غربة ووحدة وخوف من العنف الأسري... مستقلات مصريات يتحدثن عن الحجر الصحي

الخميس 9 أبريل 202004:47 م

تراقب أميرة (25 عاماً)، من الإسكندرية، عبر تطبيق إخباري على هاتفها المحمول، عدد الإصابات والوفيات التي يخلّفها فيروس كورونا. تفقد سيطرتها على نوبة الهلع التي أصابتها. كل ما يجول في خاطرها أنها تريد الاختباء بين أفراد عائلتها، تسرع وتتخبط في غرفتها، تسحب حقيبتها الكبيرة التي كساها الغبار، تفتحها بتلهف، تجمع أغراضها فيها بعجلة، ثم تتوقف وتتذكر...

تتذكّر معركتها التي خاضتها مع عائلتها بأكملها من أجل استقلالها (عيشها بمفردها) والعمل في المجال الذي أُحبته، وهو تصميم الديكور المسرحي، في القاهرة. تدرك أن عودتها إلى كنف أسرتها تعني فقدانها أولى خطواتها نحو حريتها، وتنازلها عن انتصارها. تصيبها نوبة بكاء، تسقط بجانب حقيبتها، يغمرها شعور بالوحده، وتدرك حقيقة واقعها: ستواجه كورونا دون عائلة.

ثمن الحرية

تتشارك الفتيات المستقلات في مصر حالة التأهب والمواجهة، للحفاظ على حريتهن. يتحملن المسؤليات كاملة، دون مشاركة: توفير الاحتياجات المادية، أزمات توفير السكن، وقبولهن مجتمعياً... يفقدن رفاهيات كثيرة، في سبيل الاستقلال.

المرحلة الاستثنائية التي نعيشها اليوم، بسبب انتشار فيروس كورونا، وضعتهنّ أمام خيارات محدودة: إما أن يواجهن بمفردهن، أو يتنازلن عن حريتهن، بعد عجزهن عن توفير حاجاتهن، ويُجبرن على العودة إلى أسرهنّ.

تقول أميرة لرصيف22 إنها بعد سنوات من المعارك والشجارات مع عائلتها بأكملها، "استطعت منذ أربعة أشهر فقط، إقناعهم بالاستقلال عنهم، بدافع عملي الذي يجبرني على البقاء في العاصمة"، بعد تخرجها في قسم المسرح في كلية الآداب، وفشلها في الحصول على عمل في مجالها في مدينتها.

وفجأة، أصبحت أميرة تواجه خطر التنازل عن حلمها. تقول إنها غارقة بين خوفين متضادين، خوفها من مواجهة المرض بمفردها، وخوفها من النزول عن أول درجة في سلّم تحقيق حلمها. وسرعان ما حسمت موقفها: احتمال العدوى ضئيل وهي مستعدة لدفع ثمن تمتعها بالحرية في حياتها.

تغيير نظام حياة

دعاء (29 عاماً)، استقلت عن أهلها منذ ثلاثة سنوات. وبعد أزمة كورونا، رضخت لرغبة أهلها في عودتها إلى بلدتها في بني سويف، بعد أن أقنعها والداها بأن لا جدوى من بقائها في القاهرة بمفردها، بعد توقف الدراسة والعمل، ووعداها بالعودة بعد تحسن الأحوال.

تروي دعاء لرصيف22 أنه بعد مدة من الاستقلال، "تصبح سيد قرار، وتعتاد نظام على نظام حياة وضعته أنت". لذلك عند عودتها إلى منزل أهلها، خارج إطار الإجازات التي لا تتعدى 48 ساعة، أدركت خطأ قرارها.

تشعر بأنها تفتقد حريتها في الملبس والمأكل، وفي تحديد نظام حياتها، ومواقيت نومها. كل هذا يتغير ليصير ملائم لـ"أصحاب البيت". فقدت مساحتها الشخصية تماماً. كل أغراضها صارت مشاعاً. وحتى وقتها الخاص الذي كانت تخصصه لنفسها فقط، أصبح من المستحيلات. ظهرت قواعد لكل شيء غير التي وضعتها لنفسها واعتادت عليها.

تقول: "فقدت مساحتي الشخصية والهدوء. في الآخر، تركت منزلي وملاذي".

صعوبة الوحدة

تتقاطع شهادات نساء مستقلات عدة على أن الحالة الجديدة تسببت بشعورهنّ بالوحدة. فقدن صخب العمل، وجلسات الأصدقاء. حتى العودة إلى رحاب الأهل صارت أكثر تعقيداً مما سبق.

إيمان (32 عاماً)، صحافية مستقلة عن أهلها في محافظة البحيرة منذ أيام الجامعة. لم تحتمل الأسبوع الأول من الحجر. هاتفت والدتها، على غير العادة، وصُدِمت بطلب والدتها منها ألا تعود، خشية من إصابتها بالعدوى في الطريق ونقلها لأفراد أسرتها الآخرين. كتمت شعورها بالخيبة وأخبرت والدتها بأنها متفقة معها الرأي.

تقول إيمان لرصيف22 إن شعور الوحدة ينهش روحها. كانت تنتظر إلحاح والدتها المعتاد للعودة، لكن توقعها تحطم. بعد عيشها ما يشبه حالة الأسر في غرفتها، تؤكد أن الفكرة التي تهيمن عليها في هذه الأيام هي أنها تريد شريكاً، "شخصاً ما بجواري، يحتضنني ويطمئنني ويتشارك معهي ساعات الحظر الثقيلة".

اكتشاف "الغربة"

ظنت أسماء (24 عاماً)، وهي طبيبة متدربة، أن عودتها إلى أهلها في دمنهور ستكون فرصة جيدة لقضاء فترة الحجر مع والديها، خاصة، بعد إغلاق دار الطالبات الذي كانت تسكن فيه، ولكن، على عكس توقعها، حملت أيامها العديد من نوبات البكاء، والإصابة بالاكتئاب.

تدرك أن عودتها إلى كنف أسرتها تعني فقدانها أولى خطواتها نحو حريتها، وتنازلها عن انتصار الاستقلال عنها. تصيبها نوبة بكاء، تسقط بجانب حقيبتها، يغمرها شعور بالوحده، وتدرك حقيقة واقعها: ستواجه كورونا دون عائلة

تروي لرصيف22 أنه بعد عودتها إلى أهلها اكتشفت مدى غربتها، فهي تشعر أن المكان ليس مكانها. تفقد القدرة على التواصل مع أهلها تماماً. صارت حبيسة انتقادات والدها الذي كان تظن أنه يتقبلها، وإلحاح والدتها عليها بالزواج من أحد أهل القرية، وترك العمل. حقائق كثيرة عن أفكار عائلتها انكشفت أمامها فجأة. تفكر في الفرار والعودة مجدداً إلى الإسكندرية، لكنها تتذكر أن ما من مكان يأويها هناك. كثيراً ما تغلق باب غرفتها وتغرق في نوبة بكاء.

العودة انتحار

أسباب عديدة تدفع بالنساء إلى تفضيل الاستقلال عن البقاء مع الأهل، مثل العمل والقيود والدراسة وغيرها، لكن للفارات من العنف وضع خاص جداً. هؤلاء اضطررن لاقتراض المال من الأصدقاء والمخاطرة بسلامتهنّ في أعمال شاقة، من أجل الحفاظ على أمانهنّ المهدد في بيت العائلة.

"العودة إلى المنزل تعني الانتحار"، تبدأ داليا (26 عاماً) حديثها، فهي فرّت منذ عامين من بيت عائلتها في الإسكندرية، بعد أن حاول شقيقها قتلها بالسكين، في أحد المشجرات بينهما. حينذاك، أدركت أن حياتها مهددة، فبعد أن كان يعنفها ويضربها، صار يهدد حياتها بشكل مباشر، لذلك قررت الفرار إلى القاهرة بحثاً عن الأمان المفقود.

تعاني داليا من مرض "الذئبة الحمراء" المناعي، وأخبرها طبيبها أن فرصتها للإصابة بالعدوى كبيرة جداً، وعليها أن تلزم بيتها، لكن بعد أول أسبوعين من الحجر الصحي، اضطرت للرجوع إلى العمل والاختلاط بعدد كبير من العملاء، معرضة حياتها للخطر، حتى تستطيع تدبير إيجار سكنها، ومأكلها.

تقول لرصيف22 إنها كانت تقترض من أصدقائها المال لتيسير أمور حياتها في أول أيام الحجر، لكن في ظل معاناة الجميع، اضطرت للرجوع إلى عملها، لأنها لا تمتلك رفاهية العودة إلى حضن أمها، فذلك يعرّضها لخطر أكبر قد يفقدها حياتها بأكملها، أو قد تتعرض لكسر أحد ساقيها كما حدث سابقاً.

"العودة إلى المنزل تعني الانتحار" بالنسبة إليها، فقد فرّت منذ عامين من بيت عائلتها في الإسكندرية، بعد أن حاول شقيقها قتلها بالسكين، في أحد المشجرات بينهما

تجربة روان (23 عاماً) مشابهة. تعمل مدرسة موسيقى، وتركت بيت عائلتها باحثة عن الأمان. تقول لرصيف22 إنها لن تقدر على العودة مجدداً، بسبب الأمراض النفسية التي أصابتها، بسبب والدها الذي كان يتلذذ بتعنيفها. أصبحت لا تحتمل المكوث بجواره لوقت طويل، فحتى في أيام الإجازة كانت تتحجج بشغل إضافي أو بالدراسة، كي لا تتكرر تجارب الأذى الذي لحق بها.

بعد فرض الحجر الصحي، وإقفال المدارس، تأزمت معيشة روان. الآن، تنفق من مبلغ كانت قد ادخرته، لكن، إلى متى سيكفيها؟ لا تعلم. ربما أياماً قليلة. اتجهت للبحث عن عمل عبر الإنترنت، في الترجمة أو الكتابة، لتوفير أي دخل بسيط، لتدبر فقط إيجار سكنها.

هم مشترك

مجموعات النساء على فيسبوك، والتي تضم آلاف العضوات، أطلقت بعد الحجر مبادرات لتخفيف الضغط النفسي عن النساء، خاصة المستقلان منهن، واللواتي يواجهن الأزمة بمفردهن.

سهيلة محمد، مؤسسة مبادرة Femi-Hub، تقول لرصيف22 إن المستقلات دائماً ما يدفعن ثمناً مضاعفاً في وقت الأزمات، فعدا الالتزامات المادية، هناك ضغوط نفسية أخرى تحتاج إلى مساحات دعم وتوعية، لتجنب حالات الانهيار.

وتضيف: "من خلال مجموعة المبادرة على فيسبوك، قمنا بعدة إجراءات لدعمهن، خاصة بعد أن فقدت الكثيرات منّا أعمالهنّ. حاولنا أن نتشارك خبراتنا، وطرق البحث عن وظائف حرة يمكننا القيام بها من المنزل، ككتابة المحتوى، والترجمة، وإدخال البيانات. تشاركنا المعلومات وطرق التواصل وأماكن العمل لتوفير مصادر بديلة للدخل المادي".

وعلى صعيد الدعم النفسي، تقول محمد إن كثيرات من العضوات يعانين من أزمات نفسية، وبعضهن يخضع للعلاج النفسي، لكن بعد الحظر، إما أغلقت العيادات النفسية، أو لم يستطعن تحمل ثمن الجلسات، فعملت على توفير طبيبات وأخصائيات نفسية، متطوعات، لتقديم الدعم النفسي لهن، وتقديم إرشادات عامة لتخفيف التوتر والخوف الذي نتعرض له جميعاً بسبب الأزمة.

وفي مبادرات أخرى، تعمل سيدات على عقد ورش عمل وتدريبات، عبر الإنترنت، لتنمية مهارات المشاركات في اللغة، أو تعلّمهنّ أشياء جديدة. وتقول مستشارة التوظيف إسراء جاد الكريم لرصيف22 إنها في تدريباتها كانت عادةً تخفض على النساء المستقلات رسوم التدريب، والآن، في فترة الحظر، فكرت أن تستغل الفراغ في بث تدريباتها بشكل مباشر على فيسبوك، حيث يتفاعلن معها، ويطرحن عليها الأسئلة، وهي تجيب، "فأنا امرأة وأشعر بكل ما تعانيه غيري".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard