في زمان الحجْر... الأرض تخاطب سكانها من البشر

الخميس 9 أبريل 202011:54 ص

حزينة أنا، لكل هذا الموت الذي يسري عليَّ، والخوف المستشري في أرجائي. مذ أن أصابكم الوباء والمشافي تغصّ بالمرضى. التوابيت مركونة على عتباتها، تنتظر من يحملها إلى المراقد أو ينقلها صوب المحارق. أغلبكم بات حبيس المنازل، يشعر بالضيق والغم تجاه القادم من الأيام. كُثر بينكم، ممن أصبحوا على أرزاقهم وقد قُطعت، أسواقهم أقفلت وأشغالهم توقفت.

حزينة أنا، وأتألم. بيد أني لم أعد أملك إلا أن أفضي إليكم: اليوم، وفيما يعيث الفيروس الخبيث فساداً في صدور العديد منكم، بت أخيراً أستطيع التنفس ولو قليلاً. عُدت لأشمّ نسيماً عليلاً، وأستنشق هواءً نظيفاً صافياً، لم أحظ بمثله منذ عقود.

 المدى، عاد ليرى، بعدما توارى سنوناً طوال خلف عجاج المعامل... وباء على البشر، خير للحياة على الأرض.

مذ أن بدأت الدوران قبل نحو خمسة مليارات عام (بحسب تقديرات علمائكم) والحياة تلد الحياة. من أشباه كائنات متناهية الصغر، لا تُبصرها عيونكم سوى من خلف عدسات المجاهر، إلى أخرى عملاقة دبّت عليّ وسبحت في أنهاري وبحاري حتى انقرضت. كنتم أنتم، يا معشر البشر، الأذكى من بين المخلوقات، والأقدر على التكيّف والتطور بالإبداع والاختراع. أنتم دون سواكم، تساءلتم عن ماهية الوجود، أدركتم حتمية الموت، تفكّرتم بالماضي واستشرفتم المستقبل، ارتقيتم بالغرائز فأنتجتم العلم والأدب والفن. بنيتم المدن، وشيّدتم الصروح الشاهقة البهيّة. بالرغم من خلافاتكم واختلافاتكم، أجدتم التنسيق والتعاون فيما بينكم، فأسستم جماعات ومجتمعات، وأقمتم بلداناً وأقاليماً ومُنظمّات تتّصل بالتجارة وبالمعلومات، حتى جعلتموني أبدو كقرية صغيرة. وأنتم عازمون على سبر أغوار الكون، تبحثون عن كواكب أخرى تشبهني، تستوطنونها وتعيشون فيها سنيناً ضوئية بعيداً عني.

"لذكائكم وجه آخر، أسود قاتم، قد يتسبب ليس بفنائكم وحسب، وإنما بفناء كل ما عليّ من أشكال الحياة"... رسالة من الأرض إلى البشر 

إلا أن لذكائكم وجهاً آخر، أسود قاتماً، قد يتسبب ليس بفنائكم وحسب، وإنما بفناء كل ما عليّ من أشكال الحياة. ولئن هجرتموني إلى المجرّات البعيدة، فإن ذلكم الوجه كالفيروس الشرير في أبدانكم، سوف ينشر الخراب أينما ذهب، وحيثما حل واستقر، إن لم تغلّبوا الرؤية الغيرية النيّرة على الغاية النفعية الضيّقة، وتديرون لي ولأنفسكم أبداً وجه الخير، فتوقفون القتل والتدمير، وتكفّون عن تلويث الهواء والماء، وإيذاء النبات والحشرات والحيوانات.

ها هم جهابذتكم من العلماء، يستنتجون أن تلك الفيروسات المكُوّرة، ذات الأشواك المتّوجة والتي تطير عشواء في الهواء وتحط على سطوح الأشياء، تغزو أجسامكم لتفتك بالآلاف منها، مدمرةً اقتصادكم ومخربةً عليكم عيشكم، إنما انتقلت من الحيوان إلى الإنسان جرّاء استباحة الأخير عُذرية الحياة البرية. "كل من الطبيعة والبشر جزءٌ من نظام بيئي واحد، والطبيعة هي التي توّفر الماء والغذاء والدواء والهواء النقي وغيرها من المنافع التي أتاحت للناس فرص التقدم والازدهار"، وذلك بحسب دوريين روبنسون، المسؤولة عن الحياة البرية ضمن برنامج البيئة الذي تُشرف عليه أممكم المُتحدة.

فلمَ إذن تهديد الطبيعة في عقر دارها؟ لم نَشْز تناغمها والإخلال في توازنها؟ بدلاً من أن تكونوا عاملَ استقرار في التوازن، وقراراً بين أصوات التناغم؟ مادامت استدامة الحياة الطبيعية هي الضامن لاستمرار الحياة البشرية. لم غزو الأدغال، قلع الأشجار وشق الطرق في أقاصي الغابات؟ لم قتل الحيوانات أو تهجيرها، قطع سلاسلها الغذائية، وقلب موازينها البيئية؟ ألا يتسنى إيجاد سُبل نمو إقتصادي وابتكار وسائل رخاء إجتماعي، من دون رفع حرارتي ونفث صنوف السموم في رئتيّ، لتذوب كُتل الجليد في كل من شمالي وجنوبي، وتتحول البراري الخضراء الواسعة صحار صفراء قاحلة.

اعتدتم على المتاجر في الحواضر، كلندن ودبي وشنغهاي تزخرُ بما لذّ وطاب، يصلكم زاهياً طازجاً من كل القارات، في كلّ الفصول وفي غضون بضعة أيام. أما الآن، فبتّم ترون السلال فارغة والرفوف عارية، لا تَلقون سوى القليل اليسير مما يسد الجوع ويُعين على العيش. أسابيعٌ أغلقت خلالها طرق التجارة وتعطلت فيها خطوط إمداد البضاعة غيّرت وجه العالم كما ألفتموه. فيروسات بالكاد لها أن تكون، كشفت لكم ضعفكم وهشاشة وجودكم، وتهافت نمط الحياة الذي أرسيتموه.

وكأنما الترحال والتجوال بات حقاً مكتسباً لكل واحد منكم، بمجرّد أن ملك المال وأقام في البلدان المترفة. تحوم الطائرات، فتحرق الوقود في الهواء. إسهامها في إجمالي إنبعاث الكربون الملوث للبيئة يصل حد 11%، علاوة على بثّها غاز النتروجين السام المؤدي إلى إنكماش طبقة الأوزون، التي تقيني من إشعاعات الشمس الضارة، وتجعل من الحياة عليّ ممكنة. أما اليوم وقد تمكّن الوباء من إغلاق الأجواء، وإدراج أسراب الطائرات على إسفلت المطارات، آن لي، ولو هنيهة، أن أنتعش، وأن يُسمع من حولي تغريد العصافير، بدلا من الهدير تُصدره المُحركات النفاثة، تجرّ خلفها ذيول سحب من دخان أبيض رطب، تخمش به زُرقة السماء، وتحبس الحرارة بين طبقاتها.

ما إن حُجر عليكم في المنازل خوفاً من تفشي الوباء، حتى تنفست الحيوانات الصعداء. أخذت الغزلان تتمشى في الحدائق، وبنات آوى تتشمّس على أرصفة الطرقات، بعد أن اختفت منها السيارات وكفّت عنها جعجعة محرّكاتها وزعيق أبواقها، وخمد سوادها الصادر عن العوادم. غدت الشطآن بيضاء خالية، رملها يعكس ضياء النهار.

ما إن حُجر عليكم في المنازل خوفاً من تفشي الوباء، حتى تنفست الحيوانات الصعداء. أخذت الغزلان تتمشى في الحدائق، وبنات آوى تتشمّس على أرصفة الطرقات، بعد أن اختفت منها السيارات وكفّت عنها جعجعة محرّكاتها وزعيق أبواقها، وخمد سوادها الصادر عن العوادم. غدت الشطآن بيضاء خالية، رملها يعكس ضياء النهار. والمدى، عاد ليرى، بعدما توارى سنوناً طوال خلف عجاج المعامل.

في نيو ديلهي، عاصمة الهند، وبعد مضيّ أقل من أسبوع على عزل سكان المدينة، إنخفضت نسب التلوث بنسبة 71%. أما في القارة الأوروبية، وفي عواصم مثل لندن، باريس وروما، فقد هبطت نحو 30%. بالمقابل، يبدو أن مجرد زيادة طفيفة طرأت على الجزيئات الملوثة خلال الأعوام السابقة، أسهمت في ارتفاع عدد الوفيّات إثر فيروس كوفيد-19 المُستجد بنسبة 15%.

أوليس الأحرى إذن، صيانة الماء والأجواء قبل صيانة الأبدان؟ ما دامت مناعة الأجسام من نظافة العمران. أمرٌ قد راع واحداً من نوابغكم منذ ثمانية قرون، اسمه ابن خلدون، كتب مقدمة جاء في فصلها الرابع: "ومما يراعى في ذلك للحماية من الآفات السماوية طيب الهواء للسلامة من الأمراض. فإن الهواء إذا كان راكداً خبيثاً، أو مجاوراً للمياه الفاسدة، أو لمنابع متعفنة أو لمروج خبيثة، أسرع العفن من مجاورتها، فأسرع للحيوان الكائن فيه لامحالة".

لعل الطاعون المُلمّ بكم اليوم، لكُم فيه فكرة وعبرة. فلستم وحدكم هنا، ولستُ مجرّد يابسة تقفون عليها أو دروباً تمشونها، لستُ مجرد تراب تزرعونه وتبنون عليه، أو صخر تشقّونه لتخرجوا منه الماء والنفط والمعادن. أنتم وأنا، وسائر المخلوقات، من أعظم الغابات وأضخم الحيتان، إلى أصغر الحشرات وأدقّ الفيروسات، جسمٌ واحد، جزء من ناموس واحد وميزان إن أخليتم به تعدمون سُبل الحياة، وإن صنتوه تزيدون فرص بقائكم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard