“نتشكك في المعلومات الرسمية ونغامر“... كيف يغطي صحافيون/ات أخبار كورونا؟

الاثنين 6 أبريل 202007:01 م

دأب الصحافيون على أن يكونوا في واجهة الأحداث على اختلافها، وفي أي مكان مهما كانت درجة الخطورة، بما في ذلك مناطق الحروب الدامية، فقط من أجل تأمين المعلومة الصحيحة. اليوم، وفي ظل انتشار وباء كورونا على مستوى العالم، وجد الصحافيون الميدانيون أنفسهم أمام تحدٍ جديد عنوانه: كيف يمكن التوفيق بين واجب المهنة دون التعرّض للإصابة التي لا يمكن التكهن بكيفية حدوثها؟

إضافة إلى ذلك، يفرض موضوع كورونا تحديات من نوع آخر، المعلومات الرسمية، دقة مطابقة التصريحات للواقع ولا ننسى الانتماء المؤسسي للصحفي، فالصحفي الحر المستقل يتفاعل مع الأخبار بطريقة تختلف عن صحفيي المواقع الحكومية.

"حلمت أني مصابة بالفيروس"

رؤى ممدوح، صحفية مصرية، قامت بتغطية أحداث ميدانية متعلقة بفيروس كورونا في أكثر من مرة، تحكي عن تجربتها: "حتى الآن قمت بتغطية أحداث متعلقة بهذا الفيروس لخمس مرات، كانت البداية قبل تعليق الطيران في المعامل المركزية التابعة لوزارة الصحة المصرية، التي تتولى إجراء تحاليل الفيروس، ثمّ فيما بعد إحدى المستشفيات التي تستقبل الحالات المصابة. في هذه الأوقات كان الخوف من التقاط عدوى من هنا أو هناك تلازمني، وتصيبني بالفزع، خاصة في ظل حالة الازدحام الكبيرة التي ظلت عليها الشوارع في القاهرة قبل الحظر".

تستنكر رؤى حالة التعتيم الكبيرة على الأرقام والإحصائيات المتعلقة بفيروس كورونا في مصر، وحصر المعلومات بما تقدمه وزارة الصحة، والتعقيدات الكبيرة التي تواجهها في كل مرة تتجه فيها للحصول على معطيات، ما يجعل مهمتها كصحفية تحقيقات صعبة

بدأت ممدوح تأخذ احتياطاتها الصحية، تُعقِّم يديها باستمرار، وترتدي الواقيات والقفازات الطبية، ولكن خوفها كبر، وتحوَّل لهاجس، فتحاول تجنب الاحتكاك مع أي شخص عابر، يكفي أن يحدث مرة واحدة لتُصاب بالهلع.

في الفترة الأولى من التغطية انتابت رؤى بعض التهيؤات بأنها مريضة، وبأنّ حرارتها مرتفعة بفعل الخوف من انتقال العدوى، الذي سيطر عليها لأيام. ورغم اتخاذها لكل إجراءات الوقاية، وترك مساحة مع من تحاورهم أو من تقوم بتصويرهم، إلا أن سعال أحدهم على مقربة منها كان كافياً لإحداث حالة من الرعب لديها.

ولم يكن الحصول على الأرقام الحقيقية للمصابين بالنسبة إلى رؤى كصحفية بالأمر السهل، انتقلت هي وزملاؤها إلى مستشفى "إمبابة"، الذي نقلت إليه الحالات المشتبه بإصابتها بالفيروس للدخول في الحجر الصحي.

تقول رؤى لرصيف22: "الأمر لم يكن سهلاً أبداً، أذكر أنه لدى انتقالي للمستشفى للاستفسار عن عدد الحالات الموجودة ووضعيتها، نفى الأطباء هناك ومدير المستشفى إيواء أي مصابين، ونتيجة لذلك وجدت نفسي أمام معطيات متضاربة، بين من يبلغني بوجود عدد معين ومسؤولين ينفون وجود حالات، هذا الأمر جعل مهمتنا في غاية التعقيد، وبات الحصول على الأرقام الصحيحة مجهداً ويحتاج الكثير من الخطوات".

"الحصول على الأرقام الصحيحة مجهد، ويحتاج للكثير من الخطوات".

وتنطبق هذه الوضعية أيضاً على أسعار التحاليل التي كانت تجريها المعامل التابعة لوزارة الصحة لفائدة المسافرين، حيث لم يكن سهلاً أبداً معرفة السعر الحقيقي، في ظل التضارب الكبير في المعلومات، كما لم يكن متاحاً أبداً معرفة عدد الأشخاص الذين قاموا بهذا التحليل.

وتستنكر رؤى حالة التعتيم الكبيرة على الأرقام والإحصائيات المتعلقة بفيروس كورونا في مصر، وحصر المعلومات بما تقدمه وزارة الصحة دون غيرها، والتعقيدات الكبيرة التي تواجهها في كل مرة تتجه فيها للحصول على معطيات على علاقة بالفيروس، ما يجعل مهمتها كصحفية تحقيقات صعبة، ويحول دون إنجازها لتحقيقات معمقة في الأمر، رغم الفرص المتاحة لذلك، فيما لو كان تعامل الأطباء والمسؤولين مع الأرقام والمعلومات أكثر سلاسة.

ويذكر أن أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر بلغ يوم الأحد 5 إبريل 1173 مصابا، و 78 حالة وفاة، فيما بلغ إجمالي عدد المتعافين من المرض 247 حالة، حسب إحصائيات وزارة الصحة، والعدد في تزايد مستمر.

"نتعامل مع عدو صعب"

محمد عوض، صحفي فلسطيني من غزة، يقوم هو الآخر بتغطية الأحداث المتعلقة بفيروس كورونا، رغم صعوبة الوضع في القطاع، لا سيما على مستوى عدم توفر أدوات الوقاية اللازمة أثناء تنقله للتغطية الميدانية.

يقول محمد لرصيف22: "تعودنا وتدربنا في قطاع غزة على تغطية الأحداث الساخنة والدامية المتعلقة بتصعيد العدو المرئي والواضح بالنسبة لنا، وهو الكيان الصهيوني، ولهذا صرنا نمتلك آليات التعامل معه في عملنا الميداني كصحفيين، لكننا اليوم نواجه عدواً من نوع آخر، عبارة عن وباء متفش لا ندركه بالبصر ونفتقر لطرق التعاطي معه، وهذا ما يجعل مهمتنا هذه المرة دقيقة مقارنة بما ألفناه".

يشير محمد هو الآخر إلى تشكيكه بالمعلومات الرسمية التي تقدمها الحكومة، لذا يقوم بتعزيزها بما يسميها "معلومات إرشادية"، من خلال التواصل مع مختصين في غزة، يعوضون النقص في المعلومات الرسمية، ويضيف محمد لرصيف22: "هناك طواقم بشرية ولكن نفتقر للمعدات اللوجستية بسبب الحصار المفروض على القطاع، ولكننا نحاول بما أوتينا من إمكانيات أن نصل المسؤول بالمواطن، من خلال ما ننشر من معلومات خاصة متعلقة بأعداد المصابين، التي وإن كانت قليلة ولكن الحالات الخاضعة للحجر الصحي كبيرة".

ولا توجد في قطاع غزة صعوبات كبيرة بشأن التواصل مع المسؤولين، في ظل تنظيم مؤتمر يومي تعلن فيه الجهات الرسمية آخر التطورات، ومنه يستقي الصحفيون المعلومات المتعلقة بالفيروس، إلى جانب تلقيهم لبعض التفاصيل عبر البريد الإلكتروني، أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

ويشتكي محمد من عدم توفر أدوات السلامة الشخصية بالنسبة للصحفيين، التي تمكنهم من زيارة المستشفيات التي تستقبل المصابين بالفيروس.

محمد يعيش صراعاً خفياً بين واجبه المهني الذي يحتم عليه توفير المعلومة، وبين ضرورة توخي الحذر التام لتجنب العدوى خوفاً على نفسه وعائلته، وضع يحاول التأقلم معه بالكثير من الحيطة لدى اضطراره للتغطية الميدانية، ويدفعه للبحث عن فرص تأمين المعلومة من البيت، عبر الاتصالات الهاتفية والسكايب وغيرها.

"الحكومة تتعاون ولا أجازف"

فايزة سكرافي، مراسلة القناة الوطنية التونسية الأولى في منطقة الجنوب، تحكي أن تغطيتها تجري بسلاسة تامة في ظل تعاون المسؤولين معها وتوفر الأرقام ووسائل الحماية.

على عكس رؤى ومحمد، تثق سكرافي في الأرقام والمعلومات الرسمية، تقول لرصيف22: "أقوم بتغطية الأحداث المتعلقة بالفيروس هذه الأيام ولكن دون تعطيلات أو تعقيدات تذكر، ربما يساعدني في ذلك انتمائي لمؤسسة وطنية "حكومية" تتخذ الإجراءات اللازمة قبل بدء أي عمل، ولا يسعني إلا الإشادة بالإطارات الصحية التي لا تتردد بمدّنا بالأرقام والإحصائيات الدقيقة، تحديثها بشكل مستمر والإجابة على كل تساؤلاتنا حول تطور الوضع الوبائي بمحافظة مدنين التي أغطيها".

تقوم فايزة بالتغطية في منطقة مُصنفة في تونس على أنها "بؤرة وباء".

وتجنباً لخطر انتقال العدوى، تحاول فايزة اتخاذ كل تدابير الوقاية، فضلاً عن قرارها تجنب دخول المستشفيات، بعد إيوائها حالات ثبتت إصابتها، بل إنها لم تجازف بالقيام بالحوار مع أحد الأطباء، إلا بعد تلقيها التطمينات اللازمة من مسؤوليها في القناة، واتخاذها لاحتياطات صحية.

وترى فايزة في حذرها حكمة، فهي تقوم بالتغطية في منطقة مُصنفة في تونس على أنها "بؤرة وباء".

وتثمّن فايزة دور الصحافة والإعلام في تونس، فهي وزملاؤها يحاولون توفير معلومات دقيقة، محاربة الشائعات الخاصة بانتشار الوباء، والتحذير من السلوكيات غير الصحية.

وبلغت عددت الإصابات بفيروس كورونا بتونس 527 حالة، وتم تسجيل 22 وفاة، وتتخذ تونس إجراءات صارمة للحيلولة دون انتشار الوباء، على غرار فرض الحجر العام على المواطنين والتي يشرف الجيش على تنفيذها.

"أنقل للمؤسسة تحركات الناس"

المختار بابا، مراسل القناة الموريتانية المكلف بتغطية الأحداث المتعلقة بفيروس كورونا، على المناطق الحدودية لبلاده مع الجزائر والمغرب والسنغال ومالي.

كان المختار بابا مكلفاً من قبل مؤسسته الحكومية برصد من يدخل، ومن يغادر البلاد عبر الحدود، ومراقبة الإجراءات الاحترازية التي تقوم بها الدولة، ما جعله يحتك مباشرة بالناس، سواء المواطنين الموريتانيين أو الجاليات الأخرى من دول الجوار.

"تعوَّدنا وتدرَّبنا في قطاع غزة على تغطية الأحداث الدامية المتعلقة بتصعيد العدو المرئي والواضح بالنسبة لنا، الكيان الصهيوني، ولهذا صرنا نمتلك آليات التعامل معه، لكننا اليوم نواجه عدواً من نوع آخر، عبارة عن وباء لا ندركه بالبصر، ونفتقر لطرق التعاطي معه"

هذا الحال وضع المختار بابا كصحافي ميداني أمام تحدٍ كبير وهو التواجد بين جمهور كبير دون معرفة ما إذا كان بينهم من يحمل الفيروس أو لا، لكن مسؤولية العمل وتحدي المهنة، كما يرى، يفرضان الدخول للنقاط الساخنة، "لرصد ما يدور في كواليس المعابر الحدودية بالصورة والصوت"، على حد تعبيره.

ويتفق المختار بابا مع فايزة في الثقة بتصريحات الحكومة، وتقدير تجاوبها معه في تغطية الأحداث، مستفيداً أيضاً من انتمائه لمؤسسة إعلامية رسمية في تأدية مهامه الصحفية.

بقول مختار بابا لرصيف22: "رغم أن بلادنا لم تسجل حالات كبيرة للمصابين بكورونا، إلا أنني في تغطيتي واجهت الكثير من الصعوبات لا سيما الطبيعية، نظراً لتواجدي في مناطق حدودية أتابع حملات الجيش والأمن ضد المتسربين بحراً أو براً، وهذه الأماكن شبه خالية، حيث لا منازل أو غرف للراحة ولا مطاعم أو مقاهي، كلها مغلقة، ما جعلنا نبيت في العراء في أكثر من مناسبة. ولم تتوقف أزمتنا عند هذا الحد، فالكهرباء والإنترنت المقطوعان لأوقات طويلة يجعلانا نضطر للتنقل لمسافات طويلة لأماكن تتوفر فيها شبكة الكهرباء والإنترنت، لنقوم بإرسال المادة الإعلامية لمؤسساتنا".

وكانت أخبار تناقلها نشطاء السوشال ميديا، عن موريتانيين مقيمين خارج البلاد، تدور حول تورّط حكومتهم في حملة تجارب للقاح كورونا، وقد أصدرت وزارة الصحة بياناً رسمياً نفت فيه المشاركة في هذه التجارب.

وتعد موريتانيا من ضمن الدول العربية الأقل تضرراً بفيروس كورونا حتى الآن، حيث سجلت 6 حالات إصابة، شفيت منها اثنتان، وتوفيت حالة واحدة، ومنذ  ما يقارب الأسبوع فرضت السلطات الموريتانية حظر التجول ليلاً، كما منعت التنقل بين المحافظات، وأعلنت مدينتي نواكشوط وكيهيدي، بؤرتين لفيروس كورونا المستجد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard