“علمتني الوحدة أن أقول لا“... ماذا يمكن أن نتعلمه من الانطوائيين في العزلة؟

الجمعة 10 أبريل 202006:28 م

منتصف العام الماضي، بُلّغت أميرة (27 عاماً) بفصلها من العمل بسبب "منشور سياسي" على السوشال ميديا مُخالف لتوجهات مديرها، لم تكن أميرة تتخيَّل يوماً أنَّ المكان الذي عملت فيه فور تخرجها، وأعطته كل ما لديها، سيتخلّى عنها بتلك الطريقة.

تقول أميرة: "فعلت كل ما يمكنك تخيله، رفضت تصديق أنهم قاموا بذلك، كنت أمارس عملي من المنزل، وأكتب القصص ثم أكتشف أنهم طردوني، فأصمت، وأمسح ما كتبته، قضيت أيام وليال منعزلة في غرفتي، كنت أخرج لأقضي حاجتي فقط، زاد الأمر صعوبة أنه بسبب حالتي النفسية تركني حبيبي".

علمتني الوحدة أن أقول "لا"

تضيف أميرة، وهي تسكن في منطقة المعادي في القاهرة: "كنت في بداية الأمر غير مبالية لما سيحدث بعد ذلك، ولكن بعد فترة من العزلة بدأت ممارسة هواياتي، مارست اليوغا من جديد، شاهدت مسلسلاتي المفضلة، قرأت كتباً جديدة، كنت أعلم أن كل هذه الأشياء هي محاولة لهروبي من الواقع، ولكن ذلك الهروب كان مُفيداً جداً في إيقاف تفكيري المستمر".

ساعدت العزلة أميرة على اتباع نظام صحي جديد، ممارسة الرياضة، تقسيم وقتها، أيضاً أداء مهام العمل عن بعد، والتعاون مع جهات مستقلة تُقدِّر عملها ومجهودها، تقرَّبت من والديها، خفَّفت علاقاتها الاجتماعية، ووضعت لها حدوداً، وباتت تقول لنفسها دائماً: "صادق الجميع ولكن تعلم أيضاً أن تكون وحيداً".

بمرور الوقت اكتسبت شخصية الفتاة العشرينية صفات جديدة، تقول: "تعلمت قول "لا" إن كان هذا العمل سيؤذيني سأتركه، إن كان مديري يريد إعطائي مهام أكثر سأقول "لا"، إن كان حبيبي يؤثر على نفسيتي سأقول "لا"، إن لم يدعمني سأقول "لا". كذلك أصدقائي، إن تخلوا عني في أسوأ حالاتي سأقول "لا" لهذه العلاقات".

 "تعلمت قول "لا"... إن كان هذا العمل سيؤذيني سأتركه، إن كان مديري يريد إعطائي مهام أكثر سأقول "لا"، إن كان حبيبي يؤثر على نفسيتي سلباً سأقول "لا"، كذلك أصدقائي، إن تخلوا عني في أسوأ حالاتي سأقول "لا" لهذه العلاقات"

تمتن أميرة كثيراً لعزلتها، لأنها جعلتها تعيد ترتيب أولوياتها، تتقرَّب من الذين يشبهونها، تضيق دوائرها الاجتماعية، وتكتشف شخصاً جديداً بداخلها، كذلك تكتشف معاني جديدة للحياة عن طريق ممارسة التأمل يومياً لمدة نصف ساعة، وتدعو كل من في الحجر المنزلي حالياً إلى ممارسة اليوغا والتأمل يومياً، لأنه سيخفف من الأعباء النفسية، وكذلك عيش المرحلة القادمة بكل ما فيها قائلة: "لا تخش الخوف والعزلة، فهما يجعلانا أكثر إنسانية".

"نمط حياة مختلف"

عبد الرحمن أبوالفتوح (30 سنة)، يعمل ككاتب محتوى مستقل لمدة خمس سنوات، بسبب طبيعة عمله، قضى عبد الرحمن فترات طويلة بمفرده. يفضل استخدام تعبير "نمط حياة مختلف" أكثر من "العزلة".

ينصح عبد الرحمن المنعزلين في منازلهم الآن بسبب الحجر المنزلي، استغلال الوقت الحالي بتطوير مهاراتهم، والبعد تماماً عن السوشيال ميديا، أو على الأقل تحديد مواعيد دخولها يومياً، لأنها تؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية، وتضعف المناعة، بحسب رأيه.

يقول عبد الرحمن، ويسكن في القاهرة، لرصيف22: "العزلة الحالية التي يعيش فيها معظم الناس بسبب جائحة كورونا تجعل الشخص أكثر إنتاجية، لأنهم غير مضطرين للنزول في زحمة المواصلات يومياً، وأيضاً غير مضطرين للتواجد في مكان مؤذ نفسياً".

"العزلة التي يعيش فيها معظم الناس بسبب كورونا تجعل الشخص أكثر إنتاجية".

ويستدرك عبد الرحمن: "لكن يجب تقسيم الوقت، وربطه بمواعيد محددة، ووضع خطط على المدى القريب وعدم التفكير بالمستقبل، ويكفي أن ينتهي اليوم بسعادة وصحة جيدة".

أيضاً يجب أن يمتلك المرء، يكمل عبد الرحمن، خططاً واضحة، تمكِّنه من عدم الاستسلام للاكتئاب ومشاعر اليأس، يقول مستلهماً تجربته في الوحدة: "مثلاً عندما تشعر بالخوف، قم بكتابة كل ما في بالك على ورقة، وما تستطيع إدارته حاول معالجته، وما لا تملك له مفاتيح اتركه، وهون على نفسك واستبدله بخطط أخرى بسيطة".

"من الممكن أيضاً كسر الملل والروتين عن طريق عمل أكلات جديدة، مشاهدة أفلامك المفضلة والتحدث مع الأشخاص المفضلين لديك" يقول عبد الرحمن.

وينصح كذلك باستبدال العادات النابعة من الخوف، إلى أخرى نابعة من الحذر والحرص على سلامة الآخرين، يقول عبد الرحمن: "توقف عن متابعة الاحصائيات والأرقام الجديدة الخاصة بعدد الوفيات، استبدل ذلك بطرق الوقاية واختيار ثلاث أشخاص يومياً لتوعيتهم وتهوين الموقف عليهم".

"الاستمتاع باللاشيء يكفي"

نجلاء (25 سنة)، كاتبة محتوى أيضاً مستقلة، بسبب بغضها للتجمعات، تركت عملها القديم، واتجهت للعمل الحر من المنزل منذ 3 سنوات.

تقول نجلاء، وتسكن في محافظة الجيزة، إنه على الرغم من عروض عمل كثيرة جاءت إليها بعد ذلك، ولكنها فضلت العمل من المنزل، لأنها كانت بحاجة إلى تعديل مسار حياتها، "ماكنتش سعيدة، بس كنت مرتاحة وده يكفي".

وثقت نجلاء عزلتها عن طريق الصور والكتابة، تقول لرصيف22: "مهم جداً أن يوثق المرء كل ما يمر به، لأنه بعد فترة سيطلع على هذه الصور أو اليوميات التي كتبها، ويستطيع تحديد ماذا أنجز، وأين كان وأين أصبح".

تشرح نجلاء عزلتها أكثر: "تجربة العزلة ملهمة لأنها تجعل المرء يتوقف عن الجري واللحاق بقطار الحياة، أيضاً تسمح لأي شخص أن يرى الحياة من الخارج، دون أن يكون في الأحداث، وبالطبع فراغ العزلة جيد لأنه أيضاً يجعلنا نرى كل الأشياء بوضوح وبشكل كامل، ويجعلنا نستطيع تحديد ماذا نريد، وما هي قدراتنا وإمكانياتنا، ويمكن أن يجبرنا على وضع خطط جديدة تتماشى مع تلك القدرات".

"لا أحد يدخل فترة عزلة ويخرج منها خاسرا".

تؤكد نجلاء لرصيف22 على فوائد العزلة: "لا أحد يدخل فترة عزلة ويخرج منها خاسراً، لأنها تجبرنا على التعرف على أنفسنا من جديد، وإيجاد معانٍ مختلفة للحياة، واتخاذ قرارات مصيرية".

وتنصح نجلاء الآخرين، في ظل أجواء العزلة المفروضة بسبب تفادي انتشار كورونا، قائلة: "يجب على المرء الاستمتاع بكل لحظة في العزلة التي نمر بها حالياً، حتى وإن لم يفعل شيئاً جديداً فيكفي الاستمتاع بـ"الولا حاجة"، ويعتبرها هدنة من الحياة، ويتأكد أنه سيعود بعد انتهاء أزمة كورونا بكامل طاقته ليحارب من أجل أحلامه".

"العزلة ضرورية للمبدع"

محمد الجاويش، كاتب مستقل أيضاً منذ خمس سنوات، ويسكن في محافظة الإسماعيلية، اختار هذا النمط بسبب طبيعة شخصيته، يقول: "أنا مش كائن اجتماعي، وأغلب الوقت باكون سعيد ومبسوط بعزلتي"، يروي محمد.

"كلما أشعر بالتخبط أنعزل فترة لأرتب أولوياتي، وأعود مجدداً، لا أحب أن تطول عزلتي لأن لها تأثير سلبي على صحتي بالتأكيد".

يضيف محمد: "لطالما كانت العزلة بالنسبة لي اختيارية، لذا اخترت أيضاً العمل عن بعد، لأنه لا يرغمني على شبكات اتصال كبيرة بالناس لأنها تتطلب طاقة وجهداً نفسياً كبيراً، الفترة الحالية صعبة على الجميع، حتى من يحبون العزلة، لذا يجب أن يفكر المرء في إيجابيات العزلة، ونقسم طاقتنا النفسية، وجهدنا حتى نخرج من هذه المرحلة بأقل الخسائر".

"تجربة العزلة ملهمة لأنها تجعل المرء يتوقف عن الجري، أيضاً تسمح لأي شخص أن يرى الحياة من الخارج، دون أن يكون في الأحداث، وبالطبع فراغ العزلة جيد لأنه أيضاً يجعلنا نرى الأشياء بوضوح، ويجعلنا نستطيع تحديد ماذا نريد"

أثرت العزلة على قرارات محمد المتعلقة بالصداقة، يقول: "العزلة تجعلنا نتعامل مع علاقتنا، ليس بمبدأ الكم ولكن الكيف، فمثلاً من الممكن أن تكون علاقاتنا قليلة ولكنها متينة وقوية، أن نمتلك صديقاً يتقبلنا في أسوأ حالتنا أفضل من امتلاك شبكة كبيرة نبذل فيها جهداً كبيراً".

ويشدد محمد على أن الإبداع هو نتاج طبيعي للعزلة، ويؤمن بأن الأشخاص يستطيعون إنتاج مواد ومقالات جيدة كلما كانوا منعزلين، أو على الأقل اختبروا العزلة لفترة في حياتهم، لذا هذه الفترة هي جيدة للكتاب والمبدعين، يقول محمد: "بالتأكيد بعد انقضاء هذه الفترة سنرى كتباً جيدة تلمسنا من الداخل ومستوى آخر من الكتابة، وأنصح كل من في الحجر المنزلي بتدوين يومياته، لأنها تساعد على تخفيف الضغط، وأيضاً نوثق فصلاً مهماً في حياتنا من الممكن ألا يعود مجدداً، ومن الممكن أن نكتشف أديباً بداخلنا".

"خذ خطوة للوراء"

قضى أحمد العقيلي (33 عاماً) وهو صاحب شركة ناشئة، فترة طويلة رافضاً نمط حياته التقليدي، وذهابه للمكتب يومياً. دخل إثر ذلك في عزلة لمدة 3 سنوات. استطاع خلالها تحديد قدراته، وإعادة بناء مستقبله، وخرج منها بإنشاء شركة جديدة متخصصة في التجارة الإلكترونية.

يقول العقيلي: "فترة انعزالي لم تذهب هباءً، وتُرجمت لخبرة كبيرة على مدار سنوات طويلة، جعلتني أعيد التفكير مرة أخرى في تجاربي الفاشلة، وأحدد كيف كان يجب أن أتعامل معها. وأيضا أجبرتني على تحديد مهاراتي، والعمل على اكتساب مهارات أخرى".

ينصح أحمد من يقضى الحجر الصحي الآن "أن يكسب الوقت لصالحه، وينمي مهاراته، لأن الاستثمار في النفس هو أفضل استثمار، لأنه لا يحتاج للمال، ولكنه يدوم طوال العمر".

وينهي العقيلي حديثه ناصحاً باتخاذ خطوة للوراء، لتأمل ماضينا، ومستقبلنا، يقول: "من الممكن أيضاً أن يأخذ الناس خطوة للوراء، وينظروا إلى خط سير حياتهم، ويقيّموا مدى رضاهم، هل هم سعداء أم حزانى، ويحددوا كيف يمكن أن يصبحوا أكثر سعادة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard