أكثر الجغرافيين العرب أصالة ولكنّ آفتَه الغرورُ... عن الرحّالة شمس الدين المقدسي

الجمعة 17 أبريل 202005:36 م

وسط عائلة اشتهرت بالبناء وتشييد المعمار، نشأ الرحالة شمس الدين المقدسي ، وهو ما انعكس على كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، فحملت نصوصه رهافة حسٍّ في تذوق الجمال المعماري. ومن تلك القريحة، تهيأ لنقد الأبنية في الأمصار التي طاف بها، مما حدَا بالمستشرق الروسي إغناطيوس كراتشوفسكي أن يصفه بأنه "آخر ممثّل للمدرسة الكلاسيكية الإسلامية بالمعنى الدقيق".

جغرافي أهمل المؤرخون سيرتَه

يُجمع المؤرخون على أنه يُدعى أبا عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر البنّاء الشامي المقدسي، المولود في بيت المقدّس سنة 335 هـ/390 هـ، والمتوفي عام 390 هـ/1000م. ويُلقب بـ"البنّاء" نسبة إلى جدّه الذي بنى ميناء عكّا في عهد أحمد بن طولون، وفقاً لما أورده كمال بن محمد الريامي، في كتابه "مشاهير الرحالة العرب".

ويشير الرّيامي إلى أن أمّ المقدسي أعجمية تنتمي إلى أسرة كانت تسكن في قرية "بير" غربي خُراسان، مُعتبراً أن "هذه القرابة أعانته على التنقل بين أرضٍ وأرضٍ، ونقلت إلى لسانه كلام الفُرس، فزار أمصار العجم كلّها، وأكرم الناس مثواه، وفتح له إلمامُه باللسان الفارسي قلوبَ العامة، وقصور الأمراء، وأقدره على مقارنة اللغات بعضها ببعض، وعلى تمييز جميلها من قبيحها".

لم يُبحر المؤرخون في ذكر نشأة شمس الدين المقدسي إلا في نذر يسير أورده البعض، منهم الدكتور عبد الرحمن حميدة في كتابه "أعلام الجغرافيين العرب"، حين قال: "تعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، وعرف شيئاً من النّحو وعلوم اللغة. ولما صلب عوده ارتحل إلى العراق، وهناك تفقّه على مذهب أبي حنيفة، وخالط الفقهاء والعلماء والمتكلمين، ولزم دور الكتب وتصانيف العلماء".

ويؤكد الدكتور مقتدر حمدان عبد المجيد ذلك الجفاء بين سيرة المقدسي والمؤرخين، فيقول في رسالته "الجوانب الاقتصادية والمالية في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، الصادر عن جامعة بغداد: "عاش شمس الدين صباه وشبابه بالقدس في الفترة التي كان فيها الخليفة العباسي المطيع باللّه. ومما يؤسف له حقاً أن المعلومات عن المقدسي قليلة رغم إنجازه الكبير، إلا أنه فيما نعتقد كان مجهولاً بين قومه، لأنه كان دائم الأسفار، حريصاً على معرفة بلاد غير بلاده، وعندما عاد وتفرّغ لترتيب كتابه، لم يعِش بعد ذلك طويلًا (...) كما أنه لم يترك غير كتابه أعلاه".

يُقال إن العالم الجغرافي، كريستللر، استفاد من دراسات المقدسي، عندما وضع نظريته في التوزيع الجغرافي للمراكز العمرانية في جنوب ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين

"أحسن التقاسيم"... كتاب وحيد لرَجلٍ غير ذائع الصيت

لم يُعرف عن مسيرة المقدسي ما يُبيّن الحصيلة العلمية التي استند إليها في تدوين رحلاته في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، الذي ألّفه على الأرجح بعدما أتمّ الأربعين من عمره ــ وفقًا لما أورده عبد الرحمن حميدة ــ، وأنجزه بعد ثلاثة أعوام، طاف قبلها أرجاء العالم الإسلامي ـ دون غيره من الأمصار ــ في القرن الرابع الهجري.

ويبرّر المقدسي عدم ذكره لما هو خارج إطار العالم الإسلامي آنذاك، بقوله: "ولم نذكر إلا مملكة الإسلام وحسب، ولم نتكلّف ممالك الكفار، لأننا لم ندخلها، ولم نرَ فائدة في ذكرها".

أما عن كواليس تدوين كتابه، فأشار المقدسي في مقدمة مؤلّفه إلى النُذر اليسير قائلاً: "ما تمّ لي جمع الكتاب إلا بعد جولاتي في البلدان، ودخول أقاليم الإسلام، ولقائي العلماء، وخدمة الملوك، ومجالستي القضاة، ودرسي على الفقهاء، واختلافي إلى الأدباء والقراء وكتبة الحديث، ومخالطة الزهّاد والمتصوفين".

ويوضح المقدسي أن منهجه نابع من معايشة لما يرى، بتأكيده أنه لجأ إلى مجالس القصّاص والمذكرين "مع لزوم التجارة في كلّ بلد، والمعاشرة مع كلّ أحد، والتفطّن في هذه الأسباب، بفهم قويّ حتى عرفتُها ومساحة الأقاليم بالفراسخ حتى أتقنتها، ودوراني على التخوم حتى حررتها، وتنقّلي إلى الأجناد حتى عرفتها، وتفتيشي عن المذاهب حتى علمتها، وتفطني في الألسن والألوان حتى رتبتها، وتدبّري في الكُوَر (المديريات) حتى فصّلتها، وبحثي عن الأخرجة (الضرائب) حتى أحصيتها. مع ذوق الهواء، ووزن الماء، وشدّة العناء".

أما عن منهجه، فقد اتبع المقدسيُّ أسلوب التقسيم العنقودي والمركزي في كتابه، وهو كالتالي: "الإقليم ــ الكُورة ــ القصبة ـ المدينة ـ القرية". ويُقال إن العالم الجغرافي، كريستللر، استفاد من دراسات المقدسي، عندما وضع نظريته في التوزيع الجغرافي للمراكز العمرانية في جنوب ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين، وذلك حسبما أكّد الدكتور إبراهيم أحمد سعيد، في رسالته الصّادرة عن كلية الآداب بجامعة دمشق، بعنوان "إسهامات المقدسي في الجغرافيا والدراسات الإقليمية".

والناظرون في "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" سيجدون أن المقدسي رسم خرائط مستقلة للأقسام الأربعة التي افترضها للعالم الإسلامي، بطريقة مبتكرة وقتئذٍ، حين رسم الطرق المعروفة بالأحمر، والرمال الذهبية بالأصفر، والبحار المالحة بالأخضر، والأنهار بالأزرق، والجبال المشهورة بالبنّي.

يبرّر المقدسي عدم ذكره لما هو خارج إطار العالم الإسلامي آنذاك، بقوله: "ولم نذكر إلا مملكة الإسلام وحسب، ولم نتكلّف ممالك الكفار، لأننا لم ندخلها، ولم نرَ فائدة في ذكرها"

عالمٌ كبير آفتُه الغرور!

يُعدّ المقدسي جغرافيّاً بالمعنى الدقيق للكلمة، كما هو متعارف عليه في العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري، كونهم لا يعمدون في كتبهم على النقل والرواية "بل كانوا يطوفون بأنفسهم في العالم الإسلامي وغيره، ويقيّدون مشاهداتهم وما يقع تحت أبصارهم، فأصبحت كتاباتهم الجغرافية في كثير من صورها رحلاتٍ بالمعنى الدقيق، تُصوّر أحوال الناس والعمران بالعين الباصرة اللاقطة:، حسبما قال الدكتور شوقي ضيف في كتابه "الرّحلات".

ويحفل شمس الدين المقدسي وكتابه بحالة من الإجلال لدى العرب والمستشرقين، فهو "أكبر جغرافيّ عرفتْه البشرية قاطبة" بحسب المستشرق النمساوي شبرنغر، و"أكثر الجغرافيين العرب أصالة" وفقاً للهولندي كرامرس، لكن ذلك الاحتفاء بمُصنّفه لم يمنع أغلب الباحثين من إظهار نفورهم من كثرة تغنّيه بمزاياه.

ويسرد الأديب غازي طليمات، شيئاً من تلك الآفة لدى المقدسي في تحقيقه لـ"أحسن التقاسيم"، قائلاً: "إنه شديد الاعتداد بنفسه، مُفرط في التغنّي بمزاياه، لا يُقرّ لمن سبقه بالفضل، ولا يرى بين المؤلفين من يدرك ما أدرك، أو بين الكتب ما يجمع العلم المخزون في كتابه".

ويرى الدكتور عبد الرحمن حميدة، أن المقدسي "يكاد يُزعج القارئ بإسرافه في وصف مزايا كتابه على ما سواه، وذكر ما عانى في سبيل تأليفه".

هو "أكبر جغرافيّ عرفتْه البشرية قاطبة"، و"أكثر الجغرافيين العرب أصالة"

واستدلّ حميدة على تلك الآفة ببعض من كلمات شمس الدين المقدسي، التي قال فيها: "فإن قال قائل: إنك تركت كثيراً من العجائب في هذا الأقليم لم تذكرها. قيل له: إنما تركنا ما ذكره مَن قبلنا في تصانيفهم، ومن مفاخر كتابنا الإعراض عمّا ذكره غيرنا، وأوحش شيء في كتبهم ضدّ ما ذكرنا".

ولم يكتِف المقدسي بالإفراط في وصفِ مزاياه فقط، بل عمد إلى دحض مصنفات غيره من الرّحالة والجغرافيين، ومن ذلك قوله: "ألا ترى إنك إذا نظرت إلى كتاب الجيهاني وجدتَه قد احتوى على جميع أصل ابن خرداذبة وبناه عليه؟ وإذا نظرت في كتاب ابن الفقيه فكأنّما أنت ناظر في كتاب الجاحظ والزيج الأعظم، وإذا نظرت في كتابنا وجدته نسيجاً وحده، يتيماً في نظمه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard