اعتقال غزيين بعد نقاش إلكتروني مع إسرائيليين... اتهامات التطبيع ومبررات الحاجة

السبت 11 أبريل 202002:10 م

يوم الخميس، في 9 نيسان/ أبريل، نشر ناشطون فلسطينيون على منصات التواصل الاجتماعي صوراً وفيديوهات، تظهر فيها مجموعة من الشباب الغزيين، وهم يشاركون مجموعة من الإسرائيليين نقاشاً إلكترونياً في عددٍ من القضايا التي اعتبروها "ضرورية" لـ"تحقيق السلام والتعايش الآمن".

أثارت المواد المرئية جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني الذي أظهر معظم الفاعلين فيه موقفاً رافضاً، واصفين النقاش بـ"التطبيعي". إثر ذلك، أقدمت وزارة الداخلية التابعة لحركة حماس على اعتقال الشاب رامي أمان، القائم على اللقاء، وبعض المشاركين معه.

وقال الناطق باسم الوزارة إياد البزم: "بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن النيابة العسكرية، أوقف جهاز الأمن الداخلي المدعو رامي أمان والمشتركين معه، في إقامة نشاط تطبيعي مع إسرائيل عبر الإنترنت، وتمت إحالتهم للتحقيق، وسيتم اتخاذ المقتضى القانوني بحقّهم".

برّر البزم خطوة الوزارة بالقول: "إقامة نشاط أو تواصل مع الاحتلال الإسرائيلي، تحت أي غطاء، جريمة يعاقب عليها القانون، وخيانة للشعب، وذلك لأن الاحتلال لا يتوقف عن استخدام أساليب مختلفة لإسقاط الشباب الفلسطيني في وحل التخابر، للإضرار بالشعب ومقاومته، وتحسين صورته الإجرامية أمام الرأي العام".

من جهتها، دانت فصائل مقاومة ولجان شعبية وثورية فلسطينية النشاط، ودعت لاتخاذ المقتضيات القانونية بحق المشاركين فيه.

من تلك الجهات، كانت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) العالمية التي أشارت في بيانٍ لها إلى أن "ما حصل من ممارسات ومشاريع تطبيعية مع مجموعات إسرائيلية صهيونية، تخالف معايير المقاطعة ومناهضة التطبيع"، بحسب ما عرّفته غالبية المجتمع الفلسطيني في المؤتمر الوطني الأول للمقاطعة في عام 2007، معتبرة ما جرى "تطبيعاً فجاً".

واعتبرت الحركة اللقاء "محاولة لاختراق وعي الشباب داخل المجتمع الفلسطيني المقاوم، خاصة في قطاع غزة المحاصر والصامد بشكل أسطوري في وجه الاستعمار والأبارتهايد الصهيوني".

ليست الحادثة الأولى

أظهرت تقارير متعددة، تداولها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، أن أمان وفريقه كانوا قد شاركوا سابقاً في نشاطات جمعتهم مع مستوطنين وناشطين دوليين يدعون لتحقيق السلام والتعايش الآمن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن بين تلك المشاركات كان الماراثون الرياضي الذي نُظم قبل نحو عام، وحمل اسم "تحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط"، جمع أمان لأجله عشرات المواطنين من قطاع غزة، وارتدوا قمصاناً زرقاء على مقربة من شاطئ بحر غزة.

وتبيّن بعد ذلك أن الفعالية جاءت بالتزامن مع نشاط مماثل لإسرائيليين يرتدون اللون نفسه في تجمعات إسرائيلية ملاصقة لغلاف غزة.

من جهة ثانية، أفاد شاب مقرب من أمان، طلب عدم الإفصاح عن هويته، خوفاً من الاعتقال، لرصيف22، أن اللقاء الذي خلّف ضجّة جمع عدداً من ناشطي السلام في إسرائيل، مع مجموعة من الغزيين الذين تتباين أعمارهم وخلفياتهم الفكرية.

والهدف من اللقاء كان، وفقاً لكلام المصدر، جمع الدعم والتأييد لمنظمة شبابية يمتلكها أمان، وتحمل اسم "لجنة الشباب"، كانت قد تأسست عام 2010 لأجل ما قيل إنه فتح أفق الحرية أمام الشباب الفلسطينيين ودعوتهم لنبذ العنف، ولإيجاد مستقبل جديد لهم يحمل في أبعاده مقومات جيدة للحياة.

شبابٌ غزيون شاركوا إسرائيليين نقاشاً إلكترونياً حول قضايا اعتبروها "ضرورية"، فاعتقلهم جهاز أمن حماس وسط اتهامات بـ"التطبيع"... جدّدت الحادثة النقاش حول التطبيع وأشكاله وظروف النشاط المرخّص لهؤلاء في القطاع

بدورها، ذكّرت الشابة الجامعية رنا مصطفى بأن مجموعة أمان تعمل داخل غزة منذ نحو 10 سنوات، بترخيصٍ من وزارتي الداخلية والشباب والرياضة التابعتين لحماس، مُعربةً عن غضبها من تلك الأنشطة.

وأضافت قائلة في حديثٍ لرصيف22: "لا أعلم كيف تمت التغطية على تلك المجموعة طوال هذه المدة، مع العلم أن هناك صوراً كثيرة منشورة على منصات التواصل الاجتماعي، يظهر فيها أمان مع قيادات حكومية وفصائلية خلال فعاليات وطنية وجماهيرية مختلفة".

ويُعرّف أمان عن نفسه بأنه يعمل ضمن تجمع الشخصيات المستقلة في قطاع غزة، وعلى هذا الأساس كان يحصل على تراخيص متعددة من الجهات الرسمية في غزة، وفقاً لبيانات سابقة، لكن الأمر اختلف في الحادثة الأخيرة التي أصدر فيها تجمع الشخصيات بياناً تبرأ فيه من انتساب أمان له، ودان النشاط الذي وصفه بـ"التطبيعي"، مدعياً أن المعتقل مفصول من التجمع منذ نحو عامين.

وخلافاً لما ذكره التجمع، تُظهر الوقائع الموجودة على الأرض وجود تواصل قوي بينه وبين أمان حتى وقتٍ ليس ببعيد.

ومن بين الحالات الأخرى التي اعتبرها الفلسطينيون ضمن نطاق "التطبيع"، كانت لشاب من الضفة الغربية ظهر قبل نحو أسبوع في فيديو على صفحته على منصة فيسبوك، يتحدث عن العلاقات بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي ويدعو للتعايش بينهما على أسس السلام والمودة.

وقبل نحو عام، شاركت سيدات قاطنات في الضفة الغربية بنشاطٍ عقد داخل مقر إحدى المؤسسات الإسرائيلية، وتمت خلاله مناقشة قضايا المرأة والجندر المشتركة بين الشعبين.

وفي مرة أخرى، قبل شهرين تقريباً، شاركت شخصيات فلسطينية في "مؤتمر السلام" الذي عقد في تل أبيب، لمناقشة فرص إحلال السلام، وكان من أبرز المشاركين وزراء سابقون في السلطة الفلسطينية بينهم وزير الأسرى والمحررين أشرف العجرمي، ووزير الاقتصاد الوطني باسم خوري، ووزير الحكم المحلي حسين الأعرج، ورئيس بلدية عنبتا، وأعضاء في لجنة تواصل حركة "فتح" مع المجتمع الإسرائيلي كإلياس الزنانيري وزياد درويش، وعضو المجلس التشريعي برنارد سابيلا.

"نقاط في أمر التطبيع تجدر الإشارة إليها بعيداً عن التشهير والتشكيك في الوطنية"... جدّد النقاش الإلكتروني بين ناشطين غزيين وإسرائيليين إلكترونياً الجدل حول التطبيع والمقاطعة، والاختلافات بين الغزيين وفلسطينيي الداخل والسياسيين 

حينذاك، ضجّ الشارع الفلسطيني في الحديث عن اللقاء، وذلك كونه جاء بعد أقل من أسبوعين على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصفقة القرن التي قضمت الأرض والحقوق الفلسطينية.

لا مبررات للتطبيع... ولا قانون

يعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي حسام أبو ستة أن استمرار أمان في هذا الشكل من النشاط "لا يدل فقط على قيامه بعمل غير وطني ومشين ويُلحق العار بصاحبه، بل يدل من ناحية أخرى على أنه ليس وحده، وأن هناك ربما من يقف خلفه من السياسيين، ويشكل له نوعاً من الحماية التي ساعدته على الاستمرار للآن".

ويلفت أبو ستة إلى أن "اعتقال أمان ومجموعته كان واجباً على قوى الأمن، وهو ليس خرقاً لمفهوم حرية الفكر السياسي، لأن من يُعتقل على خلفية التطبيع مع المحتل لا يُعتبر سجيناً سياسياً، لأن التطبيع جريمة لا تقل عن الخيانة، بل هي بعينها".

ويشير أبو ستة، في حديثٍ لرصيف22، إلى أن هناك فئتين ليستا أقل خطورة عمن قاموا بالتطبيع المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي، الأولى شكلت لهم الحماية لكي يتجرأوا على هذا الفعل في إشارة منه لجهات فلسطينية تقطن داخل قطاع غزة، والثانية من يدافع عنهم بحجة حرية الفكر السياسي.

بدوره، يرى الباحث عبد الله شرشرة أن هناك بعض النقاط في أمر التطبيع التي تجدر الإشارة إليها بعيداً عن التشهير والتشكيك في الوطنية، ومن بين تلك النقاط أن المشارك في تلك الأنشطة يساهم في تحسين صورة النظام المضطهِد، وبالتالي يشارك في الإبقاء عليه كما هو، كما أن المشارك يساوي بين "الطرفين"، الإسرائيلي والفلسطيني (أو العربي)، في المسؤولية عن الصراع، ويدعي أن السلام بينهما يتحقق عبر التفاهم والحوار وزيادة أشكال التعاون، بمعزل عن تحقيق العدالة التي تتطلب من الآخر أن يعترف أولاً بالحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

المرجح في قضية أمان أن تتعامل معه الجهات الرسمية في غزة بطريقتين، إما سجنه لأيام يتعرض خلالها لظروفٍ تأديبية صعبة ثم يُفرج عنه بعد تعهده بترك نشاطات مماثلة، وإما بتحويله للقضاء العسكري.

تأتي هذه الاتهامات في وقت لا تضم مواد القانون الفلسطيني بنوداً خاصة تُجرّم عملية التطبيع أو التواصل مع المجتمع الإسرائيلي، ولم يسبق في الفترة التابعة لحكم السلطة الفلسطينية التي جاءت بعد اتفاقية أوسلو محاكمة أشخاص على خلفية التواصل مع المجتمع الاسرائيلي، وذلك لأن السلطة بالأساس قامت من خلال تواصل حركة فتح وبعض فصائل منظمة التحرير مع الإسرائيليين.

يُضاف لذلك وجود لجنة خاصة بالتواصل مع المجتمع الإسرائيلي تتبع لمنظمة التحرير، ويرأسها القيادي في حركة فتح محمد المدني، حيث تعقد بشكلٍ دائم لقاءات داخل إسرائيل وخارجها، لأجل أهدافها يقول القائمون عليها إنها تتلخص بالرغبة في جلب التعاطف تجاه الحقوق والقضايا الفلسطينية.

ويُرجّح مختصون في الجانب القانوني أن تتعامل الجهات الرسمية في غزة مع قضية أمان بطريقتين، إما سجنه لأيام يتعرض خلالها لظروفٍ تأديبية صعبة ثم يفرج عنه بعد تعهده بترك نشاطات مماثلة، وإما بتحويله للقضاء العسكري، وهو الأمر الذي يمكن أن يقوده للسجن لعدة سنوات على الأقل.

هؤلاء يشيرون إلى أن الحالتين فيهما عدم إنصاف للواقع، وذلك لأن أمر التطبيع قديم جديد، ومن المفترض أنه تم إقرار قوانين أو حتى قرارات وزارية بشأنه، كما أن الكثير من الأنشطة التي يشارك فيها فلسطينيون يمكن أن تؤخذ على أنها تطبيعية، فلمَ لا تتم محاسبة الجميع؟

ويرى الناشط الفلسطيني المقيم في قطر محمود العيلة أن التطبيع مع الاحتلال ليس قانوناً بحد ذاته، بل هو قيم ومُثُل أكثر من كونه محددات وقوالب، ويصعب حصره في بقعة أو فكرة واحدة، فمثلاً التطبيع في غزة التي تدخل في حدّية مواجهة وحصار منذ 14 عاماً يختلف عن مفهوم التطبيع في الضفة المقسّمة بالحواجز ومجبرة كغيرها على التعامل مع اقتصاديات الاحتلال.

ويُبيّن العيلة أن مفهوم التطبيع لدى فلسطينيي الداخل الذين يخضعون لقوانين دولة الاحتلال ويعيشون وسط إسرائيليين يختلف، ولا يمكن أن نطالب فلسطيني يعيش في الداخل بمقاطعة التعليم في المدارس والجامعات العبرية مثلاً.

وبالنسبة للتطبيع لدى فلسطينيي الخارج فيختلف تماماً، نتيجة تحررهم من قيود مفروضة على سكان الضفة وغزة والداخل، وتقع على عاتقهم المسؤولية الأكبر في تعزيز المفاهيم الصحيحة حول التطبيع والمقاطعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard