لنتحدث عن نيكولاس مفرّج... المصري اللبناني الذي غيّر مفاهيم الفنّ وغيّره الإيدز

الأربعاء 13 مايو 202004:05 م

يأتي هذا المقال ضمن تعاون مع مجلة Arts Asia Pacific التي تعنى بتغطية الفن المعاصر والأحداث الثقافية في سبع وستين بلداً ضمن آسيا والمحيط الهادي والشرق الأوسط، في النسخة المطبوعة، بعنوان "Nicolas Moufarrege Recognize My Sign" بقلم القيمة والناقدة الفنية المستقلة بانسي فاسفاني Bansie Vasvani في عددها 117 مارس/أبريل من عام 2020.  

تحدّى نيكولاس مفرج (1947- 1985) حدود الذوق والتقاليد، مثل العديد من القيم المتطرّفة والغريبة التي سادت في ثمانينيات القرن الماضي، ليكتسب ببراعته التقدير والإعجاب باللوحات الفريدة التي كان يحيكها، بخيوط تتشابك بين ثناياها الثقافة الشعبية (بوب) مع الجماليات الكلاسيكية.

وبهذا، كان المفرج أحد أبرز فناني عصره بقدر ما سبقه، وبعد أربع وثلاثين سنة من وفاته، إثر إصابته بمرض الإيدز في عام 1985، حط معرضه المنفرد "اقرأ لافتتي" رحاله بعد طول انتظار، في متحف كوينز في مدينة نيويورك، بعد ظهوره لأول مرة عام 2018 في متحف الفن المعاصر في مدينة هيوستن.

هوية هجينة وفن خارج عن المألوف

بالنسبة للفنان كثير التنقلات، مصري النشأة، لبناني الجنسية، أصبحت لوحات نيكولاس مفرج البانورامية الضخمة المطرزة على الكانفاس مهنة له. بداية من أولى أعماله في المعرض، مثل لوحتي "الجزيرة" و"الطريق" اللتين نفذهما عام 1975، (Une Île (An Island) and Le Chemin (The Way خاض مفرج تجربة إدخال مزيج من خيوط الحرير، القطن والصوف في مطرزاته، لتصوير المناظر الطبيعية المجردة، من خلال عمق وبنية منظوريين، وقد جمعت أعماله منذ بداية حياته الفنية، بين أفكار تحوي فيضاً من الأشكال الهندسية، وبين الحرفة اليدوية التقليدية بشكل مذهل وتنوع متناغم.

بدأت هوية مفرج كفنان خارج عن المألوف تظهر في باريس التي ذهب لاجئاً إليها عام 1975، بعد الحرب الأهلية في لبنان، في سلسلة من الأعمال المطرزة والملونة الأسطح، أشار إليها بصفتها "لوحات".

وقد قدم فيها العديد من الصور الشاسعة لمناظر طبيعية وصور تشبه تماثيل لرجال عراة كما في لوحات Laocoön Quest (1980) and The First Time Ever I Saw the Volcano (1979)9 وفي غمرة استغراقه باستكشاف عمق ما أسماه هويته "المفرطة التهجين" على حد تعبيره، عمد في قِطَعه إلى المزج بين اللوحات الأوروبية والزخارف الشرق أوسطية، مثل الأهرامات، الزخارف الإسلامية، التصاميم اليونانية والنصوص العربية، في لوحة بعنوان "أهمية أن تكون دائم الخضرة" على سبيل المثال (The Importance of Being Evergreen (1979–80 يقدم رسماً مظللاً لذكر مستلق مطل على شجرة في مرج، ما يذكرنا بنمط الرسومات الفرنسية في القرن السابع عشر، ترافقها رموز تمثل الحضور الأزلي للإله، وتطريز منسجم مع عناصر اللوحة في الحاشية لنص عربي فحواه "رجل مثلي لا يذاع له سرّ".

ونجد في هذا العمل إشارات إلى هوية مفرج المثلية، ورؤيته الذاتية لتركيبته الجسمانية الدالة عليها، الأمر الذي ظهر في جميع الأعمال التي نفذها في باريس. وقد زخر هذا المعرض بقطع برز فيها موضوع "الكسوف المجازي" بين الشرق والغرب، الذي حرص على دمجه في لوحاته، محدثاً صلة بينه وبين المثلية الجنسية عبر صور لأجساد رجال عراة، وهذا شبيه لما نراه في أعمال المصور الفوتوغرافي الأمريكي روبرت مابلثروب.

الأبعاد السياسية للمخيلة الفريدة

على الرغم من فرادة هذه الأفكار إلا أن مخيلة مفرج اللانمطية لم تبلغ ذروتها إلا في السنوات الأربع الأخيرة من حياته، والتي قضاها في قرية إيست في نيويورك، حيث نفذ أعمالاً أشبه بسلسلة من الصور التي تسلب أنظار المشاهدين، بطريقة زخرفتها بالخرز والدبابيس والقطع المعدنية الموضوعة على المساحات المطرزة، وتذكرهم في إسهابها بالحكايات الصينية. تتصادم في اللوحة ذاتها الرموز الشعبية الثقافية، مثل شخوص الأبطال الخارقين في الكتب المصورة مع مراجع فنية تاريخية، لتلغي الحدود الواهية بين الفن الجيد والرديء.


فمثلاً في لوحة بعنوان "الطقس في الثلاثاء الماضي" (1983)، يحمل سانتا كلوز قائمة المدن التي دمرتها الحروب في القرن العشرين، بينما تفجر شخصية من شخصيات قصص التشويق سيلاً من الحرائق في خلفية اللوحة، إضافة إلى شخوص أخرى، مثل جندي روماني، محارب من القبائل الأفريقية وسبايدرمان، كما ضمّنها شخصيات من لوحة "غرنيكا" (1937) للفنان الإسباني بابلو بيكاسو، التي استوحاها من قصف مدينة غرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية: تتهيأ هذه الشخوص للمعركة على خلفية منمقة بالبهارج، وبرغم ازدحامها بالتفاصيل والزخارف، إلا أن اللوحة تشي بمقدرة مدهشة على التعبير عن أبعادها السياسية عبر أسلوب مفرج الفريد الذي يكسر كل الأعراف.

تبقى تعبيرات نيكولاس مفرج المفعمة بالجرأة حاضرة حتى يومنا هذا، التي يتحدى من خلالها كل الثوابت الجنسية والثقافية والرموز الغربية التي سادت في زمنه

"ما بعد الحداثة" من منظور مفرج

تكشف سلسلة من الأعمال المطرزة المجهولة العنوان، والتي أنجزها مفرج في الفترة ما بين 1984–1985، عن مدى تأثره بنهج ما بعد الحداثة، من خلال إعادة توظيفه لأعمال آخرين في أعماله الخاصة، حيث نرى صوراً تجمع بين نسخ مطابقة للشخوص التي نجدها في لوحات الفنان الأمريكي روي ليشتنستين Roy Lichtenstein، المستوحاة في نمطها من رسوم الكتب الهزلية، وكذلك أعمال الفنان النرويجي إدوارد مونش، Edvard Munch إضافة إلى أعمال الفنانين الفرنسيين جان أونوريه فراجونارد Jean-Honoré Fragonard، وبيير أوغست رينوار Pierre-Auguste Renoir.

وهذا ما يظهر بدوره مجابهة مفرج لهيمنة الممارسات الفنية الأوروبية- الأمريكية، من خلال مزجه للعديد من التقاليد المتباينة التي غالباً ما يتم دمجها مع أفكار خارجة عن كل ما هو مألوف، لخلق مدلولاتها الساخرة الخاصة بها. تتشابك، في تناقض مدهش، أعمال مثل لوحة "الموجة" الشهيرة للفنان الياباني هوكوساي، مع رسومات لنساء ليشتنستين المنتحبات: "لا يهمني! أفضل الغرق على أن أطلب من براد المساعدة"، بطريقة هزلية حذقة.


وحتى يومنا هذا، تبقى حاضرة تعبيرات مفرج المفعمة بالجرأة وتصوراته المعدلة عن التعبيرات الثقافية والجنسية، التي يتحدى من خلالها كل الثوابت الجنسية والثقافية والرموز الغربية التي سادت في زمنه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard