المعارضة السورية وأزمة تلاشي وعيها بالكارثة

السبت 11 أبريل 202007:32 م

في كتابه "إذا كان هذا إنساناً"، يتحدث الكاتب الإيطالي اليهودي بريمو ليفي، عن الأسباب التي دفعته لتأليف الكتاب، وهو واحد من الذين نجوا من معسكر "أوشفيتز" للإبادة الجماعية النازية لليهود، ويقول: "هناك حاجة لكي تُروى الحكاية، وجعل الآخرين مشاركين. لقد كُتب الكتاب بهدف التحرير الداخلي".

يعتبر الكتاب واحداً من أقوى الشهادات التي توثّق فظائع الإبادة والهولوكوست، وهو أغنى وأعقد من اختصاره في مقال، كما أنه ليس موضوع المقال بقدر ما هو مناسبة لحديث سوري في السطور اللاحقة. لكن ربط "التحرير الداخلي" الذي تحدث عنه المؤلف مع سياق الكتاب ككلّ، يقول إن هناك وعياً راسخاً وأصيلاً بالكارثة وبالهولوكوست، وبأهمية توثيقها وإطلاق تفاصيلها الرهيبة إلى الفضاء العام، لتتداولها الأجيال اللاحقة.

ما حصل في سوريا قياساً بحجمها كبلد يقول إنه محرقة من نوع جديد وآخر. على الرغم من ذلك، يمكن خلق مقاربةٍ ما بين الكارثتين، الكارثة اليهودية في الأربعينيات والكارثة السورية في الألفية الثالثة.

ليس ثمة مجال للمقارنة بين الكارثة السورية وبين ما حصل في الحربين العالميتين، إلا أن ما حصل في سوريا قياساً بحجمها كبلد يقول إنه محرقة من نوع جديد وآخر. على الرغم من ذلك، يمكن خلق مقاربةٍ ما بين الكارثتين، الكارثة اليهودية في الأربعينيات والكارثة السورية في الألفية الثالثة، من زاوية حضور أو عدم حضور الإدراك الفعلي لما حصل (ولا يزال يحصل) أو الوعي به، ثم تحويل هذا الوعي إلى عمل أو مشروع عمل، وهذا يقود بالضرورة إلى نقاش أزمة عميقة تضرب في صفوف الكثيرين من "حملة القضية السورية" من السياسيين السوريين، وبين هؤلاء أنفسهم على صعيد تنظيماتهم أو تجمعاتهم أو "مضافاتهم"، التي تمكن تسميتها بـ "الأحزاب" مجازاً وتسهيلاً للنقاش.

ذلك أن متابعة الحراك "السياسي" السوري المعارض منذ اندلاع الثورة، يقول إن هناك استمراراً لنهجٍ سابق في العمل السياسي السوري المعارض للنظام، مستوحى من عقود خلَت، على صعيد الأفكار وآليات التنطّح لحدث مختلف تماماً، إن من ناحية الفترة الزمنية التي وقع فيها هذا الحدث، أي الثورة السورية، أو لناحية تحولها إلى قضية ستبقى علامة وندبة عميقة لن تمحى بسهولة من وجه هذا العالم. وإذا كان ثمة أعمال توثيقية للكارثة السورية هي مهمة جداً وليس من السهل محوها، فإن هناك عملاً "سياسياً" لا يتناسب وتلك الوثائق والصور والفيديوهات الموثقة، وهي وثائق ليست صور قيصر الوحيدة من بينها، بالمناسبة.

قد يقول قائل إن خيارات المعارضة السورية معدومة، أو شبه معدومة، وليس أمامها إلا التعلق بقشة الرياض، سوتشي، آستانة أو اللجنة الدستورية، وهذا قول "صحيح" على مستوى الخيارات العدمية التي وُضع السوريون أمامها عموماً، إلا أنه قول يفترض أن يفضي إلى آليات مختلفة في التفكير وفي العمل، في الوقت الذي يتم التعلق فيه بحبل تلقيه هذه الدولة أو تلك العاصمة أو ذلك "الحليف". الهوة كبيرة، وليس من بين ما يحصل اليوم ما يشير إلى علاقة مع الكارثة وإلى الوعي بحجمها، سواء كان ذلك عن حسن نية وقلة إدراك، أو عكس ذلك، وغالباً ما تكون الذريعة هي "ضرورة العمل والاستمرار والكفاح والتفاني" وغير ذلك من عبارات التحشيد، تَصْدر حتى من سياسيين شعبويين يُفترض أنهم على علاقة ضدية وغير طيبة مع الانفعال والتحشيد والشعبوية.

متابعة الحراك "السياسي" السوري المعارض منذ اندلاع الثورة، يقول إن هناك استمراراً لنهجٍ سابق في العمل السياسي السوري المعارض للنظام، مستوحى من عقود خلَت، على صعيد الأفكار وآليات التنطّح لحدث مختلف تماماً، إن من ناحية الفترة الزمنية التي وقع فيها هذا الحدث، أي الثورة السورية، أو لناحية تحولها إلى قضية ستبقى علامة وندبة عميقة لن تمحى بسهولة من وجه هذا العالم

كانت هناك مثابرة وعمل حثيث من قبل النظام وحلفائه للالتفاف على بيان "جنيف1" وإفراغه من مضمونه، وحرف السياسة الإقليمية والدولية تجاه سوريا إلى عواصم ومدن أخرى، آستانة وسوتشي والرياض، وكان ذلك يسير بالتوازي مع استمرار الإبادة والمذبحة التي يمارسها نظام الأسد وحلفاؤه وبصَلَف لا مثيل له. ووجدت تلك السياسات واللقاءات والاجتماعات أرضاً لها في بيئة معارضة، كانت في كثير من الأحيان تراهن على حتميات وفرضيات خلاصية، كلما جاءتها وعود من هذا "الحليف" أو من ذاك "الضامن". لقد كان من شأن الخيبات المتلاحقة والهزيمة التي منيت بها الثورة السورية، وتجلّي وهم "الحليف" و"الضامن" أن يقود إلى وعي على مستويين: المستوى الأول هو وعي بانكشاف الظهر (إن كان هناك غطاء له ذات يوم)، والمستوى الثاني أن كارثة بحجم الكارثة السورية يفترض أن تستدعي تأملاً أعمق، بدلاً من اعتبار العمل السياسي فرضاً يومياً تجب تأديته لمجرد التأدية، مثله مثل الحركات الميكانيكية لذلك المؤمن الذي يصلّي فروضه الخمس "بخشوع"، كما يقول، لكن يمكن أن يتثاءب أثناء صلاته و"خشوعه".

هذا ليس للقول إن البديل عن كل ذلك هو الذهاب إلى الخيارات الشعبوية الرائجة سورياً بكثرة كما هو معروف، والتي تنفي السياسة وأهمية العمل التنظيمي والجماعي، وتراهن على الغرائز والأصوات العالية والخطابات الرنانة التي تلعب على مكنونات البشر وتُخرج أسوأ ما فيهم، بالعكس! كما أنه ليس تطهّراً وترفّعاً أو تبرّماً من السياسة، ولا تهدف هذه السطور إلى الخروج بإجابات وخطط وهي لا تدعي قدرتها على ذلك. هي مجرد تأمل في مقدمات ومآلات تبدو دوراناً في المكان، على مستوى الكثير من العاملين في الحقل السياسي السوري وعلاقتهم مع ذواتهم ومع الآخرين، وعلى مستوى قضية تستحق، لعدالتها، خلق خيارات أفضل تليق بها. ونفترض أن إعلان القطيعة مع آليات العمل "التاريخية"، والدخول في حالة من الفرملة الذاتية التي يفرضها "الواقع"، هي من ضمن ما يليق بقضية كالقضية السورية، بعيداً من الاستمرار في العمل بشكل آلي وميكانيكي تبدو معه المعارضة السورية، إن جاز الحديث الاستسهالي عن معارضة ككتلة متجانسة، كائناً انفعالياً يعمل وفق منطق رد الفعل وتلبية الدعوات لاجتماعٍ هنا، مؤتمر هناك أو مشروع جديد هنالك. هذا النقد "اللطيف" لا ينطبق، بالطبع، على المرتهنين لهذه الدولة أو تلك، ولا على من يتنطح لكتابة دستور في ظروف سوريا اليوم، ولا على "معارضين" تحت سقف "الوطن"، أي تحت سقف بشار الأسد.

لقد كان من شأن الخيبات المتلاحقة والهزيمة التي منيت بها الثورة السورية، وتجلّي وهم "الحليف" و"الضامن" أن يقود إلى وعي على مستويين: المستوى الأول هو وعي بانكشاف الظهر (إن كان هناك غطاء له ذات يوم)، والمستوى الثاني أن كارثة بحجم الكارثة السورية يفترض أن تستدعي تأملاً أعمق، بدلاً من اعتبار العمل السياسي فرضاً يومياً تجب تأديته لمجرد التأدية

عود على بدء: صفة "الفاشية"، والتي تستدعي تذكّر المحرقة فوراً من ضمن ما تستدعيه، تبدو مفيدة أكثر في وصف نظام الأسد، كمحاولة لإحداث ربط بين القضية السورية وبين إبادات وكوارث سبقتها على مستوى عالمي، وإذا كان ثمة معارضون سوريون ينكرون المحرقة اليهودية ويعتبرون طرح الحديث عنها "تطبيعاً أو قبولاً بسياسات اسرائيل واحتلالها الأراضي العربية"، أو ينكرونها من زاوية إسلاموية أو قومية، وإذا كان هناك آخرون ينفون الإبادة الأرمنية حرصاً على مشاعر "الضامن التركي" ورابطة "ذوي القربى" معه، وينظرون إلى الصراع السوري كصراع هويات فقط (واشتباك الهويات حاضر لكنه ليس الوحيد)، فإن الحديث عن بريمو ليفي وغيره كمنطلق لـ"الوعي بالكارثة" ولـ"التحرير الداخلي" هو لزوم ما لا يلزم وفي غير محله.

ربما، من الأفضل، أن يتم ترحيل هكذا أسئلة إلى المستقبل البعيد، ذلك أن "القضية" والتحشيد لها ولانتصارات هوياتها الأسطورية، لتحصيل نتائج سريعة وخلق مشاريع ما ورائية والدفع باتجاهها، يبقى أمراً ملحاً ومتقدماً على غيره من "متاع الحياة الدنيا"، على ما يبدو.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard