موضوع لا يمكن التحدث بشأنه على طاولة العشاء

الأربعاء 15 أبريل 202001:37 م

النوم موضوع شعري للغاية، بالإضافة لموت امرأة جميلة، كما يقول إدغار آلان بو، تستطيع الكتابة عن ضياع في مدن مزدحمة، عن رؤوس تتدحرج ومعارك جانبية، أضف إليهما امرأة جميلة تحتضر في علية... وهوووب... لقد حصلت على قصيدتك الخالدة.

أما الأرق فأمر آخر، الأرق في قصائد بودلير، في ليالي أرثر رامبو الجافة، في الكتاب الأعظم، ألف ليلة وليلة، حين يدرك شهرزاد الصباح، تبدو شهرزاد كواحدة من الأرِقات الأكثر يأساً في التاريخ، طبعاً إذا استثنينا الله الذي "لا تأخذه سنة ولا نوم"، الصباح هو من يدركها أما هي فمشغولة بأرقها، بالبثور التي تنبت على مؤخرتها وهي مستلقية لـ"تبلغ الملك السعيد"، بالحكاية التي ستنسجها لليوم التالي لتهرّب رأسها من سيف الجلاد، أما الصباح فغبي، أخرق مثل شهريار، ينام بدون انتباه ويأتي دون دعوة.

الأرق مستشار المبدعين، هل سمعت كاتباً يقول إنه ينام في الثامنة؟ ستقول في نفسك: هه، يكتب كالموظفين؟ أما الكتّاب الحقيقيون، المليؤون بالأفكار الجادة فلياليهم طويلة، تشبه ليالي الربيع البيضاء في أقصى شمال أوروبا، أو في القطب: ليال لا تنتهي، كأنها خيط واحد طويل، تفقد معه إحساسك بالوقت، بالليل، بالنهار، يختلط الأمر على جسدك فلا يعرف أينبغي عليه تنبيهك لإحساسه بالتعب أم لاستكمال أي هراء كنت تفعله قبلاً.

الأرِقون أخوة، أشباح قتلى في معركة حصلت ذات يوم.

الأرق هو ألم غير مفهوم، أن تُجبَر على السهر لضيف ثقيل، لواجب أو عمل متأخر، أمر يقع في دائرة العيش البشري، أما أن تعجز عن النوم بلا هدف، بلا فكرة تستطيع مضاجعتها أو التناطح معها غير فكرة الأرق نفسها، هو تعذيب صرف: "أكتب إليك كما ترى، والفجر يكاد يزحف إلى غرفتي البائسة"، نرى تلك الجملة في أدب القرن الماضي كثيراً، الأرق والموت، النوم والكوابيس، الأرق والكوابيس والشياطين التي تتطاير في فضاء الغرفة، فوق رأسك المعصوب بمنشفة الحمام، أرق كأنك بانتظار إعدامك في الغد: السجين محمد دريوس، سيجري إعدامك، شنقاً، بالمقصلة أو رمياً بالرصاص في غرفة المعيشة، في تمام الساعة العاشرة من صباح غد، بناء على أوامر محكمة الهراء... "وقّع هون إذا بتريد".

الأرق وجبة فقيرة بالعناصر الغذائية لكنها كبيرة الحجم، كطنجرة ضخمة مليئة بالبطاطا المسلوقة، هو ليس من المواضيع التي يمكن التحدث بشأنها على طاولة العشاء: هاي ماري، كيف أرقك هذه الأيام؟ أوووه... إنه يانع كعشب آذار، لكنه يلسع أيضاً كدبور غاضب.

يقال إن الأرق جاء مع المحركات البخارية والكهرباء وأظنه جاء من مكان أبعد وزمن أكثر إيغالاً، جاء من ارتباك الشخص أمام الوجود، من تلك المعرفة والخشية، من الإحساس بالضآلة والهزيمة أمام الطبيعة، لا شيء ليساعدك هنا، لا أدواتك الحجرية ولا أسلحتك النارية حتى ولا آلتك الكاتبة، هناك فقط أنت بمواجهة وحدتك، التي تتحول بسرعة إلى خوف وحشي يلتهم كل شيء، وما إن يلتهم شيئاً حتى يزداد حجمه ويكبر، وأنت تتضاءل وتتضاءل، حتى يأكلك، هذا الأرق يأكل اللحوم البشرية، يلتهم الأدمغة، يقبض الأحلام ويتركك جثة باردة وزرقاء على شراشفك البيضاء كالكفن.

الأرق هو ألم غير مفهوم، أن تُجبَر على السهر لضيف ثقيل، لواجب أو عمل متأخر، أمر يقع في دائرة العيش البشري، أما أن تعجز عن النوم بلا هدف، بلا فكرة تستطيع مضاجعتها أو التناطح معها غير فكرة الأرق نفسها، هو تعذيب صرف

من يذكر أول أرق له؟

أرق رسالة الحب الأولى: يبدو وحشاً وردياً كفِراش كثيف من ريش الإوز، أرِق لكنك تستطيع السيطرة على مخاوفك القليلة، نستطيع أن نسميه "أرقاً خجولاً"، كقطة ناعمة تستطيع أن تمنعك من النوم لكنك لا تستطيع التغاضي عن وبرها الناعم، أرق لم يراهق بعد، بالكاد نما عشب شاربيه واخشوشن صوته، هو لا يتجاسر على الادعاء بأنه يسيطر عليك وأنت لا تجرؤ على الشكوى منه، هو منفى وردي لا غير، بأصفاد من حرير.

أرق المواعيد المهمة: أرق مزوّر، يضع قناعاً شفيفاً من القلق الخفيف، هو توقع الفشل قبل حدوثه، توقع العاصفة، الحادث المروري، جريمة قتل في الطابق السفلي تستدعي التحقيق فيها، أرق غير ذي جدوى، إن كان هناك جدوى من الخربشة على ورقك المربع كلمات وجمل غير مترابطة، أما أرق المواعيد فليس أكثر من ابتلاع سحلية متوسطة الحجم، ويبقى ذيلها خارج الفم، يتحرك يميناً ويساراً، كأنه يذكرك بالاختناق.

أرق الأفكار العظيمة أو أرق "بيسوّا" الفريد: أسطورة لا أكثر، يخترعها الكتّاب ليعكّروا ماءهم "فتبدو أكثر عمقاً"، هو أرق يشبه أرق المحاسبين الماليين: هل أعطيت مارغريت خمسمائة ليرة أكثر من نصيبها، كم سيزيد معي إذا سرقت من كل عامل 25 ليرة؟ على هذا النحو، لكن هذا لا يعني أنه ليس أرقاً أيضاً، ويجرّك كعجل مكسور الرجل إلى مذبح النهايات غير السعيدة، لا يمكنك فيه الاعتماد على أي من الإغماضات التي تجبر نفسك عليها: ثمة نبات شوكي يابس، يرقد بكامل وقاحته، تحت أجفانك.

وهم المسرح المنزلي

يجعلك الأرق متأرجحاً بين وهم الانتماء للأذكياء، المنتبهين، مدققي التطور اللوني لكل سنتمتر مربع في السقف والسيرة الشخصية لكل حشرة نائمة على جدار، الذين لا يتركون العالم يمضي بسلام دون تحليله، تفسيره وتبيان علله، وبين المرضى ببساطة، أي من يدخلون في السجلات الطبية للمهووسين المحتملين، القاتلين المتسلسلين ولصوص النهب الليلي، ويتبجّحون: النوم شقيق الموت، لكنهم ينظرون بحسرة إلى الأجفان المنتفخة، الخدود المتورمة من الشبع والراحة، الشعر المنكوش والأغطية المكرمشة، يظنون أنهم يضيفون وجوداً إلى الوجود، يحرسون العالم من الوقوع فريسة لعدم الانتباه، وهم أصلاً ذاهلون بفعل النقص المتحصّل في حواسهم، يظنون أنهم لا يكبرون في العمر، لا يهرمون لأن الوقت لا يمضي عليهم كما على الآخرين: صباح/مساء، فطور/ غداء/عشاء، يقظة/نوم، يظنون أنهم يقفون على حافة لازمنية، لا تتحرك إلا عندما ينامون، ويفاجؤون بعد أسبوع فقط من الأرق الكثيف، بأنهم يهرمون سنة كاملة كل ليلة.

الأرق وجبة فقيرة بالعناصر الغذائية لكنها كبيرة الحجم، كطنجرة ضخمة مليئة بالبطاطا المسلوقة، هو ليس من المواضيع التي يمكن التحدث بشأنها على طاولة العشاء: هاي ماري، كيف أرقك هذه الأيام؟ أوووه... إنه يانع كعشب آذار، لكنه يلسع أيضاً كدبور غاضب

الأرِقون أخوة، أشباح قتلى في معركة حصلت ذات يوم، خدودهم غائرة وأسنانهم بارزة من أفواه جافة ومشققة، نظراتهم ذاهلة، يتبادلون الرسائل الغامضة في الليل، يتبادلون التعب على شكل رسائل وجيزة، وصفات قصيرة لاستبدال الأرق بالقلق أو بالخوف العادي اليومي، بعضهم لا يقاوم صلابة الجدران، يخرجون من غرفهم المعتمة إلى غرف المعيشة الصامتة، إلى الحدائق العامة، إلى المقاهي المستمرة في الخدمة ليلاً، يجلسون على مقاعد خشبية ومتسخة في الشوارع الإسفلتية، على أسوار حجرية قليلة الارتفاع، يحدثون أنفسهم بصيغة الجمع أو المخاطب: متى نمت؟ قبل ستة أيام؟ هل أحضرت بريد الثلاثاء؟ ويحاولون إقناع أنفسهم أنهم يضيفون معنى إلى العالم الذاوي، الفارغ من المقصد والذاهب بعيون مغمضة "وهذا جلّ ما يتمنونه في الحقيقة" إلى هاوية التفاهة.

يخترعون أحلاماً لتساعدهم على النوم، ثم يشغلهم الحلم نفسه فيزدادون يقظة، يضيفون تفاصيل صغيرة للحلم: أنا ذاهب إلى هاييتي لأسترخي على ذلك الشاطئ الساحر الذي رأيته في أحد البرامج، هذا يلزمه فيزا إلى... إلى... أين تقع هاييتي أصلاً؟ هل هي دولة مستقلة أم مستعمرة فرنسية؟ هل هي فرنسية أم أميركية؟ ويبدأ الجحيم بالفوران من جديد، الخرفان تقفز أيضاً في الغرفة وحول السرير، ثم حسناً... أنا في هاييتي بدون فيزا ولا مطارات، أسترخي على شاطئ ثم تقترب مني امرأة سمراء، هل الهاييتيون سمر البشرة أم بيض؟ اللعنة، أحلام اليقظة لا تناسب ذوي المعلومات الضئيلة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard