"ارموهم بالبرّ"... وباء كورونا يفضح العنصرية ضد العمال الأجانب في الخليج

الأربعاء 15 أبريل 202011:22 ص

إن الوباء الذي غزى تقريباً كل بلدان العالم، وحصد من الأرواح ما زاد على مئات الآلاف حتى اليوم، ولم يفرق بين غني أو فقير، عربي أو أجنبي، متعلم أو جاهل، لم يكبح كل هذا، بما معه من دروس في الحياة، العنصرية التي يتعرّض لها البعض بسبب الفئة، الجنسية، الديانة، العرق.. إلخ.

فقد شهدنا معاناة الأشخاص من أقصى شرق آسيا، وعلى رأسهم الصينيين، من التمييز في مختلف أنحاء العالم بسبب فيروس كوڤيد 19، وربطهم بالمرض في وصمة عنصرية، فيما كانت الفرصة سانحة للكثيرين من أهل الخليج لممارسة عنصريتهم، التي لم تكن كلها خافية في السابق، ضد العمالة الأجنبية الرخيصة في بلدانهم.

تتراوح نسب العمالة الأجنبية في بلدان الخليج بين حوالي 50% في سلطنة عمان إلى 55% في البحرين، فيما تشكل العمالة الآسيوية نسبة 63% من عدد سكان الكويت، وفي السعودية تبلغ نسبة العمال الأجانب 39%، أما في الإمارات العربية المتحدة فتبلغ 86% من سكان الدولة، أما قطر فتبلغ النسبة فيها 90% بالنسبة لعدد السكان.

وتعتمد هذه الدول "نظام الكفيل" لاستجلاب العمال الأجانب من كافة الجنسيات، حيث وجهت العديد من الانتقادات وعلى مدار السنوات لهذا النظام، الذي تصفه مجموعات حقوق الإنسان بأنه يسهّل استغلال العمالة المهاجرة واجبارها قسرياً على العمل، وتشبه ظروف العمل تحت نظام الكفالة شكلاً من العبودية الحديثة.

ورغم محاولات هذه الدول لإصلاح هذا القانون وتخفيفه بوعود إنهائه، لم يتغير الوضع إلا قليلاً، دون التأثير على قوة وطبيعة هذا النظام في دول الخليج، بل وتسبب في الكثير من الأحيان في خلق عمالة غير نظامية، تعيش ظروفاً معيشية ومادية سيئة جداً.

يتكدّس الكثير من هؤلاء العمال في البحرين في سكن غير ملائم، فهم "يأوون إلى مساكنهم للنوم على أسرّة بطابقين، في غرفٍ مكتظة لا تسمح مساحتها بالحركة، بسبب عدد المقيمين فيها، والذي يصل إلى 18 شخص، مخالفين بذلك الاشتراطات الصحية لمساكن العمال، التي لا تسمح أن يزيد عدد الأشخاص عن 8 أشخاص في الغرفة، وألا تقل المساحة عن 10 أمتار مربعة لكل شخص. وفي بعض المباني يستأجر العمال السرير لمدة 8 ساعات في اليوم، فيتناوب على السرير الواحد 3 أشخاص في اليوم الواحد، كما أوضحت نائبة أمين عام جمعية حماية العمال الوافدين، هناء بوحجي.
يذكر أن الهنود والباكستانيين هم أكبر جاليتين من العمال الأجانب في الخليج، يليهم البنغاليين والفلبينيين.

فمن الطبيعي أن إصابة واحدة بفيروس كوڤيد 19 سنؤدي إلى إصابة المئات، وهو ما حدث بالفعل، فالأرقام في تصاعد، وتوضح بوحجي: "تزدحم الشوارع في مناطق سكن العمال بقاطنيها، برغم الإرشادات التي تجتهد الجهات المعنية بإيصالها لهؤلاء، عن طريق النشرات ووسائل الإعلام. فهذا السلوك ليس نابعاً من اللامبالاة أو انعدام الوعي، فلغالبية هؤلاء، يعتبر التواجد في الشارع هو لانعدام خيار البقاء في مساكنهم العمالية، بسبب عدم قدرتها على استيعاب العدد الكبير من القاطنين فيها".

للتخفيف من الاكتظاظ في سكن العمالة الأجنبية، قررت السلطات في البحرين تسكين عدد منهم في المدارس حتى السيطرة على هذا المرض، كإجراء وقائي مؤقت، وبدأت بتجهيز المدارس المغلقة منذ نهاية شباط/ فبراير الماضي، إلا أن نائبين في البرلمان البحريني اعترضا، واصفين هذه الخطة بـ"غير المجدية، ويجب العمل على اتخاذ تدابير أكثر ملائمة بتوفير الأماكن المهيأة والتي تضمن توفير الخدمات لهم بالصورة المطلوبة بعيداً عن الأحياء السكنية".


"التطهير والترحيل"

رغم أن عدداً من المسؤولين في دول الخليج أكدوا أن الفيروس "لا يفرق بين عرقٍ أو دين أو أي انتماء فكري أو اجتماعي أو طائفة"، "الفيروس منتشر، وقد يُصاب به أي شخص، ويجب عدم تلبيس أو تسمية جهة معينة أو مذهب معين بفيروس معين"، إلا أن أصواتاً في هذه الدول تعالت، منذ بدء انتشار المرض، لتسفير العمالة الأجنبية إلى بلدانها الأصلية، كالنائب البحريني محمود البحراني، الذي طالب بترحيل العمالة الأجنبية التي ليس لديها عمل في الوقت الحاضر، بسبب تعطل العديد من القطاعات والمؤسسات، التي خلفت الشركات دون إيرادات، وتوقف الكثير منها عن سداد أجور موظفيه، خوفاً من اضطرابات في صفوف هؤلاء العمال.

انتشر فيديو لبحريني آخر في المحجر ذاته وهو يصور العمال في خيمة يتناولون الطعام، ثم مصوراً حاويات القمامة قائلاً: "انظروا إلى قذارتهم".

وفي الكويت، دعت النائبة الكويتية المعروفة بتصريحاتها ضد العمال الأجانب، صفاء الهاشم، إلى "تطهير" البلد من العمالة المخالفة في الوقت الحالي، عبر ترحيلهم دون أي التزامات مادية، خصوصاً مع تفشِّي كورونا، باعتبارهم "الأقل اهتماماً بالتعليمات الصادرة عن حكومة الكويت"، حسب تعبيرها، كما طالبت صفاء الهاشم بفرض "الحظر الجزئي على جميع مناطق الوافدين، وخصوصاً في مناطق حولي والفروانيه والسالمية وخيطان وجليب الشيوخ، لأن لديهم فلتان".

وتتوالى المطالبات بالتخلص من العمال الأجانب، حيث دعا بحرينيون في الحجر الصحي، بفصل العمال الذين يشاركونهم الحجر الصحي عنهم، حيث ظهر فيديو لأحد المواطنين قال فيه: "لقد جلبوا لنا 250 عاملاً، كما أن هناك 300 آخرين من الآسيويين سيأتون لاحقاً. أين سيذهب البحرينيون إذا جاءوا من الخارج؟ لماذا لا يتم عزلهم في مساكنهم؟ نحن نخاف على أنفسنا منهم، إن ثقافة وعادات هؤلاء الآسيويين مختلفة عنا، إنهم لا يعرفون كيف يستخدمون دورات المياه بشكل صحيح، فنحن نخاف من الأمراض... أرجو من السلطات أن تنظر في هذا الأمر بأسرع وقت ممكن".

فيما انتشر فيديو لبحريني آخر في المحجر ذاته وهو يصور العمال في خيمة يتناولون الطعام، ثم مصوراً حاويات القمامة قائلاً: "انظروا إلى قذارتهم"، ثم يصورهم وهم يسيرون في جماعة، واصفاً إياهم بـ"القطيع"، حيث أوضحت وزارة الصحة في وقت لاحق إن هذه المنطقة كانت مخصصة للعمال الأجانب، وهذا الشخص اقتحم المنطقة ليصورهم وهم يمارسون حياتهم العادية في المحجر.

فقد شهدنا معاناة الأشخاص من أقصى شرق آسيا، وعلى رأسهم الصينيين، من التمييز في مختلف أنحاء العالم بسبب فيروس كوڤيد 19، وربطهم بالمرض في وصمة عنصرية، فيما كانت الفرصة سانحة للكثيرين من أهل الخليج لممارسة عنصريتهم، التي لم تكن كلها خافية في السابق، ضد العمالة الأجنبية الرخيصة في بلدانهم

في السعودية، تعتزم السلطات ترحيل نحو 200 ألف مهاجر إثيوبي في المجمل، وهو ما ينطوي على مخاطر نشر عدوى فيروس كورونا حسب الأمم المتحدة، "نقل المهاجرين على نطاق واسع وبدون تخطيط يجعل استمرار انتقال الفيروس أكثر ترجيحاً، لذلك ندعو إلى تعليق الترحيل واسع النطاق مؤقتاً"، حسب كاثرين سوزي، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في إثيوبيا.

وتفكر الإمارات العربية المتحدة في مراجعة علاقاتها المتعلقة بالعمالة، مع الدول التي لم تتجاوب لاستقبال رعاياها العاملين في الدولة، الذين تقدموا بطلبات للعودة إلى بلدانهم في ظل الظروف الراهنة، ممن أنهوا عقود عملهم وتحصلوا على إجازات مبكرة، فقد صرح سفير الهند لدى الإمارات لصحيفة محلية، "أن بلاده لا يمكنها إعادة أعداد كبيرة من رعاياها، في وقت تحاول فيه كسر دائرة العدوى في البلاد، وأن الدولة ستساعدهم، ما إن ترفع الهند القيود"، أما السفير الباكستاني لدى الإمارات فقال بأن بلاده بحاجة إلى استكمال منشآت العلاج والحجر الصحي، قبل البدء باستقبال مواطنيها من الدول المستقبلة.

كما انتشر مقطع للشاعر الإماراتي المعروف طارق المحياس، يؤكد فيه عدم المساواة في التعامل بين العمال البنغاليين والهنود بآخرين عرب (مصريين، سودانيين) قائلاً: "لا يمكن مساواتهم ولا واحد بالمائة".

يذكر أن الهنود والباكستانيين هم أكبر جاليتين من العمال الأجانب في الخليج، يليهم البنغاليين والفلبينيين.

وتربعت تصريحات الممثلة الكويتية المشهورة حياة الفهد، على رأس التصريحات التمييزية العنصرية ضد العمالة الأجنبية، حيث دعت لرميهم في البرّ، في مداخلة هاتفية غاضبة على أحد القنوات الكويتية: "لو نمرض ما في مستشفيات، عندما لا تريدهم ديارهم نحن نتكفل بهم؟ أليس هناك قانوناً دولياً يقول إن في الأزمات يجب أن يخرج الأجانب، أطلعهم، أرميهم خارجاً، حتى لو أرميهم في البر".

"لا تُعتبر عنصرية"

الأمر المثير للاهتمام، أن هناك تبريراً مجتمعياً لهذه التصريحات والتصرفات التمييزية الاقصائية ضد العمالة الأجنبية، التي عادة ما تؤدي أعمالاً لا تؤديها العمالة المحلية، ففي رصد سريع لتعليقات البحرينيين على المقطع الذي يطالب بفصل الأجانب عن البحرينيين في المحجرـ فقد جاءت في إطار التبرير الصحي والديني: "بالعكس مطالب واقعية ونعرف أسبابها الثقافات مختلفة والدين ليه أيضاً تأثير والحجر بمثل هذا الاختلاط الكبير مشكلة أكثر من أنه حل... وهو تكلم بكل احترام ويعاني من مشكلة ويحتاج حل لو كنت مكانه فسأقول مثل الكلام سواء هم من آسيا أو من أوروبا، ليس هناك فرق، هناك اخ".

وكتبت أخرى مبررة: "الاهتمام بالنظافة عموماً والطهارة خصوصاً يختلف عند المسلمين عن غيرهم، وحتى بين المسلمين في اختلافات، وموضوع الطهارة بالذات مهم جداً"، وأخرى كتبت: "لو أني في المحجر لا أريد بوذية أو هندوسية مثلاً تدخل الحمام الذي أدخله، بالإضافة لأشياء ثانية، هم ليسوا لاجئين ليتقبلوا كل شيء، وإذا ما في مكان وضغط على المكان سيتكلمون".

في حديث مع الناشط البحريني والمهتم في قضايا العمالة المهاجرة، خليل بوهزاع، لرصيف22 قال: "لقد تربينا في مجتمعات تصنف البشر وتضعهم في أنماط محددة على أساس الجنسية، هذا بالإضافة إلى الخطابات العنصرية تجاه الأقران في الوطن ذاته، فهذا عربي وآخر أعجمي، وهذا سني وآخر شيعي، وهذا كافر وذاك مسلم، وهذا أبيض وذلك أسمر وغيرها، إلا أن ما يجعل العنصرية في مجتمعاتنا الخليجية أكثر وضوحاً تجاه العمالة المهاجرة، هما سببان قانونيان، الأول نظام الكفالة الذي يجعل من المهاجر الآتي من دول فقيرة أو نامية في مرتبة قانونية أقل من المواطن، والثاني عدم وجود قانون يجرم السلوك والخطاب المُميّز بين البشر، أو الواصف لهم بصفات تحط من قدر الإنسان".

الأمر المثير للاهتمام، أن هناك تبريراً مجتمعياً لهذه التصريحات والتصرفات التمييزية الاقصائية ضد العمالة الأجنبية، التي عادة ما تؤدي أعمالاً لا تؤديها العمالة المحلية.

ويضيف: "لذلك من الطبيعي، مع انتشار جائحة كورونا، أن يُظهر البعض خطابهم العنصري تجاه هذه الفئة من البشر. مع العلم بأن كثيراً ممن جاهر وزعق ضد المهاجرين ورماهم بأوصاف كثيرة لا يعتبر نفسه عنصرياً، بل هو يعبر عن مواطنته التي يجدها أفضل من غيره".

وتشاطره الرأي نائبة أمين عام جمعية حماية العمال الوافدين في البحرين، هناء بوحجي قائلة في حديث لرصيف22: "العنصرية ليست جديدة على علاقة الخليجيين بالعمالة الأجنبية، خصوصاً ذات الأجور المتدنية أو تلك غير النظامية (السائبة أو الفري فيزا) وهي ناجمة عن شعور بالتفوق على هؤلاء العمال، بسبب قدومهم من مناطق فقيرة، وحاجتهم للعمل تحت أي شروط وظروف نظير الأجر".

وتوضح بوحجي: "العنصرية تتمثّل في عدم الاكتراث بتوفير أدنى الحقوق، كالسكن اللائق وتحديد ساعات العمل والرعاية الطبية، عدا الأسلوب غير اللائق في التعامل معهم، بسبب الاعتقاد أن هؤلاء، بسبب أوضاعهم الفقيرة في بلدانهم، يقبلون بـأقل القليل. عمالة المنازل تحديداً لاتزال تعاني من إرث العبودية التي كانت سائدة في السابق، وإن منعت العبودية منذ 1937 ببند قانوني، إلا أن وجود هذه العمالة في المنازل وجهل معظمها بالحقوق، جعل البعض يتمادى في عنصريته، كأن لا يسمح لهؤلاء استخدام بعض مرافق المنازل والأوعية، برغم أنهن من يقمن بالطبخ وأحياناً تربية الأطفال، بالإضافة إلى الحرمان من كثير من الحقوق الإنسانية والعمالية".

وتلوم بوحجي سفارات دولهم أيضاً: "هذه العنصرية يدعمها الإهمال الشديد من سفارات هؤلاء لدى دول الخليج، فالكثير من السفارات لا تكترث للإساءات والانتهاكات التي تتعرض لها عمالتها، ولا تحرك ساكناً حتى عندما يلجأ لها العمّال وقت الأزمات، فهي لا تمتنع عن المساعدة فقط، بل أنها لا تكثرت بالمطالبة بأي إصلاح في المعاملة والانتهاكات التي يتعرض لها مواطنوها".

وعن تصاعد الخطاب العنصري في فترة الجائحة، قالت بوحجي: "تصاعدت هذه العنصرية إلى الحد الذي طالب البعض بعدم تقديم الخدمات الاحترازية والطبية للمعرضين والمصابين من العمالة، الغريب في الأمر أن العنصرية هذه المرة صدرت في شكل ألفاظ فظة ودعوات، من نواب شعب وأساتذة جامعات ووزراء وأشخاص مشهورين، تنادي بـ (التخلّص) من هذه العمالة. وكأن الوقت قد حان لتُحل مشكلة العمالة (السائبة) التي كانت محل طلب الكثيرين، لانخفاض كلفة تشغيلها في أعمال حرفية كثيرة".

كما قال الدكتور فواز فرحان، أمين اللجنة المركزية للحركة التقدمية الكويتية، في حديث سابق للصحافة: "لا يجوز أن أعتمد على هؤلاء في وقت الرخاء، وفي وقت الشدة والبلاء ووقت الوباء والمرض أطالبهم بمغادرة الكويت، لأنها غير قادرة على توفير الصحة لكل من يسكن على أرضها، بل على الدولة أن تدعم هؤلاء، خصوصاً العمال الذين يعملون بالمداومة، على الدولة واللجان الخيرية والمبرات الاتجاه لمساعدتهم للمعيشة، من باب أولى الآن أن أرفض ترحيلهم قسرياً".


نظير لك في الخلق

وهو الأمر الذي يرد عليه رجل الدين البحريني بشار العالي، في حديثه لرصيف22، حول رأي الدين في هذه المسألة، قائلاً: "هناك حقوق للعمال الأجانب في الشرع وكذلك في القوانين، كما أن عليهم واجبات يلتزمون بمراعاتها في الدول والمجتمعات التي يعيشون فيها، فمن حقوقهم من الناحية الشرعية، يجب التعامل معهم بما يرضي الله، من ناحية عدم احتقارهم بسبب انتمائهم وعرقهم وبلدهم، فما يفعله البعض من شتم وسبّ وقذف أو استهزاء أو حتى الضرب والسخرية أحياناً، فهو غير جائز من الناحية الشرعية، فهم لهم حرمة الإنسان وحرمة الإسلام، كما من حقهم أن لا يكونوا مظلومين وتنهب حقوقهم لأنهم أجانب وغرباء وضعفاء في غربتهم، فيعطون حقوقهم المالية والإنسانية ومرتباتهم الشهرية، كما أمرنا الدين بعدم الظلم وخصوصاً ظلم الضعفاء والبسطاء. كما أن أكثر هؤلاء من الفقراء الذين يستحقون الرحمة والشفقة وحتى الصدقة أحياناً بسبب فقرهم".

"يجب التعامل معهم بما يرضي الله... فما يفعله البعض من شتم وسبّ وقذف أو استهزاء أو حتى الضرب والسخرية أحياناً، فهو غير جائز من الناحية الشرعية، فهم لهم حرمة الإنسان وحرمة الإسلام، كما من حقهم أن لا يكونوا مظلومين وتنهب حقوقهم لأنهم أجانب وغرباء وضعفاء في غربتهم"... رجل الدين البحريني، بشار العالي، في حديث لرصيف22

وبالنسبة للتفرقة بين المواطنين والأجانب في تقديم الرعاية الصحية، قال العالي: "من الناحية الإنسانية والدينية ليس هناك تفرقة، ولكن كل دولة تسن قوانين تقدم الخدمات فيها للمواطنين على غيرهم من غير المواطنين، بينما نجد في نهج البلاغة كلمة مهمة للإمام علي يوصي فيها بالأقليات والغرباء من ضعفاء المسلمين وغير المسلمين، فيقول لأحد ولاته: 'وأشعر قلبَك الرحمةَ للرعية، والمحبّةَ لهم، واللطفَ بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلَهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق'، فالمشكلة في القوانين التي تسن وليس في الشرع"، حسب تعبير العالي.

وفي حديث لرصيف22، أشار رئيس المنتدى الخليجي لمنظمات المجتمع المدني، الحقوقي أنور الرشيد، إلى ما حذر منه الحقوقيون في الخليج منذ سنوات، "من خطورة الاختلال في التركيبة السكانية على مستوى الخليج، والذي تدفع ثمنه اليوم دول الخليج مع الأسف، سواء ما حصل في البحرين من تغيير ديمغرافي جذري، أو في الإمارات من اختفاء واضح للعنصر الوطني، أو حتى في الكويت التي بلغ عدد الوافدين 3.5 مقابل 1 من المواطنين، وهذه كارثة"، وأضاف: "وتكشفت مع انتشار جائحة كوڤيد 19 حقيقة الاتجار بالبشر الذي حذرنا منه في التقارير الحقوقية في السابق".

"قد يكون من إيجابيات هذه الجائحة لنا كمجتمعات خليجية، أنها كشفت الوجه القبيح الذي كانت حكومات الخليج تغطيه".

ويشير الرشيد هنا إلى سياسية إغراق السوق بالعمالة الأجنبية الرخيصة من قبل متنفّذين، دون التكفل بحقوقهم، من صحّة وتدريب وسكن وحتى فرص عمل.

ويشاركه في الرأي الدكتور فواز فرحان، أمين اللجنة المركزية للحركة التقدمية الكويتية: "هناك عمالة هامشية أو عمالة غير حقيقية، بسبب وجود تجار الإقامات، ولحل هذه الإشكالية يجب أن يعيد هذا التاجر للعمال كل ما دفعوه له، بالإضافة لتكاليف السفر وغيرها، فهؤلاء متواجدون في البلد دون أعمال بسبب الكذب والتدليس عليهم قبل وصولهم إلى الكويت، أما بقية الوافدين فلديهم أعمال، واذا توقفت هذه الأعمال مؤقتاً لا يجوز أن أطلب منهم أن يعودوا إلى بلدانهم، على الدولة أن تتحمل مسؤولية جميع سكان هذا البلد من كويتيين وغير كويتيين".

ويضيف الرشيد: "قد يكون من إيجابيات هذه الجائحة لنا كمجتمعات خليجية، أنها كشفت الوجه القبيح الذي كانت حكومات الخليج تغطيه، وهي مسؤولة عنه مسؤولية مباشرة، فهي التي سهّلت الاتجار بالبشر عبر نظام الكفيل، الذي بحّت أصواتنا كحقوقيين ونحن نُطالِب بإلغائه، فهو الذي أدى لاختلال التركيبة الديمغرافية الخليجية، وهو الذي أدى لعلو أصوات نشاز عنصرية تجاه الوافدين، تبث سمومها في ظل أزمة جائحة كورونا".

ويرى الناشط بوهزاع، أن دور الحكومة في محاربة العنصرية هو "وضع قوانين تجرّم التمييز وخطاب الكراهية والعنصرية، وأن تفعّل تلك القوانين من محاسبة مرتكبي السلوك والخطاب العنصري، وأيضاً تعزيز منظومة التعليم بقيم التسامح وحقوق الإنسان، ولكن ستبقى تلك القوانين قامعة للصوت العنصري في العلن، أما في الخفاء وبين التجمعات الخاصة، قد نجد أن هذا الخطاب يمارس ويتعزز، وهنا يأتي دور المجتمع ككل، والمجتمع المدني بشكل خاص، في التوعية بمخاطر السلوك العنصري والعمل على فضح الممارسات والوقوف بوجه مصدّري هكذا خطاب في الإعلام وفي منصات التواصل الاجتماعي".

ويشدد بوهزاع على ضرورة تعزيز الأصوات التي ارتفعت لانتقاد الخطابات العنصرية وسعت لتقليل نبرة العنصرية تجاه المهاجر، بالإضافة لدور الأسرة من خلال تربية الأبناء على أن البشر متساوون، وتعزيز هذه القيم من خلال الممارسة، لأنها ستكون أكثر ترسّخاً في أذهان الأطفال والناشئة من خطابات الوعظ".

يعتمد قطاع الخدمات الصحية في منطقة الخليج، كما غيره من خدمات التوصيل والتنظيف والبناء والصناعات الغذائية، على العمالة المهاجرة، إلا أن بعض هؤلاء العاملين في القطاع لا يحصلون على بدل مخاطر أو تعويضات، رغم أنهم/ن يعرضون أنفسهم/ن للخطر من خلال تواجدهم/ن في الصفوف الأولى لتقديم الرعاية

الأجانب مقدمو الصحة

من الجدير ذكره، أن  قطاع الخدمات الصحية في منطقة الخليج، يعتمد، كما غيره من خدمات التوصيل والتنظيف والبناء والصناعات الغذائية، على العمالة المهاجرة، إلا أن بعض هؤلاء العاملين في القطاع لا يحصلون على بدل مخاطر أو تعويضات، رغم أنهم/ن يعرضون أنفسهم/ن للخطر من خلال تواجدهم/ن في الصفوف الأولى لتقديم الرعاية، حيث تم تسجيل إصابة ممرضتين هنديتين في البحرين بفيروس كورونا، في بلد تشكل المهاجرات حوالي نصف الممرضات العاملين في القطاع الصحي الحكومي، وتزيد هذه النسبة في القطاع الخاص.

وفي السعودية نسبة الممرضات الأجنبيات 40% في وزارة الصحة و95% في القطاع الصحي الخاص، فيما لا تزيد نسبة الكويتيين/ات العاملين/ات في القطاع الصحي عن 4%، حسب إحصائية من العام 2018.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard