"أصبحنا في عهدك أكثر فقراً"... ماذا عن احتجاجات عمال إيران ودورهم في التغيير السياسي؟

الأربعاء 15 أبريل 202008:49 م

تشهد إيران حراكاً عمالياً واسع النطاق، يطالب الحكومة بتحسين أجور العمال، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها طهران إثر العقوبات الأمريكية والإغلاق الذي تشهده البلاد جراء أزمة فيروس كورونا، فضلاً عن انخفاض أسعار النفط.

ترى تقارير صحافية غربية أن احتجاجات العمال في إيران قد تكون سبباً في انطلاق تغيير سياسي في الجمهورية الإسلامية.

ولعل الاحتجاجات العمالية التي شهدتها إيران منذ كانون الأول/ديسمبر2017، وحتى احتجاجات تشرين الثاني/نوفمبر 2019، تُعد مؤشراً على أن العمال قد يكونوا أكثر فئات المجتمع التي تُثير قلق النظام الحاكم.

قيادة الناشطين للحركة العمالية

اللافت في الحركة العمالية الإيرانية، وجود عدد كبير من الناشطين والمنتديات الإلكترونية المعنية بالعمال وحقوقهم مثل منتدى "غام"، والتي يعتبرها النظام الإيراني المحرض على الاحتجاجات والاضرابات التي تشهدها البلاد.

لذلك عملت السلطات الإيرانية على ملاحقة هؤلاء الناشطين بالاعتقال والتعذيب، وحكمت على العديد منهم بالسجن لسنوات عديدة.

في عامي 2019 و2018، اعتقلت السلطات الناشط العمالي البارز إسماعيل بَخشي، والصحافية والناشطة العمالية سبيده قليان، وعذبتهما لدورهما في احتجاجات عمال أحد مصانع قصب السكر.

كما تم الحكم على أمير علي قلي وساناز الهياري وعسل محمدي وأمير حسين حمدي فرد، أعضاء فريق تحرير "غام"، لدورهم في تنظيم الاحتجاجات العمالية.

في مطلع أيار/مايو عام 2019 الذي يُصادف فيه يوم العمال العالمي، اعتقل عناصر شرطة بملابس مدنية 35 ناشطاً على الأقل كانوا قد تجمعوا أمام البرلمان الإيراني، في تظاهرة سلمية نظمتها منظمات عمالية مستقلة.

يُقدّر معارضون إيرانيون بارزون أن العمال نظموا خلال عام 2019 فقط نحو 1411 مسيرة احتجاجية في 151 مدينة، و30 محافظة من إجمالي 31 محافظة في البلاد، ويتوقعون أن يكرر العمال الإيرانيون سيناريو عام 1979 الذي حدث مع حكم الشاه.

رسالة العمال إلى روحاني

في أحدث تطور في الحراك العمالي، أصدر خمسة آلاف ناشط عمالي ومدني بياناً طالبوا فيه الحكومة بإعادة التفاوض على قرار الحد الأدنى للأجور، والذي جرى الإعلان عنه في 8 نيسان/أبريل الجاري.

وأعلنت وكالة "إيرنا" عن تحديد الحد الأدنى لأجور العمال الشهري بـ18 مليوناً و 350 ألف ريال (الدولار يعادل 42000 ريال رسمياً)، بينما يطالب العمال بإجراء محادثات على أساس 50.000 مليون ريال شهرياً.

وتم تقدير المبلغ المطلوب بأكثر من 300 دولار، بناء على سعر الصرف الحر في السوق، في حين أن ما أعلنته الحكومة كحد أدنى للأجر الشهري لا يتعدى الـ110 دولارات تقريباً.

كما أرسل عمال المعادن إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني خطاباً قالوا فيه "في عهدك أصبحنا أكثر فقراً ولا نقدر على شراء المواد الصحية للوقاية من فيروس كورونا".

أضاف العمال الموقعون على الرسالة: "لا يمكننا شراء هذه العناصر، لأننا بسبب جهودك والحكومات السابقة نصبح أكثر فقراً كل يوم، وتنخفض قوتنا الشرائية".

أعاد توجيه عمال إيرانيين رسالة إلى روحاني يشكون فيها تدهور أوضاعهم تسليط الضوء على احتجاجاتهم المستمرة، في وقت تتوقع تقارير غربية أن يأتي التغيير السياسي على يد العمال في ظل أزمة كورونا والعقوبات الاقتصادية

وكانت الحكومة قد قدّرت بلوغ نسبة البطالة، خلال العام الإيراني الذي انتهى في 20 آذار/مارس 2020، الـ10%، في وقت يشكك معارضون في هذه الأرقام، خصوصاً خلال الشلل الاقتصادي الذي ضرب البلاد نتيجة أزمة كورونا التي أسفرت عن وفاة 4777 شخصاً وإصابات 76389 وفقاً للأرقام الرسمية.

هل يمكن للعمال إسقاط النظام؟

بحسب تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، في شهر نيسان/أبريل الماضي، شهدت إيران العديد من الانتفاضات، نجحت منها اثنتان: الثورة الدستورية في الفترة الممتدة ما بين 1906- 1911 والتي قيدت سلطة الشاه المطلقة وأدت إلى تأسيس البرلمان الإيراني، والثانية مع الثورة الإيرانية عام 1979 التي أنهت حكم الشاه رضا بهلوي.

قالت الصحيفة إن "ما يميز هذين الحدثين الناجحين عن الحركات الجماهيرية الفاشلة التي سبقتهما أو تلتهما، كان العمل المنظم الذي قادته النقابات".

بالنظر إلى الثورة الدستورية، عندما سافر الشاه في 1905 إلى روسيا، أُغلق البازار الكبير في طهران – المحرك الرئيسي لاقتصاد البلاد - مدة خمسة أيام بسبب الإضرابات والاحتجاجات، وقرر الشاه بعدها الاستجابة إلى مطالب الشعب الإيراني.

في عام 1979، شهدت إيران إضرابات عشوائية في أرجاء البلاد وخاصة في حقولها النفطية، الأمر الذي حسم المعركة ضد الشاه.

أقر الشاه، وفقاً لصحيفة "واشنطن بوست"، أن الغضب الذي شهده بازار طهران والإضرابات التي تلت ذلك ساعدا الثورة على النجاح.

وأضافت الصحيفة أن نجاح العمال في المساعدة بالإطاحة بالشاه، يفسر سبب العداء الذي تكنّه الجمهورية الإيرانية للنقابات.

وذكرت الصحيفة أن الإيرانيين تدفقوا إلى الشوارع للاحتجاج في أعوام 1999 و 2001 و 2009 و 2018، لكن بعد كل احتجاج، كانت القيادة الإيرانية تنجح في تشديد قبضتها، مرجعة نجاح السلطات في قمع الإضرابات والاحتجاجات إلى غياب التنظيم.

وهنا يُطرح السؤال: لماذا غاب التنظيم عن الحركة العمالية؟ وجد الباحثون أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية روح الله الخميني قام بقمع الأحزاب اليسارية التي كانت بمثابة المصباح التي تقود النقابات العمالية.

"إذا انضمت الطبقة المتوسطة والطبقة العليا إلى المتظاهرين من الطبقة العاملة، فلن تستطيع أية قوة عسكرية أو أمنية أن تفعل شيء في مواجهتهم"... عندما كان رئيساً، حذّر خاتمي من احتجاجات العمال، فيما يستمر النقاش حول قدرتهم على التغيير

ومن أبرز الكيانات التي مثّلت اليسار الإيراني عند قيام الثورة على الشاه، كان حزب "تودة" الشيوعي ومنظمتي فدائيي خلق ومجاهدي خلق الذين تم حظرهم وملاحقة أعضائهم.

وذكر الباحثون أن الجمهورية الإسلامية استخدمت الحرب التي استمرت ثماني سنوات مع العراق في وأد كافة الحركات تحت شعار الخطر الخارجي، فانهارت المجالس المصنعية تحت وطأة القمع.

وفي مقال في الصحيفة نفسها، قال الصحافي الأمريكي ديفيد إغناتيوس في 6 شباط/فبراير الماضي إن الحركة العمالية في إيران في الوقت الحالي أصبحت صاخبة ويصعب قمعها.

وأضاف الكاتب أن هذه الاحتجاجات قد تفاقمت مؤخراً بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية، مضيفاً أنها باتت تعكس الغضب الشعبي من الفساد الداخلي وعدم المساواة وسوء الإدارة، وليست مجرد رد فعل على الضغوط الخارجية على الحكومة.

يرى إغناتيوس أن تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي في كانون الأول/ديسمبر الماضي حول الاحتجاجات يمكن أن تعكس مدى قلق النظام من غضب العمال.

قال خاتمي حينذاك: "إذا انضمت الطبقة المتوسطة والطبقة العليا إلى المتظاهرين من الطبقة العاملة، فلن تستطيع أي قوة عسكرية أو أمنية أن تفعل شيء في مواجهتا".

بدوره، قال المحلل في منظمة الدفاع عن الديمقراطية بهنام بن طالبلو: "يخشى النظام الإيراني من العمالة المنظمة، وهو يعلم جيداً أن الإضرابات النفطية كانت مهمة جداً لإسقاط نظام الشاه في عامي 1978 و 1979".

في المقابل، قالت المحلل الأمريكية والمتخصصة في الشأن الايراني إيرينا تسوكرمان إنها لا تعتقد أن تظاهرات العمال وحدها تكفي لإسقاط النظام، ومع ذلك فهي مهمة في الكشف عن الضائقة الاقتصادية وفساد الدولة، وتضع ضغطاً على النظام ليقف مغامراته العسكرية، وسياساته الفاشلة، وتجعله يتجه إلى الانشغال بالأمور الداخلية التي تخدم رفاهية الشعب.

وقالت تسوكرمان في حديثها لرصيف22: "الاحتجاجات وحدها ليست كافية، ولا يوجد هيكل منظم لقيادتها وقيادة المعارضة بشكل كامل، حتى يمكن الاستثمار فيها، لكنها تكشف عن عدم شرعية النظام، وعدم وجود رضا داخلي".

ونشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، في 14 نيسان/أبريل الجاري، تقريراً يدعو الإدارة الأمريكية إلى دعم النقابات العمالية من أجل إسقاط النظام الايراني.

وقال التقرير: "يتطلب الأمر برنامجاً للعمل السري ومساعدة عناصر داخل المجتمع المدني الإيراني التي تعارض شرعية النظام الحالي، خاصة النقابات العمالية والمجموعات الطلابية وتحشيد الإعلام الدولي لتغطية ما يحدث في إيران".

وأضافت: "على الولايات المتحدة تقديم الدعم المالي المباشر للنقابات، وجعلها قادرة على اتخاذ قرارات ترتبط بوقف النشاط الاقتصادي وشل حركة النظام اقتصادياً".

في هذا السياق، كان تقرير "واشنطن بوست" قد أشار إلى أن الاضطرابات الحالية محدودة المدة والمدى، وذلك يرجع إلى خوف العمال من أن يؤدي استمرار الإضراب والقمع الحكومي إلى تجويع عائلاتهم.

واقترحت الصحيفة تمويل صندوق يشرف على الإضرابات بملايين الدولارات من الخزينة الأمريكية لدعم العمال خلال الاحتجاجات، إلا أن إغناتيوس على سبيل المثال يرى أن الدعم الأمريكي سوف يُهدّد بتسميم الحركة العمالية الإيرانية.

واقترح الكاتب أن تتضامن النقابات العمالية على مستوى العالم مع العمال الإيرانيين، مثلما حدث في بولندا عندما دعم النقابيون في جميع أنحاء العالم التظاهرات التي ساعدت على انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard