون، هناك (بيت الكريتلية)، الذي أطلق عليه أكثر من اسم بمرور الوقت؛ منها: (بيت الجزار)، (منزل آمنة)، و(متحف جاير أندرسون)، نسبة للضابط الإنكليزى، الذي أعاد بناءه، ليقيم فيه، تاركاً وصيةً لأولاده بأن يتحوّل المكان إلى متحف بعد وفاته."

وبحسب الخبير الأثري رضا سلامة مع بداية التخطيط لـ"بيت الكريتلية"، أقيم المكان على شكل منزلين يرجع تاريخهما إلى العصر العثماني، حيث تمّ بناؤه بين القرنين الـ16 والـ17 الميلادي، قبل أن يدمجهما جاير أندرسون في بيت واحد في ثلاثينيات القرن الماضي. فيما صمّم مدخل البيت بطريقة الحصون الإسلامية. وفي خزانة كبيرة في الداخل، يوجد المفتاح الأصلي لبيت الكريتلية، وهو بطول نصف متر.

في بداية الشارع يقع سبيل وكُتّاب السلطان الأشرف قايتباي، ويعتبر من أروع الآثار الإسلامية، حيث يجمع بين العظمة والفخامة، مع الزخارف المتنوعة والمتناغمة وكأنها لوحة فنية رسمها عبقري

وقد دارت حول المنزل الكثير من الأساطير، أكثرها شهرة أن البئر الموجود به قادر على جمع العشّاق، بمعنى أن العاشق/ة إذا نظر/ت إليه وتمنّى/ت رؤية المحبوب/ة، تنعكس صورة الحبيب/ة على مياه البئر فوراً. فيما ردّد آخرون أن البيت به ثعابين كبيرة وجانّ لحمايته من السّرقة، حتى أن البعض كان يخشى من مجرّد الاقتراب من المكان. لكن صناع السينما كانوا على العكس من ذلك، حيث صوّر المخرج الرّاحل حسن الإمام مشاهدَ من فيلمه "بين القصرين" في البيت. وكذلك ذاعت شهرة بيت الكريتلية حتى جذبت نجوم سلسلة جيمس بوند الذين صوروا عدداً من المشاهد فيه عام 1977.

ومن معالم الشارع المهمّة الأخرى هو مسجد ومدرسة "صرغتمش". وهذا المبنى عبارة عن أربعة إيوانات يتوسطها صحن مكشوف، وقبة تقوم على محراب، هي الأقدم بين قباب القاهرة مجتمعة. أمّا مئذنة المسجد فقد تمّ تشييدها على الطراز المملوكي، ويبلغ ارتفاعها عن سطح الأرض أربعون متراً.

وبحسب الخبير سلامة، شهد الشارع على مدار التاريخ الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية، حيث مرّت خلاله في العصر المملوكي، مواكبُ السلاطين؛ فقد كان السلطان تعوّد المرور في موكب عظيم يضمّ الكثير من الخيول، بينما يصطفّ الناس على جانبي الشارع، للنظر إلى "السلطان العظيم" حتى إذا ما صار قريباً منهم يرفعون الأيدي بقراءة الفاتحة والدعوات له بالنّصر والقدرة على حماية البلاد. كما اشتهر الشارع أيضاً بتنفيذ عقوبة "التجريس" على كلّ من يرتكب المخالفات.

يتابع رضا: "كانت عقوبة التجريس تُعلن من قِبل (المحتسب) الذي يجمع بين سلطات وزراء العدل والداخلية والتموين. كان يجلس وسط أكبر سوق بالمدينة وأمامه التقارير التي تصله يومياً حول المتلاعبين بالأسعار والأقوات، فيتولى التحقيق في المخالفة، وإصدار الحكم بالتجريس. وحينها يتمّ وضع المخالف فوق حمار أو بغل، على أن يجلس بشكل مقلوب ليمسك بذيل الحمار بدلاً من رأسه، ويمضي به رجال المحتسب والصبية بالشّوارع يقرعون الأجراس ويدقّون الطبول حتى يخرج الناس من بيوتهم ويشاهدوا المخالف وهو يتلقى عقوبته، شارحين ما جرى منه. وكانت تلك العقوبة عادة ما تتسبب في إفلاس صاحبها لأن التاجر في تلك الفترة كان يعتمد على سمعته في الدرجة الأولى."

كذلك شهد الشارع مؤامراتِ المماليك ضدّ بعضهم بعضاً. وفي كتابه "دم المماليك" يؤكد الكاتب والباحث وليد فكري أن فترة حكم المماليك شهدت على الأقلّ 40 انقلاباً عسكرياً، إلى جانب عدد من المحاولات التي لم تكلَّل بالنجاح، وكان مصير قائدها الموت بعد فشلها. وكذلك يرصد الكاتبُ تفاصيل ما جرى لعشرين شخصاً من سلاطين المماليك انتهت حياتهم بالاغتيال أو الإعدام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard