أنا وكورونا… يوميات مُصابة بالفيروس أخفت مرضها وتسعى إلى التعافي منزلياً

الجمعة 10 أبريل 202001:09 م

بداية، أود أن أشير إلى أني أكتب هذا المقال باسم مستعار، ليس خشية وصمة المرض التي حاول أن يرسخها البعض، وإنما تجنباً للتسبب في قلق أو توتر للمقربين مني الذين أخفيت عنهم مرضي.

حتى الآن تعلم شقيقتي فقط بالأمر، فهي طبيبة، ولم يكن سهلاً أن أخفي عنها الأعراض، كما كنت بحاجة لتوجيهها ودعمها في تلك الأزمة.

أما عن حالتي: بدأت أشعر بالتعب قبل نحو ثلاثة أسابيع أو أكثر بأيام قليلة. ألم لا يحتمل بالصدر، صاحبه ضيق تنفس أكاد أشعر معه بالاختناق التام.

هو شعور بالخوف الممزوج بالعجز، فقدان الأمل، وقوف الزمن وغيرها من المشاعر السلبية، التي إن تركت نفسك لها لربما قضت عليك في غضون أيام معدودة، هي التي قد تقتلك لا المرض.

هذان العرضان كانا قويين لدرجة لم أنتبه معها لأعراض أخرى كانت موجودة لكن بدرجات متفاوتة، مثل الكحة، الصداع، ألم الجسم والشعور بالدوار. كانت هذه الأعراض تأتي وتذهب وليست مستمرة، كما أنها لم تظهر سوية وإنما تباعاً وعلى فترات، حيث قد يصعب الربط بينها أو الانتباه لتزامنها معاً في البداية.

عندما شعرت بهذه الأعراض كنت بالفعل في فترة استقرار بالمنزل تقريباً، إذ أعمل من المنزل لحسن الحظ.

بالطبع كنت أخرج لشراء الضروريات فقط وزيارة الطبيب، ومع بداية ظهور الأعراض التزمت ارتداء الكمامة والقفازات، والابتعاد عن الآخرين لمسافة آمنة حرصاً عليهم.

مجرد التهاب رئوي؟

في الزيارة الأولى لطبيبي حاول طمأنتي قدر الإمكان بأنه مجرد التهاب رئوي حاد، أو التهاب شديد في مجرى التنفس، كله يسبب تلك الآلام المبرحة، ووصف لي علاجات قوية من شأنها أن تحسن الوضع خلال ثلاثة أيام على الأكثر.

بعد أسبوع عدت إليه بنفس الألم، وبأعراض إضافية تتعلق بمشاكل في المعدة وصعوبة في النوم. كان الطبيب ليظنني مبالغة في توصيف الألم لولا أنه استشعر اضطراباً غريباً في الصدر عبر سماعته الطبية. قال لي: "غريب جداً"، ولم يزد على ذلك.

ووصف مزيداً من الأدوية آملاً أن تُحدث تحسناً، وظل يطمئن نفسه ويطمئنني بأني لا أعاني ارتفاعاً في الحرارة، كأحد أكثر أعراض كورونا شيوعاً، ما تبين لاحقاً أنه غير دقيق.

عدت إلى المنزل بمزيد من أصناف الدواء: مضاد فيروسات، موسع للشعب الهوائية، خافض حرارة عند اللزوم، مسكنات للصداع وألم الجسم، منظم لحركة المعدة ومهدئ للأعصاب لتحسين النوم.

عزمت في هذه الأثناء أن أكتفي بهذا من الطبيب وإن لم أشعر بتحسن، إذ شعرت أنه فعل كل ما بوسعه، وأن أبدأ في محاولة مراقبة حالتي وعلاج نفسي منزلياً، بالرجوع إلى النصائح المتداولة حول حالات الاستشفاء من كورونا.

تواصلت مع شقيقتي التي أجرت لي اختبار تنفس عبر الهاتف، ليتضح أني لم أستطع اجتيازه ما يعني احتمالية أكبر للإصابة بالمرض.

 أكتب هذا المقال باسم مستعار، ليس خشية وصمة المرض التي حاول أن يرسخها البعض، وإنما تجنباً للتسبب في قلق أو توتر للمقربين مني الذين أخفيت عنهم مرضي

خوف، قلق، عجز

مع بداية ظهور الأعراض واستيعاب إصابتي بكورونا، هذا "الفيروس الفتاك الذي أقعد العالم في المنازل وأودى بحياة مئات الآلاف وأصاب الملايين، دمر اقتصادات، أهلك أنظمة صحية متقدمة وأعجز حكومات دول عظمى"، فإنك تتيقن بأنك "هالك لا محالة".

هو شعور بالخوف الممزوج بالعجز، فقدان الأمل، وقوف الزمن وغيرها من المشاعر السلبية، التي إن تركت نفسك لها لربما قضت عليك في غضون أيام معدودة، هي التي قد تقتلك لا المرض.

أضف إلى ذلك كل السيناريوهات التشاؤمية حيال فقدان الأحبة ومصيرهم بعد رحيلك، وتلك القائمة الطويلة من الأحلام أو الأهداف أو حتى اللحظات التي كنت بانتظارها.

لكن في حالتي، أم عزباء لطفلة أمثّل لها كل الحياة، لم يكن لدي الوقت أو الفرصة للاستغراق في تلك المشاعر القاتلة، كان عليّ تدارك الموقف سريعاً جداً ووضع خطة لـ"الاستشفاء".

لا أنكر أن هذه المشاعر تكالبت عليّ لاحقاً في أوقات اشتداد الألم وصعوبة التنفس، وتحديداً كلما تذكرت أحد مقاطع الفيديو لأي من المصابين في حالة حرجة، متخيلةً نفسي محلهم، لكن التعامل مع أعراضي كل على حدة، ومحاولة التفكير في أنها "قابلة للاحتمال" و"ليست خطيرة للغاية"، كان يهون تلك المشاعر، ويمنحني الأمل في أن "جسدي قادر على مقاومة هذا الفيروس".

تجارب سابقة موثوقة

طبيعة عملي الصحفي ساعدتني كثيراً في العثور على القصص "الموثوقة" لمتعافين من كورونا في الصحف الغربية، في ظل حداثة ظهور العدوى في البلدان العربية.

تركزت غالبية النصائح على التغذية الجيدة والراحة وعدم مخالطة الغير، وقد كان.

منذ اليوم الأول عزلت نفسي في حجرتي عن أسرتي الصغيرة، ومنعت الزيارات لأي سبب، والخروج إلا لضرورة ملحة جداً.

وبدأت أتحسس التغذية المناسبة لحالتي، وهنا لاحظت أمراً مهماً للغاية، تناول الكثير من الطعام سيء جداً لأي مريض بكورونا، أمر تفقد معه القدرة على التنفس تماماً ويصعّب الاستشفاء، في ظني.

في الأساس، يصاحب المرض انعدام شهية تام نحو كافة الأطعمة، حتى مع الشعور بالجوع، لكن هذا لا يمنعك من تناول الكثير من الطعام، ظناً أن هذا قد يحسن وضعك، أو بسبب الفراغ.

لاحظت أن الأيام التي أتناول فيها قدراً قليلاً جداً من الطعام يتحسن التنفس لديّ، فركزت على تناول قدر أصغر لكن بنوعية أفضل، أي أكثر قيمة غذائية.

وبات روتيني الغذائي:

الإفطار: ملعقة عسل يعقبها كوب مياه بدرجة حرارة الغرفة، وبعد ساعة ساندوتش (جبن/بطاطس) مع بعض الخضروات، ثم مشروب ساخن.

الغذاء: قليل من الأرز مع حبوب، مثل البقوليات بدون أي صوص أو دسم، مع مشروب ساخن، وبعد ساعة طبق من الفاكهة المنوعة.

العشاء: الذي أحرص أن يكون قبل ست ساعات على الأقل من النوم، ويكون عبارة عن زبادي وعسل ومشروب ساخن أيضاً.

أما عن روتين يومي، فتبدل قليلاً هو الآخر: في بداية المرض كنت لا أبرح سريري طوال اليوم، ظناً أن "الراحة التامة" أفضل، لكن بدأت تدريجياً أجرب إضافة الحركة إلى يومي، بممارسة القليل من الرياضة على فترات عدة في النهار وقبل النوم.

بسبب ضيق التنفس، ولاحقاً مع الشعور بآلام في القلب واللهاث الشديد، لم أكن أستطيع ممارسة الرياضة لأكثر من دقيقتين متصلتين، فكنت أمارسها لأربع مرات يومياً. كان الأثر محدوداً في البداية، وبمرور الأيام شعرت بعمق الفارق: اليوم الذي لا أمارس فيه الرياضة تشتد فيه أعراض تعبي.

من الأمور التي ساعدتني كذلك، الاستمرار في العمل من المنزل، شغل وقتي وتفكيري عن الخوف والأخبار السلبية، بالطبع بعدما قللت ساعات العمل وتفاديت القصص المحبطة.

زيادة ساعات النوم ساعدني في تخفيف المشاعر السلبية والخوف من الألم الذي يأخذ منحنى متغيراً في كل يوم، وصل معدل نومي إلى 9 ساعات يومياً.

إلا أني لا أنكر أن الشيء الوحيد الذي كان وما زال يضغط على أعصابي بشدة، هو أني غير قادرة وأخشى الاقتراب من طفلتي، أو أي من أفراد أسرتي المحجورين معي، خشية نقل العدوى إليهم. هذا هو الأصعب من أن تكون محجوراً منزلياً وليس الملل أو الرتابة

التوتر والضغط من أسوأ الأمور في مواجهة مرض كهذا، يزيدان الحالة الصحية تدهوراً، وعلى نحو قد لا يمكن تخيله، حين أتعرض لضغط أو عدم استقرار في العمل، تشتد الأعراض ويسوء وضع النوم للغاية.

ومن هنا أدركت أهمية نصيحة علماء النفس الخاصة بالابتعاد عن التقارير المتشائمة بشأن كورونا.

إلا أني لا أنكر أن الشيء الوحيد الذي كان وما زال يضغط على أعصابي بشدة، هو أني غير قادرة وأخشى الاقتراب من طفلتي، أو أي من أفراد أسرتي المحجورين معي، خشية نقل العدوى إليهم. هذا هو الأصعب من أن تكون محجوراً منزلياً وليس الملل أو الرتابة.

أحاول أن أصبّر نفسي بأن الأمر يتطلب مني عزيمة وقوة في هزيمة المرض سريعاً للعودة إلى حياتنا الأسرية الطبيعية.

وهكذا أصبح روتيني اليومي، الاستيقاظ في السابعة صباحاً، الإفطار، ثم ممارسة الرياضة، ومن بعدها تحضير طعام الغذاء (قبل بداية العمل)، وتصفح منشورات الأصدقاء عبر السوشال ميديا لنحو ساعة، العودة إلى مزيد من الرياضة.

أبدأ بعد ذلك عملي، الذي تتخلله بعض التمارين لنحو خمس دقائق، ثم تناول الغذاء، وممارسة الرياضة من جديد. بعدها يبدأ وقت التسلية بمشاهدة أي فيلم، قراءة رواية أو الاستماع لبعض الموسيقى، ويتوسط تلك الفترة العشاء، وبعد الساعات الفاصلة، النوم.

حتى الآن ما زلت لم أتعاف كلياً، يستمر ضيق التنفس وإن كان بدرجة أقل كثيراً، والآلام في الصدر والقلب على فترات، فيما اختفت الأعراض الأخرى تقريباً عدا بعض الأرق.

لكني أشعر أني على الطريق الصحيح للتعافي، وكل ما أفكر به حقاً هو اشتياقي لتلك اللحظة التي سيصبح بإمكاني فيها الشعور برئتي مليئتين بالأوكسجين مرة أخرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard